من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
نَاصِر الدّين ابْن أَمِير الغرب
الْحُسَيْن بن خضر بن مُحَمَّد بن حجي بن كَرَامَة بن
بحتر بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم ابْن الْحُسَيْن بن)
إِسْحَاق بن مُحَمَّد التنوخي هُوَ الْأَمِير نَاصِر الدّين الْمَعْرُوف بِابْن أَمِير الغرب
هم بَيت حشمة وَمَكَارِم مقامهم بجبال الغرب من بِلَاد بيروت هُوَ وآباؤه لَهُم خدمٌ على النَّاس وتفضل
وَالْحُسَيْن بن إِسْحَاق فِي أجداده هُوَ ممدوح أبي الطّيب فِي القصيدة القافية الَّتِي قَالَهَا فِيهَا من الطَّوِيل
شدوا بِابْن إِسْحَاق الْحُسَيْن فصافحتدفاريها كيرانها والنمارق
وَله فيهم أمداحٌ ومراثٍ وكرامة بن بحتر هُوَ الَّذِي هَاجر إِلَى نور الدّين الشَّهِيد فأقطعه الغرب وَمَا مَعَه بإمرته فَسُمي أَمِير الغرب
قَالَ نَاصِر الدّين صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة ومنشوره إِلَى الْآن بِخَط عماد الدّين الْكَاتِب عندنَا وتحضر كَرَامَة بعد البداوة وَسكن حمص سلحمور من نواحي إقطاعه وَهُوَ على تلٍّ عالٍ بِغَيْر بِنَاء وانتشأ أَوْلَاده هُنَاكَ حصناً وَلم يزَالُوا إِلَى أَن كَانَ الْخضر وَكَانَ قذىً فِي عين صَاحب بيروت أَيَّام الفرنج وشجىً فِي حلقه ورام حصره مرَارًا فيتوعر الْوُصُول إِلَيْهِ فَلَمَّا صَار الْحَال إِلَى أَوْلَاده الشَّبَاب هادنهم صَاحب بيروت وسالمهم وَجعلُوا ينزلون إِلَى السَّاحِل وألفوا الصَّيْد بالطير وَغَيره فراسلهم وَطلب الِاجْتِمَاع بهم فِي الصَّيْد فَتوجه كبارهم وتصيدوا مَعَه إِلَى آخر النَّهَار فأكرمهم وَقدم لَهُم ضواري وطيوراً وكساهم قماشاً وَلمن مَعَهم وعادوا إِلَى حصنهمْ
وَلم يزل يستدرجهم مرّة بعد مرّة إِلَى أَن أخرج ابْنه مَعَه وَهُوَ شَاب فَقَالَ قد عزمت على زواجه وأدعو لَهُ مُلُوك السَّاحِل وأريدكم تحضرون ذَلِك النَّهَار فَتوجه الثَّلَاثَة الْكِبَار وَبَقِي أخوهم الصَّغِير فِي الْحصن ووالدته وَجَمَاعَة قَليلَة وتوجهوا إِلَيْهِ وامتلأ السَّاحِل بالشواني وَالْمَدينَة بالفرنج الغتم وتلقوهم بالشمع والمغاني فَلَمَّا صَارُوا فِي القلعة وجلسوا مَعَ الْمُلُوك غدروا بهم وتكاثروا عَلَيْهِم وأمسكوهم وأمسكوا غلمانهم وغرقوهم وركبوا فِي اللَّيْل وَمَعَ صَاحب بيروت جَمِيع الْعَسْكَر القبرسي وَاشْتَغلُوا بالحصن فانجفل الفلاحون والحريم وَالصبيان إِلَى الْجبَال والشعاب والكهوف وطاولوهم
وَعلم أهل الْحصن بِأَن الْجَمَاعَة قد أمسكوهم وغرقوهم ففتحوا الْبَاب فَخرجت الْعَجُوز وَمَعَهَا)
وَلَدهَا الصَّغِير وعمره سبع سِنِين وَلم يبْق من بَيتهمْ سوى هَذَا الصَّبِي واسْمه حجي وَهُوَ جد وَالِد نَاصِر الدّين
وَلما حضر السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَفتح صيدا وبيروت توجه إِلَى خدمته حجي وباس
رجل السُّلْطَان فِي ركابه فلمس رَأسه بِيَدِهِ وَقَالَ أَخذنَا ثأرك طيب قَلْبك أَنْت مَكَان أَبِيك
وَأمر لَهُ بِكِتَابَة أَمْلَاك أَبِيه وَهِي القرايا الَّتِي بِأَيْدِيهِم بستين فَارِسًا وَلم يزَالُوا على ذَلِك إِلَى أَيَّام الْمَنْصُور قلاوون
فَذكر أَوْلَاد تغلب من مشغرا قُدَّام الشجاعي أَن بيد الجبلية أملاكاً عَظِيمَة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَمن جُمْلَتهمْ أُمَرَاء الغرب وتوجهوا مَعَه إِلَى مصر فرسم الْمَنْصُور بإقطاع أَمْلَاك الجبلية مَعَ بِلَاد طرابلس لجندها وأمرائها فأقطعت لعشرين فَارِسًا من طرابلس
فَلَمَّا كَانَ أَيَّام الْملك الْأَشْرَف توجهوا إِلَيْهِ وسألوه أَن يخدموا على أملاكهم بالعدة فرسم لَهُم بهَا وَأَن يزيدوها عشرَة أرماحٍ أخر
وَلما كَانَ أَيَّام الروك فِي الْأَيَّام التنكزية وكشفها عَلَاء الدّين بن معبد حصل من تفضول فِي حَقهم فرسم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَن تستمر عَلَيْهِم بمضاعفة الْعدة فاستقرت عَلَيْهِم بستين فَارِسًا وَهِي إِلَى الْآن باقيةٌ على هَذَا الْحَال
وَأما هَذَا نَاصِر الدّين فَإِنَّهُ كثير المكارم وَالْإِحْسَان يخْدم كل من يتَوَجَّه إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة وَهُوَ مقيمٌ بقرية أعبية بِالْجَبَلِ وَله دارٌ حَسَنَة فِي بيروت يخْدم الغادي والرائح وَيهْدِي إِلَى أكَابِر النَّاس وأعيان الدولة
وَكنت قد تَوَجَّهت إِلَى بيروت وَلَك يكن بهَا فسير إِلَيّ قَاصِدا يطلبني لأتوجه إِلَيْهِ إِلَى أعبية فَرَأَيْت الْحَرَكَة تشق عَليّ فاعتذرت فَحَضَرَ هُوَ بعد أيامٍ بَعْدَمَا تفضل وَأحسن وَاجْتمعت بِهِ وَرَأَيْت مِنْهُ رياسةً كَثِيرَة
وَهُوَ يعرف عدَّة صنائع أتقنها وَيكْتب جيدا ويترسل وَفِيه عدَّة فَضَائِل وَلما اجْتمعت بِهِ ببيروت أنشدته من الْكَامِل
مَا زرت فِي أعبية قصد الجفاربعا تشرف بالأمير حُسَيْن
ورأيته فِي ثغر بيروت الَّذِيبنداه أصبح مجمع الْبَحْرين
وَسَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَلما كبر وأسن نزل عَن)
إمرته لوَلَده الْأَمِير زين الدّين صَالح وَبَقِي بعد ذَلِك قَرِيبا من سنتَيْن ثمَّ إِنَّه توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي نصف شَوَّال سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع