من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الخليع بن الضَّحَّاك
الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك بن يَاسر أَبُو عَليّ الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالخليع مولى لولد سُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ الصَّحَابِيّ
أَصله من خُرَاسَان وَهُوَ شاعرٌ ماجنٌ مطبوع حسن الافتنان فِي ضروب الشّعْر وأنواعه
وَسمي بالخليع لِكَثْرَة مجونه وخلاعاته
قَالَ المرزباني يعرف بِحُسَيْن الْأَشْقَر بلغ سنا عالية قَارب التسعين أَو جاوزها يُقَال إِنَّه ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَمَات سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ
وَحكى يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي عَنهُ قَالَ أذكر وَأَنا صبيٌّ موت شُعْبَة ابْن الْحجَّاج وَشعْبَة مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة
واتصل لَهُ من منادمة الْخُلَفَاء مَا لم يتَّصل لأحدٍ إِلَّا لإسحاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي فَإِنَّهُ قاربه فِي ذَلِك أَو ساواه جَالس الرشيد قبل أَن ينكب البرامكة ثمَّ جَالس من بعده من الْخُلَفَاء إِلَى)
آخر أَيَّام الواثق وَصَحب الْأمين سنة ثمانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَلم يزل مَعَ الْخُلَفَاء إِلَى أَيَّام المستعين وَله يَقُول من السَّرِيع
أسلفت أسلافك فِي خدمتيمن مدتي إِحْدَى وستينا
كنت ابْن عشْرين وستٍّ وَقدوفيت سبعا وثمانينا
وَكَانَ شَدِيد الْمُوَالَاة فِي الْأمين ورثاه بمراثٍ كَثِيرَة
عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق عَن أَبِيه قَالَ كنت بَين يَدي الْمَأْمُون وَاقِفًا إِذْ دخل ابْن البواب وَفِي يَده رقْعَة فِيهَا أَبْيَات وَقَالَ إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْذَن لي فِي إنشادها فظنها لَهُ فَقَالَ هَات فأنشده من الطَّوِيل
أجرني فَإِنِّي قد ظمئت إِلَى الْوَعْدمَتى ينجز الْوَعْد الْمُؤَكّد بالعهد
أُعِيذك من خلقٍ ملولٍ وَقد ترىتقطع أنفاسي عَلَيْك من الوجد
أيبخل فَرد الْحسن عني بنائلٍقليلٍ وَقد أفردته بهوىً فَرد
إِلَى أَن بلغ قَوْله من الطَّوِيل
رأى الله عبد الله خير عبادهفملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ
إِلَّا إِنَّمَا الْمَأْمُون لله عصمةٌمميزةٌ بَين الضَّلَالَة والرشد
فَقَالَ الْمَأْمُون أَحْسَنت يَا عبد الله فَقَالَ بل أحسن قَائِلهَا قَالَ وَمن هُوَ قَالَ عَبدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فقطب ثمَّ قَالَ لَا حَيَّاهُ الله وَلَا بياه وَلَا قربه وَلَا أنعم لَهُ عينا أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل من الطَّوِيل
أعيني جودا وابكيا لمحمدٍوَلَا تذخرا دمعاً عَلَيْهِ وأسعدا
فَلَا تمت الْأَشْيَاء بعد مُحَمَّدوَلَا زَالَ شَمل الْملك فِيهِ مبددا
وَلَا فَرح الْمَأْمُون بِالْملكِ بعدهوَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريداً مشرداً
هَذَا بِذَاكَ فَلَا شَيْء لَهُ عندنَا فَقَالَ لَهُ ابْن البواب فَأَيْنَ فضل إِحْسَان أَمِير الْمُؤمنِينَ وسعة حلمه وعادته فِي الْعَفو فَأمر بإحضاره فَلَمَّا حضر سلم فَرد عَلَيْهِ خافياً ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي عَنْك هَل عرفت يَوْم قتل أخي مُحَمَّد ﵀ هاشميةً قتلت وهتكت قَالَ لَا
قَالَ فَمَا معنى قَوْلك من الطَّوِيل
وَمِمَّا شجى قلبِي وكفكف عبرتيمحارم من آل النَّبِي استحلت
)
ومهتوكةٌ بالخلد عَنْهَا سجوفهاكعابٌ كقرن الشَّمْس حِين تبدت
إِذا أخفرتها روعةٌ من منازعٍبهَا المرط عاذت بالخشوع ورنت
وسرب ظباءٍ من ذؤابة هاشمٍهتفن بِدَعْوَى خير حيٍّ وميت
أرد يدا مني إِذا مَا ذكرتهعلى كبدٍ حرى وقلبٍ مفتت
فَلَا بَات ليل الشامتين بغبطةٍوَلَا بلغت آمالها مَا تمنت
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لوعةٌ غلبتني وروعةٌ فجأتني ونعمةٌ سلبتها بعد أَن غمرتني
وإحسان شكرته فأنطقني وسيدٌ فقدته فأقلقني فَإِن عَاقَبت فبحقك وَإِن عَفَوْت فبفضلك فَدَمَعَتْ عين الْمَأْمُون وَقَالَ قد عَفَوْت عَنْك وَأمرت بإدرار رزقك عَلَيْك وإعطائك مَا فَاتَ مِنْهَا وَجعلت عُقُوبَة ذَنْبك امتناعي عَن استخدامك
وللحسين بن الضَّحَّاك مَعَ أبي نواس أخبارٌ ونوادر قَالَ الْحُسَيْن أنشدت أَبَا نواس قولي من المنسرح وشاطري اللِّسَان مختلق التكريه شَاب المجون بالنسك حَتَّى بلغت قولي
كَأَنَّمَا نصب كأسه قمرٌيكرع فِي بعض أنجم الْفلك
قَالَ فأنشدني لنَفسِهِ بعد أَيَّام من الطَّوِيل
إِذا عب فِيهَا شَارِب الْقَوْم خلتهيقبل فِي داجٍ من اللَّيْل كوكبا
قَالَ فَقلت لَهُ يَا أَبَا عَليّ هَذِه مصالتةٌ قَالَ أفتظن أَن يرْوى لَك فِي الْخمر معنى جيدٌ وَأَنا حَيّ
وَلما ولي المعتصم الْخلَافَة سَأَلَ عَن الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فَأخْبر بمقامه بِالْبَصْرَةِ لانحراف الْمَأْمُون عَنهُ فَأمر بقدومه عَلَيْهِ فَلَمَّا دخل سلم وَاسْتَأْذَنَ فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فأنشده من الْكَامِل
هلا رحمت تلدد المشتاقومننت قبل فِرَاقه بتلاق
إِن الرَّقِيب ليستريب تنفسيصعداً إِلَيْك وَظَاهر الإقلاق
نَفسِي الْفِدَاء لخائفٍ مترقبجعل الْوَدَاع إِشَارَة بعناق
إِذْ لَا مقَال لمفحمٍ متحيرٍإِلَّا الدُّمُوع تصان بالإطراق
)
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله من الْكَامِل
خير الْوُفُود مبشرٌ بخلافةٍخصت ببهجتها أَبَا إِسْحَاق
وافته فِي الشَّهْر الْحَرَام سليمةٌمن كل مشكلة وكل شقَاق
سكن الزَّمَان إِلَى الإِمَام سَلامَةعف الضَّمِير مهذب الْأَخْلَاق
فحمى رَعيته ودافع دونهَاوأجار مملقها من الإملاق
حَتَّى أتمهَا فَقَالَ لَهُ المعتصم أدن مني فَدَنَا مِنْهُ فَمَلَأ فَمه جوهراً من جَوْهَر كَانَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ أمره أَن يُخرجهُ من فَمه فَأخْرجهُ وَأمر أَن ينظم وَيدْفَع إِلَيْهِ وَيخرج إِلَى النَّاس وَهُوَ فِي يَده ليعلم النَّاس موقعه من رَأْيه ويعفوا ثَمَرَة إحسانه
وَمن شعره من الهزج
أيا من طرفه سحروَيَا من رِيقه خمر
تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصَّبْر وَمَا أحسن فِي مثلك أَن ينهتك السّتْر
فَإِن عنفني النَّاسفَفِي وَجهك لي عذر
وَمِنْه من الْخَفِيف
صل بخدي خديك تلق عجيباًمن معانٍ يحار فِيهَا الضَّمِير
فبخديك للربيع رياضٌوبخدي للدموع غَدِير
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع