تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابْن حجاج الشَّاعِر

الْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن حجاج أَبُو عبد الله الْكَاتِب الشَّاعِر ذُو المجون والخلاعة والسخف فِي شعره

كَانَ فَرد زَمَانه فِي بَابه

وَإِمَام الشّعْر فِي أضرابه أول من فتح ذَلِك الْبَاب أَبُو نواس وَجَاء ابْن حجاج بعده بالطم والرم وَأكْثر فَأحْسن واستوعب الإجادة فأمعن

وَأَنا أرَاهُ مِمَّن يُطلق عَلَيْهِ اسْم شَاعِر لِأَنَّهُ أَجَاد فِي الْمَدْح والهجو والرثاء والغزل وَالْوَصْف وَالْأَدب وَسَائِر أَنْوَاع الشّعْر لكنه فِي المجون إمامٌ وكل من أَتَى بعده بِشَيْء من)

ذَلِك فَهُوَ لَهُ غُلَام وَلما أَتَى ابْن الهبارية الْمَذْكُور فِي المحمدين بعده وَأَرَادَ يسْلك طَريقَة قصر وَكَانَ الْأَلْيَق بِهِ الْإِمْسَاك عَن مجاراته لَو تبصر

وَكَانَ حسن الْهَيْئَة واللبس والسمت وَالْوَقار والسكينة مدح ابْن حجاج الْمُلُوك والأمراء والوزراء والرؤساء وديوانه كَبِير إِلَى الْغَايَة أَكثر مَا يُوجد فِي عشر مجلدات ورأيته كثيرا فِي مجلدين وَفِي مُجَلد وَاحِد

تولى حسة بَغْدَاد مَرَّات وَأقَام بهَا مُدَّة يُقَال إِنَّه عزل بِأبي سعيد الْإِصْطَخْرِي الْفَقِيه الشَّافِعِي

قلت وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم فَإِن أَبَا سعيد توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة وَابْن حجاج توفّي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة بالنيل وَحمل إِلَى بَغْدَاد وَدفن عِنْد مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر ﵁ وَأوصى أَن يدْفن عِنْد رجلَيْهِ وَيكْتب على قَبره وكلبهم باسطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد وَكَانَ من كبار الشِّيعَة

وَرَآهُ أَحْمد بن الخازن فِي الْمَنَام بعد مَوته فَسَأَلَهُ عَن حَاله فأنشده من مجزوء الرجز

أفسد حسن مذهبيفِي الشّعْر سوء مذهبي
وحملي الْجد علىظهر حصان اللّعب
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أفسد سوء مذهبي»
لم يرض مولَايَ علىسبي أَصْحَاب النَّبِي
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أفسد سوء مذهبي»
وَقَالَ لي وَيلك يَاأَحمَق لم لم تتب
من سبّ قومٍ من رجاوَلَاء هم لم يخب
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أفسد سوء مذهبي»
رمت الرِّضَا جهلا بِمَاأصلاك ذَات اللهب

قلت أشهد أَن هَذَا الشّعْر نَفسه كَأَنَّهُ قَالَه حَيا

وَلما مَاتَ رثاه الشريف الرضي بقصيدة من جُمْلَتهَا من المتقارب

نعوه على حسن ظَنِّي بِهِفَللَّه مَاذَا نعى الناعيان
رَضِيع ولاءٍ لَهُ شُعْبَةمن الْقلب مثل رَضِيع اللبان
وَمَا كنت أَحسب أَن الزَّمَانيفل مضَارب ذَاك اللِّسَان
بكيتك للشرد السائراتتفتق ألفاظها بالمعاني
ليبك الزَّمَان طَويلا عَلَيْكفقد كنت خفَّة روح الزَّمَان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»

وَقد جمع أخباره أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن حمدون فِي مجلدة ذكر فِي أَولهَا قَالَ حَدثنِي)

صديقٌ لي قَالَ رَأَيْت عِنْد بعض الوراقين جُزْءا من هَذَا الشّعْر فِيهِ خَمْسُونَ ورقة فَسَأَلته أَن يبعينه بِمَا شَاءَ فَامْتنعَ وَقَالَ لي هَذَا الْجُزْء فِي دكاني بِمَنْزِلَة جَارِيَة طيبَة الْغناء مليحة الْوَجْه فِي القيان يكتريه حرفاء لي مجانٌ طيابٌ إِذا اجْتَمعُوا للشُّرْب بِأُجْرَة قد اتفقنا عَلَيْهَا فأستثني عَلَيْهِم بعد الْأُجْرَة أَن يتنقصوا لي من مَأْكَلهمْ ومشروبهم وفاكهتهم بِمَا يحمل إِلَيّ مَعَ الْجُزْء إِذا ردُّوهُ

وَقَالَ بَلغنِي عَمَّن يَقع إِلَيْهِ من طَبَقَات النَّاس فِي الْأَمْصَار والبلدان الْبَعِيدَة أَنهم يتهمون أَبَا عبد الله بسخفٍ فِي دينه ومروءته وَضعف عهدٍ فِي مودته وأمانته وتسلطه على الْأَعْرَاض برويته وبديهته فَإِذا أخْبرهُم من شَاهده عَمَّا فِيهِ من الْفضل وَالْحريَّة والديانة والمروءة والخفر وَالْحيَاء والتعلق بِالْخَيرِ والتبري من الشَّرّ وَالرُّجُوع فِي ذَلِك إِلَى أبوته الجليلة وقديمه الْمَشْهُور وبيته الْمَعْرُوف لم يصدقوه وَشَكوا فِي خَبره

وَقَالَ ابْن حجاج أعانني على مذهبي أَن أبي كَانَ أباع مستغلات لَهُ مُتَّصِلَة بدوره فابتاعها قومٌ نقضوها وبنوها خاناتٍ أسكنوها الشحاذين والغرباء السّفل وَذَوي العاهات المكديين وكل دلوك وقطعي من الْخلد والربيدية فَكنت أسمع فِي ليَالِي الصَّيف خَاصَّة مشاتمات رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ فَوق السطوح وَمَعِي دواةٌ وبياضٌ أثبت مَا أسمعهُ فَإِذا مر بِي مَا لَا أفهمهُ أثْبته على لَفظه واستدعيت من غدٍ من قد سَمِعت مِنْهُ ذَلِك وَأَنا عَارِف بلغاتهم لأَنهم جيراني فأسأله عَن التَّفْسِير وأكتبه وَلم أزل أصمعي تِلْكَ الْبَادِيَة مُدَّة

وَقَالَ فِي سخف شعره من الوافر

أيا مولَايَ هزلي تَحت جديوَتَحْت الْفضة انحرف اللحام
وشعري سخفه لَا بُد مِنْهُفقد طبنا وَزَالَ الاحتشام
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «وشعري سخفه لا بد منه»
وَهل دارٌ تكون بِلَا كنيفٍيكون لعاقلٍ فِيهَا مقَام

وَلما دخل أَبُو الطّيب المتنبي بَغْدَاد وأشير عَلَيْهِ بمدح الْوَزير المهلبي قَالَ حَتَّى يسير إِلَيّ الْجَائِزَة قبل ذَلِك فَإِذا رَأَيْتهَا مدحته على قدرهَا فَبلغ ذَلِك الْوَزير المهلبي فَغَضب وَأمر شعراء بَغْدَاد بهجوه فكلهم قَالَ مَا لَا وَقع قَرِيبا من مرماه فَقَالَ ابْن حجاج من المجتث

يَا دِيمَة الصفع صبيعلى قفا المتنبي
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا ديمة الصفع صبي»
وَأَنت يَا ريح بَطْنيعلى سباليه هبي
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا ديمة الصفع صبي»

)

القصيدة وَقَالَ غَيرهَا وَقد أَشرت إِلَى شَيْء من ذَلِك فِي تَرْجَمَة المتنبي فَلم يقر للمتنبي بِبَغْدَاد قرارٌ وَخرج مِنْهَا فَارًّا

وَمن مَعَاني ابْن حجاج الغريبة من الْبَسِيط

تَقول لي وَهِي غَضبى من تدللهاوَقد دعتني إِلَى شيءٍ فَمَا كَانَا
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «تقول لي وهي غضبى من تدللها»
إِن لم تنكني نيك الْمَرْء زَوجتهفَلَا تلمني إِذا أَصبَحت قرنانا
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «تقول لي وهي غضبى من تدللها»
مَا بَال أيرك من شمعٍ رخاوتهفَكلما عركته راحتي لانا

وَمِنْه وَقد صرف عَن الْحِسْبَة من المنسرح

قَالَ غلامي ومقلتاه تكفوجسمه ظَاهر السقام دنف

حسبتنا هَذِه الَّتِي كثر الإرجاف فِي أمرهتا فَلَيْسَ يقف

قد عزلونا عَنْهَا فَقلت نعموصاد فا عين وَاو نون ألف

وَمِنْه من الْخَفِيف ورقيعٍ أَرَادَ أَن يعرف النَّحْو بزِي الْعيار لَا المستفتي

قَالَ لي لست تعرف النَّحْو مثليقلت سلني عَنهُ أجب فِي الْوَقْت

قَالَ مَا الْمُبْتَدَأ وَمَا الْخَبَر الْمَجْرُور أخبر فَقلت ذقنك فِي استي وَمِنْه من المنسرح لَو كنت شاهين بنت جَارِيَة الْفضل وَكَانَ الْحَرِيم مَنْزِلك لَا بُد من عض عظم عصعص شبباك رواقات قنطرة حرك وَمِنْه من السَّرِيع

رَأَيْتهَا وَهِي على سطهاقاعدةٌ فِي جَانب السَّطْح
بشعرةٍ كرقشها يمتليبصوفه دور بني الصلحي
فَقلت بالمزح وَفِي طبعهافديتها صبرٌ على المزح
أشعرةٌ فِي السَّطْح أم هَذِهلحية فِرْعَوْن على الصرح
أغرك يَا ابْنة الْعشْرين سنٌّملكت بهَا الغضارة والنضاره
فَلَا يعظم عَلَيْك بَيَاض شعريفَإِن سَواد شعرك فِي القصاره

وَمِنْه من المجتث)

الصَّوْم قد هد جسميوَزَاد فِيهِ اصفراري
وَقد بقيت خيالالَكِن بِغَيْر إِزَار

وَمِنْه من مخلع الْبَسِيط

من ولد التّرْك أعجميٌّشباك بَاب استه مخرم
فَكل يَك فِي الْكَوْن مِنْهُقِيمَته صَاد هزار دِرْهَم

وَمِنْه من مجزوء الْكَامِل شعري الَّذِي أَصبَحت مِنْهُ فضيحةً بَين الملا

لَا يستجيب لخاطريإِلَّا إِذا دخل الخلا
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «شعري الذي أصبحت فيه»

وَمِنْه من الْخَفِيف

قيل إِن الْوَزير قد قَالَ شعرًايجمع الْجَهْل شَمله ويعمه
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قيل إن الوزير قد قال شعرا»
ثمَّ أخفاه فَهُوَ كالهر يخرافِي زَوَايَا الْبيُوت ثمَّ يطمه
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قيل إن الوزير قد قال شعرا»

وَمِنْه من الهزج بقد مثل غُصْن البان أَمْسَى وَهُوَ رَيَّان وَعين مثل عين الظبي أضحى وَهُوَ عطشان

غزالٌ ناعس الطّرفوَلَا يُقَال نعسان

وَمِنْه من الْبَسِيط

سقاني الْخمر من فِيهِ وَمن يَدهلما انْتَبَهت قبيل الصُّبْح وانتبها
فَقلت يَا ملبسي ثوب الغرام بِهِبِأَيّ شيءٍ مزجت الْخمر قَالَ بهَا

وَمِنْه من المنسرح

وَكلما رمت أَن أقابلهعلى تماديه تيهاً فِي تعديه
جَاءَت على غَفلَة محاسنهتلزمني الصفح عَن مساويه

وَمِنْه من الْخَفِيف وكبار الْمُلُوك مَا فتشوا قطّ وَكَانُوا إِلَّا كبار الأيور نعمٌ خصهم بهَا الله ختى استكملوا الْفضل فِي جَمِيع الْأُمُور وَمِنْه من الْخَفِيف)

وَيحكم يَا شُيُوخ أَو يَا كهول الْفسق أَو يَا معشر الفتيان

اشربوها حَمْرَاء مِمَّا اقتناهاآل دير العاقول للقربان
للشاعر الحسين بن أحمد بن محمد، من قصيدة «ويحكم يا كهول أو يا شيوخ ال»

بكؤوسٍ كَأَنَّهَا ورق النسرين فِيهَا شقائق النُّعْمَان

اشربوها وكل إثمٍ عَلَيْكُمإِن شربتم بالرطل فِي ميزَان
للشاعر الحسين بن أحمد بن محمد، من قصيدة «ويحكم يا كهول أو يا شيوخ ال»
فِي ليالٍ لَو أَنَّهَا دفعتنيوسط ظَهْري وَقعت فِي رَمَضَان
للشاعر الحسين بن أحمد بن محمد، من قصيدة «ويحكم يا كهول أو يا شيوخ ال»
أَنا إِبْلِيس فاشربوها وغنواأَنْت مثل الشَّيْطَان للْإنْسَان
أَنا جوذابةٌ ودهني صديديتَحت خصيي فِرْعَوْن أَو هامان

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْحَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.