من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن رَوَاحَة الْحَمَوِيّ
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن رواحة الحموي؟
الْحُسَيْن بن عبد الله بن رَوَاحَة أَبُو عَليّ الْأنْصَارِيّ الْحَمَوِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي الشَّاعِر ابْن خطيب حماه ولد سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
سمع بِدِمَشْق من أبي المظفر الفلكي وَأبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْمرَادِي والصائن هبة الله وَجَمَاعَة
وَوَقع فِي أسر الفرنج وَبَقِي عِنْدهم مُدَّة وَولد لَهُ بجزائر الْبَحْر عز الدّين عبد الله وَقدم بِهِ الْإسْكَنْدَريَّة وسَمعه الْكثير من السلَفِي
وَكَانَ قد سَافر فِي الْبَحْر إِلَى الغرب فَأسر ثمَّ خلصه الله تَعَالَى وحصلت لَهُ الشَّهَادَة على عكا وَمن شعره من السَّرِيع
يَا قلب دع عَنْك الْهوى قسرامَا أَنْت مِنْهُ حامداً أمرا
أضعت دنياي بهجرانهإِن نلْت وصلا ضَاعَت الْأُخْرَى
وَعَكسه فَقَالَ من مجزوء الْكَامِل)
لاموا عَلَيْك وَمَا درواأَن الْهوى سَبَب السعاده
إِن كَانَ وصلٌ فالمنىأَو كَانَ هجرٌ فالشهاده
وَمن شعره من مخلع الْبَسِيط
إِن كَانَ يحلو لديك قَتْلِيفزد من الهجر فِي عَذَابي
عَسى يُطِيل الْوُقُوف بينيوَبَيْنك الله فِي الْحساب
وَذكرت هُنَا مَا قلته فِي هَذَا الْمَعْنى من الْبَسِيط
زِدْنِي عذَابا وَلَا تتْرك لجارحةٍمني حراكاً وَخذ روحي وجثماني
عساك فِي الْحَشْر لما أَن يطول غَداحسابنا تتملى مِنْك أجفاني
وَمن شعر ابْن رَوَاحَة من الْكَامِل
قل للروافض إِنَّكُم فِي سبكمأهل الْهدى فِي حبكم علم الْهدى
مثل النَّصَارَى لَا نسب لأجلهمعِيسَى وَقد سبوا النَّبِي مُحَمَّدًا
وَمِنْه فِي مليح اسْمه إِبْرَاهِيم من الرمل
صدني بعد اقترابٍ وجفانيقمرٌ يخجل مِنْهُ القمران
لست أَدْعُو باسمه ضناً بِهِغير أَنِّي بِالَّذِي أخفيه دَان
ظمئي فِيهِ ظما آخِرهلَيْتَني أَوله مِمَّا عراني
وَمِنْه فِي مليح اسْمه مبارك من الطَّوِيل
وأغيد لَا تحكي الأسنة لحظهوَلَا يملك الخطى لينًا بقده
تألفني قرب السقام لبعدهخالفني وصل الغرام بصده
صباحي إِذا مَا زارني فِيهِ مثلهوعيشي إِذا مَا صد عني بضده
وَمِنْه فِي مليح اسْمه إلْيَاس من السَّرِيع
أتيت من أهواه عكس اسْمهفَلم أنل مِنْهُ سوى الِاسْم
وَكلما أطمعني ضِدّهعَاد بِهِ التيه إِلَى الرَّسْم
وَمِنْه فِي هجو إِنْسَان بِمصْر من الْخَفِيف
أحكمت عرسه ضروب الأغانيمن ثقيلٍ فِي رَأسه وخفيف
وتمنت عَلَيْهِ كل الملاهيغَيره وَحده لِمَعْنى لطيف
)
فقضيباً لاسمٍ وناياً لشكلٍورباباً للجر والتصحيف
وَمِنْه من الوافر
أيحسن بعد ظَنك حسن ظَنِّيوَأجْمع بَين يأسي وَالتَّمَنِّي
وَمَا نفعي بعطفك بعد فوتٍكرقة شامتٍ من بعد دفن
أأطمع أَن أكون شَهِيد حبٍّفأصحب مِنْك حورياً بعدن
ملكت عَليّ أجفاني وقلبيفأبعدت الْكرَى والعذل عني
فكم أرعيت غير اللوم سَمْعِيوَكم أرعيت غير النّوم جفني
صددت وَمَا سوى إفراط وجديلَك الدَّاعِي إِلَى فرط التجني
لقد أبديت لي فِي كل حسنٍضروباً أبدعت لي كل حزن
فكم فنٍّ من الْبلوى عرانيلعشق الْوَصْف مِنْك بِكُل فن
كَأَنَّك رمت أَن أسلوك حَتَّىأَقمت الشّبَه فِي بدرٍ وغصن
فألبس وَجهك الأقمار تماًوَعلم قدك البان التثني
رماني فِي هَوَاك طماح طرفِيإِلَى حسنٍ فأخلف فِيهِ ظَنِّي
فكم دمعٍ حملت عَلَيْهِ عَيْنيوَكم ندمٍ قرعت عَلَيْهِ سني
غدرت وَمَا رَأَيْت سوى وفاءٍفَهَلا قبل يغلق فِيك رهني
أَقمت الْمَوْت لي رصداً فأخشىزيارته وَإِن يَك لم يزرني
وَخرج مِنْهَا إِلَى مدح السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَقَالَ يصف الأساطيل والسبايا من الوافر
لقد جلب الْجَوَارِي بالجوارييمدن بِكُل قدٍّ مرجحن
يزيدهم اجْتِمَاع الشمل بؤساًفمرنانٌ ينوح على مرن
فَمَا من ظبيةٍ تفدى بليثٍوَلَا ليثٍ فدا رشأٍ أغن
قَالَ أَبُو سَالم ابْن الزَّاهِد الْوَاعِظ الوَاسِطِيّ كنت جَالِسا مَعَ ابْن رَوَاحَة بحماه وَإِذا قد مر غلامٌ حسن فَدَعَاهُ فَقَالَ يَا فلَان مَا حملك على جفَاء فلَان وسمى شخصا قد مَاتَ مَعَ معرفتك بحبه لَك فَقَالَ الْغُلَام إِنِّي نَدِمت بعد ذَلِك فأنشدني ابْن رَوَاحَة فِي الْحَال لنَفسِهِ من الوافر
يرق لمن يَمُوت بِهِ شَهِيداويهجر دَائِما أهل الْبَقَاء
)
لتعلم أَنه من حور عدنٍمنال وصاله بعد الفناء
وَمن شعر ابْن رَوَاحَة فِي مليح يقْرَأ الْقُرْآن من الطَّوِيل
تَلا فَدَعَا قلبِي إِلَى حب وَصلهوعهدي بِمَا يتلوه ينْهَى عَن الْحبّ
فَكيف اصْطِبَارِي عَنهُ لَو كَانَ مسمعيغناء الغواني من مقبله العذب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع