من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن أَسد الفارقي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن أسد الفارقي؟
الْحسن بن أَسد بن الْحسن الفارقي أَبُو نصرٍ شاعرٌ رَقِيق حَوَاشِي النّظم كثير التَّجْنِيس كَانَ فِي أَيَّام نظام الْملك وَالسُّلْطَان ملكشاه شَمله مِنْهُمَا الجاه بعد أَن قبض عَلَيْهِ وأساء إِلَيْهِ فَإِنَّهُ قد تولَّى آمد وأعمالها واستبدَّ بِاسْتِيفَاء مَالهَا فخلَّصه الْكَامِل الطَّبِيب وَكَانَ نحوياً رَأْسا وإماماً فِي اللُّغَة يقْتَدى بِهِ وصنَّف فِي الْآدَاب تصانيف وَله شرح اللُّمع كبيرٌ كتاب الإفصاح فِي العويص شرح فِيهِ أبياتاً مشكلةً وأجاد فِيهِ كتبته بخطي جَمِيعه وَكتاب الألغاز اتّفق أَنه كَانَ شاعرٌ من الْعَجم يعرف بالغسَّاني وَفد على أَحْمد بن مَرْوَان وَكَانَت عَادَته إِذا وَفد عَلَيْهِ الشَّاعِر يُكرمهُ وينزله وَلَا يستحضره إلاّ بعد ثَلَاثَة أيامٍ وَاتفقَ أنّ الغساَّني لم يكن أعدَّ شعرًا يمدحه بِهِ ثِقَة بِنَفسِهِ فَأَقَامَ ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يفتح عَلَيْهِ بِشَيْء فَأخذ قصيدةً من شعر ابْن أسدٍ وَلم يغيّر فِيهَا غير الِاسْم فَغَضب الْأَمِير وَقَالَ هَذَا العجميُّ يسخر منَّا فَأمر أَن يكْتب ذَلِك إِلَى ابْن أسدٍ فَأعْلم الغسانيُّ بعض الْحَاضِرين بذلك فجهَّز الغسَّانيُّ غُلَاما لَهُ جلدا إِلَى ابْن أسدٍ يدْخل عَلَيْهِ ويعرِّفه الْعذر فوصل الْغُلَام إِلَى ابْن أسدٍ قبل وُصُول قَاصد ابْن مَرْوَان فَلَمَّا علم ذَلِك كتب الْجَواب إِلَى ابْن مَرْوَان أَنه لم يقف على هَذِه القصيدة أبدا وَلم يرهَا إلاّ فِي كِتَابه فَلَمَّا وقف ابْن مَرْوَان على الْجَواب أَسَاءَ إِلَى السّاعي وسبَّه وَقَالَ إِنَّمَا تُرِيدُونَ فَضِيحَتِي بَين الْمُلُوك ويحملكم الْحَسَد ثمَّ أَنه أحسن إِلَى الغسَّانس وأكرمه غَايَة الاكرام وَعَاد إِلَى بِلَاده فَلم يمض على ذَلِك إلاّ مُدَّة حَتَّى اجْتمع أهل ميّا فارقين ودعوا ابْن أسدٍ إِلَى أَن يؤمِّروه عَلَيْهِم وَإِقَامَة الْخطْبَة للسُّلْطَان ملكشاه وَإِسْقَاط اسْم ابْن مَرْوَان فأجابهم إِلَى ذَلِك فحشد ابْن مَرْوَان وَنزل على ميَّافارقين فأعجزه أمرهَا فأنفذ إِلَى نظام الْملك)
وَالسُّلْطَان يستمدهما فأنفذا إِلَيْهِ جَيْشًا ومدداً مَعَ الغسَّاني الشَّاعِر الْمَذْكُور وَكَانَ قد تقدَّم عِنْد السُّلْطَان فصدقوا الحملة على ميّافارقين فملكوها وأخذوها عنْوَة وَقبض على ابْن أسدٍ وَجِيء بِهِ إِلَى ابْن مَرْوَان فَأمر بقتْله فَقَامَ الغسَّاني وجرَّد الْعِنَايَة فِي الشَّفَاعَة حَتَّى خلصه وكفله بعد عناءٍ شديدٍ فاستحيى مِنْهُ وَأطْلقهُ فَاجْتمع بِهِ وَقَالَ أتعرفني قَالَ لَا وَالله وَلَكِنِّي أعرف أَنَّك ملكٌ من السَّمَاء منَّ الله بك عليَّ لبَقَاء مهجتي فَقَالَ أَنا الَّذِي أدَّعيت قصيدتك وسترت عليَّ وَمَا جَزَاء الاحسان إلاّ
الاحسان فَقَالَ ابْن أسدٍ مَا سَمِعت بقصيدةٍ جحدت فنفعت صَاحبهَا مثل هَذِه فجزاك الله خيرا وَانْصَرف الغسَّانيُّ من حَيْثُ جَاءَ وَأقَام ابْن أسدٍ مُدَّة ونزحت حَاله وجفاه اخوانه وعاداه أعوانه وَلم يقدم أحدٌ على مرافدته حَتَّى أضرَّ بِهِ الْعَيْش ونظم قصيدةً مدح بهَا ابْن مَرْوَان فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا غضب وَقَالَ مَا يَكْفِيهِ أَن يخلص منا رَأْسا برأسٍ حَتَّى يُرِيد منا الرِّفد لقد أذكرني بِنَفسِهِ اصلبوه فصلب سنة سبعٍ وَثَمَانِينَ وأربعمئة وَمن شعره من الوافر
أريقاً من رضابك أم رحيقارشفت فلست من سكري مفيقا
وللصهباء أسماءٌولكنجهلت بأنَّ فِي الْأَسْمَاء ريقا
وَمِنْه من الْكَامِل
ولربَّ دانٍ مِنْك يكره قربهوتراه وَهُوَ غشاء عَيْنك والقذى
فاعرف وخلّ مجرّباً هَذَا الورىواترك لقاءك ذَا كفافاً والق ذَا
وَمِنْه من الْبَسِيط
يَا من جلا ثغره الدرَّ النظيم وَمنتخال أصداغه السود العناقيدا
اعطف على مستهامٍ صيم من أسفٍعلى هَوَاك وَفِي حَبل العناقيدا
وَمِنْه من الطَّوِيل
بَعدت فأمَّا الطَّرف مني فشاهدٌلشوقي وأمَّا الطّرف مِنْك فراقد
فسل عَن سهادي انجم اللَّيْل إِنَّهَاستشهد لي يَوْمًا بذلك الفراقد
قطعتك إِذا أَنْت الْقَرِيب لشقوتيوواصلني قومٌ إليَّ اباعد
فيا أهل ودِّي إِن أَبى وعد قربنازمانٌ فَأنْتم لي بِهِ إِن أَبى عدوا
وَمِنْه من الْبَسِيط
لَا يصرف الهمَّ إلاّ شدو محسنةٍأَو منظرٌ حسنٌ تهواه أَو قدح
)
والراح لهمّ أنقاها فَخذ طرفامِنْهَا ودع أمَّةً فِي شربهَا قَدَحُوا
بكرٌ تخال إِذا مَا المزج خالطهاسقاتها أَنَّهَا زنداً بهَا قَدَحُوا
وَمِنْه من السَّرِيع
تراك يَا متْلف جسمي وَيَامكثر إعلالي وإمراضي
من بعد مَا أضنيتني ساخطٌعليَّ فِي حبِّك أم رَاض
وَمِنْه من الْبَسِيط
قد كَانَ قلبِي صَحِيحا كالحمى زَمنافمذ أبحت الْهوى مِنْهُ الْحمى مَرضا
فَلم سخطت على من كَانَ شيمتهوَقد أتحت لَهُ فِيك الْحمام رضى
يَا من إِذا فوًّقت سَهْما لواحظهأضحى لَهَا كل قلبٍ قلبٍ غَرضا
أَنا الَّذِي إِن يمت حبّاً يمت أسفاوَمَا قضى فِيك من أغراضه غَرضا
ألبست ثوب سقامٍ فِيك صَار لَهُجسمي لدقَّته من سقمه عرضا
وصرت وَقفا على همٍ بجاذبنيأَيدي الصَّبابة فِيهِ كلما عرضا
مَا إِن قضى الله شَيْئا فِي خليقتهأشدَّ من زفرات الحبِّ حِين قضى
فَلَا قضى كلفٌ نحبي فأوجعنيإِن قيل إنّ المحبَّ المستهام قضى
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع