من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
سعد الدّين بن شبيب
الْحُسَيْن بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن بكر بن شبيب الطَّيِّبِيّ أَبُو عبد الله الْكَاتِب سعد الدّين
كَانَ من الْأَعْيَان الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين بالأدب وَكَمَال الظّرْف اخْتصَّ بِخِدْمَة الإِمَام المستنجد بِاللَّه وقربه ومنادمته
ولي الإشراف بالمخزن أَيَّام المستضيء وَلما عزل ابْن الْعَطَّار عَن نظر المخزن تولى سعد الدّين مَكَانَهُ أَيَّام النَّاصِر سنة خمس وَسبعين ثمَّ عزل سنته
دخل على المستنجد يَوْمًا فَقَالَ لَهُ أَيْن شتيت فَقَالَ لَهُ عنْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأعجبه هَذَا التَّصْحِيف مِنْهُ
وَذكره الْعِمَاد الْكَاتِب فِي الخريدة فَقَالَ ابْن شبيبٍ حُلْو التشبيب رَقِيق نسيم النسيب
وَقَالَ ابْن شبيب فِي المستنجد من الْبَسِيط
أَنْت الإِمَام الَّذِي يَحْكِي بسيرتهمن نَاب بعد رَسُول الله أَو خلفا
أَصبَحت لب بني الْعَبَّاس كلهمإِن عددت بحروف الْجمل الخلفا
المستنجد هُوَ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ من الْخُلَفَاء ولب جمل حروفها اثْنَان وَثَلَاثُونَ
ولد ابْن شبيب سنة خَمْسمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَدفن بمقبرة الْكَرْخِي
وَمن شعر ابْن شبيب من الطَّوِيل
وأغيد لم تسمح لنا بوصالهيَد الدَّهْر حَتَّى دب فِي عاجه النَّمْل
تمنيت لما اختط فقدان ناظريوَلم أر إنْسَانا تمنى الْعَمى قبل
ليبقى على مر الزَّمَان خيالهخيالي وَفِي عَيْني لمنظره شكل
وَمِنْه من الطَّوِيل
سرى والدجى تصبي غدائره الجوننسيمٌ على سر الْأَحِبَّة مَأْمُون
فراحت قدود البان من سكر راحهنشاوى فقد كَادَت تميد الميادين
وشق لَهُ ورد الشقائق جيبهمن الوجد وارتاحت إِلَيْهِ الرياحين
)
وغنت لَهُ الورقاء بَين مُورقتجاوبها من جانبيه الوراشين
فَبلغ من سر التحايا لطائماًفهاج غراماً بالأضالع مَكْنُون
تهادى بِهِ طيف البخيلة واهتدىوَمن دُوننَا الْبَين المشت أَو الْبَين
عَلَيْهِ من الظلماء ريطٌ ممسكٌوَفِي جيده من لُؤْلُؤ الطل موضون
وَمَا اسْتَيْقَظَ الواشون إِلَّا بنشرهفَقَالُوا وَمَا قَالُوهُ حدسٌ وتخمين
وعرج عَنَّا يَجْعَل اللَّيْل مركبالَهُ وقمير الْفجْر فِي الشرق عرجون
صبا أذكرت عهد الصِّبَا وصبابتيبأسماء إِذْ دَار الْأَحِبَّة دارين
سرى حَيْثُ لَا تسري الشُّمُول ودونههوى دافنٌ بَين الجوانح مدفون
وبحر الْهوى حامي الغوارب مزبدٌمخوفٌ وفلكي بالصبابة مشحون
مشارع للعشاق فِيهَا مناسكٌلدين التصابي والنفوس قرابين
صَحا الْقلب إِلَّا عَن هَواهَا فإننيبهَا بعد هجران الغواية مفتون
إِذا جن ليل جن حبي صبَابَةبهم وليالي العاشقين بحارين
وَقد ظن خالٍ من جوى الْحبّ أَنمايخص بِهِ الماضون قيسٌ وَمَيْمُون
لعمرك كم للعامريات من بِهِجُنُون وَكم للدارميات مِسْكين
وَكم لأمير الْمُؤمنِينَ صنائعٌهِيَ الرمل مَا ضمت زرود ويبرين
وَمِنْه من المتقارب
إِذا حل تشرين فاحلل أوانافَإِن لكل سرورٍ أوانا
فَهَذَا الرّبيع ضفا ظلهورق النسيم سحيراً ولانا
مِنْهَا من المتقارب
وَقد سكنت نزوات الْعقاروَبَان الْوَقار عَلَيْهَا وآنا
وصهباء لم تبتذلها الْيَهُودوَلَا دوستها النَّصَارَى أمتهانا
تأنق فِي عصرها الْمُسلمُونَبأيمانهم يملؤون الدنانا
فمازج نشوتها عزةٌفصالت على الْعقل حَتَّى استكانا
فقد حرموها لِأَن الوضيع من جَهله بالشريف استهانا
وندبٍ ندبنا لتحصيلهافَمَا جشر الصُّبْح حَتَّى أَتَانَا
)
فجَاء بهَا عطرٌ نشرهافَأَهْدَتْ عَن السفح زندا وبانا
وقمنا نقبل تيجانهاونشكر من بَاعهَا واشترانا
أهنا الكرائم فِي مهرهَاوَلنْ يكرم الْمَرْء حَتَّى يهانا
وَطَاف بهَا وبضراتهاغزالٌ إِذا صدق الْوَعْد مانا
فَمَا درةٌ شدخت بالضياءنَهَارا وَمَا جبت عَنْهَا الصوانا
تراءت فَكفر غواصهالَدَيْهَا وأسجدت المرزبانا
بِأَحْسَن مِمَّن أدَار المدامفورست الكأس مِنْهُ البنانا
قلت شعر جيد وَقَوله فمازج نشوتها عزة الْبَيْتَيْنِ يشبه قَول الحيص بيص من الْخَفِيف لَا تَضَعْ من عظيمِ قدرٍ وَإِن كنت مشاراً إِلَيْهِ بالتعظيم
فالشريف الرفيع يسْقط قدرابالتجري على الشريف الْعَظِيم
ولع الْخمر بالعقول رمى الْخمر بتنجيسها وبالتحريم وَكَانَ مقداماً على حل الألغاز لَا يكد يتَوَقَّف عَمَّا يسْأَل عَنهُ فتفاوض أَبُو غَالب بن الْحصين هُوَ وَأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن سليمات بن قتلمش الَّذِي تقدم ذكره فِي المحمدين فِي أَمر ابْن شبيب هَذَا وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من حل اللغز فَقَالَ أَبُو مَنْصُور تعال حَتَّى نعمل لغزاً محالاً ونسأله عَنهُ ونظم أَبُو مَنْصُور من الوافر
وَمَا شيءٌ لَهُ فِي الرَّأْس رجلٌوَمَوْضِع وَجهه مِنْهُ قَفاهُ
إِذا غمضت عَيْنك أبصرتهوَإِن فتحت عَيْنك لَا ترَاهُ
ونظم أَيْضا من الهزج
وجارٍ وَهُوَ تيارضَعِيف الْعقل خوار
بِلَا لحمٍ وَلَا ريشٍوَلَكِن هُوَ طيار
بطبعٍ باردٍ جداوَلَكِن كُله نَار
وأنفذ اللغزين إِلَيْهِ فَكتب على الأول هُوَ طيف الخيال وَكتب على الثَّانِي هُوَ الزئبق فجاءا إِلَيْهِ وَقَالا لَهُ هَب اللغز الأول هُوَ طيف الخيال وَالْبَيْت الثَّانِي يساعدك عَلَيْهِ فَكيف تعْمل فِي الأول فَقَالَ لِأَن المنامات تفسر بِالْعَكْسِ لِأَن من بَكَى يُفَسر لَهُ بالضحك وَمن مَاتَ)
فسر لَهُ بطول الْعُمر وَفسّر اللغز الثَّانِي فَقَالَ أَبُو مَنْصُور تكلم عَلَيْهِ كلَاما شَذَّ عني
قلت قَوْله وَلَكِن هُوَ طيار أَرْبَاب صناعَة الكيمياء يرمزون للزئبق بالطيار والفرا والآبق وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يُنَاسب صفته وَأما برده فَظَاهر ولإفراط برده ثقل جرمه وَكله نارٌ لسرعة حركته وتشكله فِي افتراقه والتئامه كألسنة النَّار وعَلى كل حَال فَفِي ذَلِك تسامحٌ يجوز فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء الْبَاطِلَة إِذا نزلت على الْحَقَائِق
وَقد ذكر ابْن شرف القيرواني فِي كِتَابه أبكار الأفكار عَن رجلٍ يعرف بِأبي عَليّ التّونسِيّ وَأَنه وضع ألغازاً من هَذِه الْمَادَّة الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا وأنشده إِيَّاهَا فيجيب عَنْهَا على الْفَوْر وينزلها على حقائق من ذَلِك أَنه صنع لَهُ لغزاً وَهُوَ من السَّرِيع
مَا طائرٌ فِي الأَرْض منقارهوجسمه ي الْأُفق الْأَعْلَى
مَا زَالَ مَشْغُولًا بِهِ غَيرهوَلَا يرى أَنه لَهُ شغلا
فَقَالَ للْوَقْت والساعة هِيَ الشَّمْس وَأخذ يتَكَلَّم على شرح ذَلِك وَذكر عدَّة ألغازٍ وَضعهَا لَهُ وَهُوَ ينزلها على حقائق وَيذكر لَهَا مناسباتٍ لائقةً بذلك وسرد الْجَمِيع فِي أبكار الأفكار
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع