من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ملك النُّحَاة
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ملك النحاة (الحسن بن صافي)؟
الْحسن بن صافي بن عبد الله أَبُو نزار بن أبي الْحسن الْمَعْرُوف بِملك النُّحَاة
قَرَأَ مَذْهَب الشَّافِعِي على أَحْمد الأشنهي وَالْأُصُول على أبي عبد الله القيرواني وأصول الْفِقْه على أبي الْفَتْح بن برهَان وَالْخلاف على أسعد الميهني والنحو على أبي الْحسن عَليّ بن أبي زيد الفصيحي حَتَّى برع فِيهِ
ودرس النَّحْو فِي الْجَامِع بِبَغْدَاد ثمَّ سَافر إِلَى خُرَاسَان وكرمان وغزنة وَعَاد إِلَى الشَّام واستوطن دمشق إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَدفن بِبَاب الصَّغِير وَقد ناهز الثَّمَانِينَ
وَكَانَ صَحِيح الِاعْتِقَاد كريم النَّفس وصنف الْعُمر فِي النَّحْو والمنتخب فِي النَّحْو وَهُوَ كتاب جيد والمقتصد فِي التصريف وأسلوب الْحق فِي تَعْلِيل الْقرَاءَات الْعشْر وَشَيْء من الشواذ مجلدتان التَّذْكِرَة السفرية أربعمئة كراس الْعرُوض مُخْتَصر مُحَرر الْحَاكِم فِي
مَذْهَب الشَّافِعِي مجلدتان مُخْتَصر فِي أصُول الدّين المقامات حذا فِيهَا حَذْو الحريري ديوَان شعره
قَالَ ابْن يعِيش النَّحْوِيّ كَانَ لأبي نزار غلامٌ سيئ الْعشْرَة قَلِيل المبالاة بمولاه أرْسلهُ يَوْمًا)
فِي حَاجَة وَأَبْطَأ عَلَيْهِ وَجَاء بِغَيْر عذر جميل وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ جماعةٌ من أَصْحَابه وتلاميذه فَغَضب أَبُو نزار وَخرج عَن حد الْوَقار وَقَالَ لَهُ وَيلك أَخْبرنِي مَا سَبَب قلَّة مبالاتك بِي أنكتك قطّ فبادر الْغُلَام وَقَالَ عجلا لَا وَالله يَا مولَايَ معَاذ الله أَن تفعل ذَلِك قَالَ وَيلك فنكتني قطّ فحرك الْغُلَام رَأسه بتعجب من كَلَامه وَسكت فَقَالَ ملك النُّحَاة أدركني وَيلك بِالْجَوَابِ فَمَا هَذَا مَوضِع السُّكُوت لَا رعاك الله يَا ابْن الفاعلة عجل قل مَا عنْدك قَالَ لَا وَالله قَالَ فَمَا السَّبَب فِي أَنَّك لَا تقبل قولي وَلَا تسرع فِي حَاجَتي فَقَالَ لَهُ إِن كَانَ سَبَب الانبساط لَا يكون إِلَّا هذَيْن فأعدك أَلا أَعُود لما تكره
وَكَانَ ملك النُّحَاة مطبوعاً متناسب الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال يحكم على أهل التَّمْيِيز بِحكم ملكه فَيقبل وَلَا يستثقل وَكَانَ يَقُول هَل سِيبَوَيْهٍ إِلَّا من رعيتي وَلَو عَاشَ ابْن جني لم يَسعهُ إِلَّا حمل غاشيتي مر الشتيمة حُلْو الشيمة يضم يَده على الْمِائَة والمائتين وَيَمْشي وَهُوَ مِنْهَا صفر الْيَدَيْنِ مولعٌ بِاسْتِعْمَال الحلاوات السكرية وإهدائها إِلَى جِيرَانه
وخلع عَلَيْهِ نور الدّين مَحْمُود يَوْمًا خلعةً سنيةً فَمضى بهَا إِلَى منزله فَرَأى فِي طَرِيقه حَلقَة مَجْمُوعَة على تَيْس يخرج الخبايا فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ للفرجة قَالَ معلم التيس قد وقف فِي حلقتي رجلٌ عَظِيم الْقدر شَائِع الذّكر ملك فِي زِيّ سوقة أعلم النَّاس وَأكْرمهمْ وأجملهم فأرني إِيَّاه
فشق ذَلِك التيس النَّاس وَخرج حَتَّى وضع يَده على ملك النُّحَاة فَلم يَتَمَالَك أَن ألْقى عَلَيْهِ تِلْكَ الخلعة فَبلغ ذَلِك نور الدّين فَعَاتَبَهُ وَقَالَ اسْتِخْفَافًا فعلت هَذَا بخلعتنا فَقَالَ عُذْري فِي ذَلِك واضحٌ لِأَن فِي هَذِه الْمَدِينَة زِيَادَة على مائَة ألف تَيْس فَمَا فيهم من عرفني إِلَّا هَذَا التيس فجازيته على ذَلِك فَضَحِك نور الدّين مِنْهُ
وَكَانَ إِذا ذكر أحدٌ من النُّحَاة يَقُول كلبٌ من الْكلاب فَقَالَ لَهُ رجل يَوْمًا فَحِينَئِذٍ أَنْت ملك الْكلاب لست ملك النُّحَاة فاستشاط غَضبا وَقَالَ أخرجُوا عني هَذَا الْفُضُولِيّ
وعضت يَده يَوْمًا سنورة فربطها بمنديل فَقَالَ فتيَان بن عَليّ بن فتيَان النَّحْوِيّ الْأَسدي من المتقارب
عتبت على قطّ ملك النُّحَاةوَقلت أتيت بِغَيْر الصَّوَاب
عضضت يدا خلقت للندىوَبث الْعُلُوم وَضرب الرّقاب
فَأَعْرض عني وَقَالَ اتئدأَلَيْسَ القطاط أعادي الْكلاب
)
فبلغته فاستحيى فتيَان وَانْقطع عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ ملك النُّحَاة جَوَابا عَن أَبْيَات يعْتَذر فِيهَا من الْخَفِيف
يَا خليلي نلتما النعماءوتسنمتما الْعلَا والْعَلَاء
ألمما بالشاغور بِالْمَسْجِدِ المهجور واستمطرا لَهُ الأنواء
امنحا صَاحِبي الَّذِي كَانَ فِيهِكل يومٍ تَحِيَّة وثناء
ثمَّ قولا لَهُ اعْتبرنَا الَّذِي فهت بِهِ مادحاً فَكَانَ هجاء
وَقَبلنَا فِيهِ اعتذارك عَمَّاقَالَه الجاهلون عَنْك افتراء
وَقَالَ فتيَان رَأَيْته بعد مَوته فِي النّوم فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ أنشدته قصيدةً مَا فِي الْجنَّة مثلهَا فَتعلق بحفظي مِنْهَا من المنسرح
يَا هَذِه أقصري عَن العذلفلست فِي الْحل ويك من قبلي
يَا رب هَا قد أتيت معترفاًبِمَا جنته يداي من زلل
ملآن كفٍ بِكُل مأثمةٍصفر يدٍ من محَاسِن الْعَمَل
فَكيف أخْشَى نَارا مسعرةًوَأَنت يَا رب فِي الْقِيَامَة لي
قَالَ فو الله مُنْذُ فرغت من إنشادها مَا سَمِعت حسيس النَّار
وَمن شعره من الْكَامِل
يَا ابْن الَّذين نرفعوا فِي مجدهموعلت أخامصهم فروع شمام
أَنا عَالم ملكٌ بِكَسْر اللَّام فِيمَا أدعيه لَا بِفَتْح اللَّام
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع