من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
مؤيد الدّين الطغرائي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن الطغرائي؟
الْحُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد العميد فَخر الْكتاب أَبُو إِسْمَاعِيل مؤيد الدّين الطغرائي بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْغَيْن وَبعد الرَّاء ألف ممدودة وياء النّسَب هَذِه نِسْبَة إِلَى من يكْتب الطغراء وَهِي الطرة الَّتِي فِي أَعلَى المناشير والكتب فَوق الْبَسْمَلَة الْكَاتِب المنشئ
ولي الْكِتَابَة مُدَّة بإربل وَكَانَ وَزِير السُّلْطَان مَسْعُود بن مُحَمَّد السلجوقي بالموصل وَلما جرى)
بَينه وَبَين أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُود المصاف بِالْقربِ من همذان وَكَانَت النُّصْرَة لمحمود أول من أَخذ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْمَاعِيل وَزِير مَسْعُود فَأخْبر بِهِ وَزِير مَحْمُود وَهُوَ الْكَمَال نظام الدّين أَبُو طَالب عَليّ بن أَحْمد بن حَرْب السميرمي قَالَ الشهَاب أسعد وَكَانَ طغرائياً فِي ذَلِك الْوَقْت نِيَابَة عَن النصير الْكَاتِب هَذَا الرجل ملحد يَعْنِي الْأُسْتَاذ فَقَالَ وَزِير مَحْمُود من يكون ملحداً يقتل فَقتل ظلما وَقد كَانُوا خَافُوا مِنْهُ فاعتمدوا قَتله وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة وَقيل إِنَّه قتل سنة أَربع عشرَة وَقيل ثَمَانِي عشرَة وَقد جَاوز السِّتين
وَقيل إِن أَخا مخدومه لما عزم على قَتله أَمر أَن يشد إِلَى شَجَرَة وَأَن يقف تجاهه جماعةٌ يرمونه بالنشاب وأوقف إنْسَانا خلف الشَّجَرَة من غير أَن يشْعر بِهِ ليسمع مَا يَقُول وَقَالَ لأرباب السِّهَام لَا ترموا إِلَّا إِذا أَشرت إِلَيْكُم فوقفوا تجاهه والسهام بِأَيْدِيهِم مفوقةٌ نَحوه فَأَنْشد الطغرائي من الْكَامِل
ولد أَقُول لمن يسدد سَهْمهنحوي وأسياف الْمنية شرع
وَالْمَوْت فِي لحظات أخزر طرفهدوني وقلبي دونه يتقطع
بِاللَّه فتش عَن فُؤَادِي هَل ترىفِيهِ لغير هوى الْأَحِبَّة مَوضِع
أَهْون بِهِ لَو لم يكن فِي طيهعهد الحبيب وسره الْمُسْتَوْدع
فرق لَهُ وَأمر بِإِطْلَاقِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت
ثمَّ إِن الْوَزير عمل عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَقَتله ﵀ ثمَّ وثب على الْوَزير عبدٌ من عبيد مؤيد الدّين الطغرائي فَقتله بعد سنة
وَله القصيدة اللامية الْمَعْرُوفَة بلامية الْعَجم الَّتِي أَولهَا من الْبَسِيط
أَصَالَة الرَّأْي صانتني عَن الخطلوَحلية الْفضل زانتني لَدَى العطل
وَهِي من غرر القصائد ودرر الْفَوَائِد لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من لطف الْغَزل واحتوت عَلَيْهِ من الحكم والأمثال وَقد وضعت عَلَيْهَا شرحاً فِي أَربع مجلدات
وتقوى بذهنه الْوَقَّاد حَتَّى حل رموز الكمياء وَله فِي ذَلِك تصانيف معتبرةٌ عِنْد أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ مِنْهَا كتاب مَفَاتِيح الرَّحْمَة ومصابيح الْحِكْمَة وجامع الْأَسْرَار وَكتاب تراكيب الْأَنْوَار ورسالة وسمها بِذَات الْفَوَائِد وحقائق الاستشهادات يبين فِيهِ إِثْبَات صناعَة الكيمياء وَيرد على ابْن سينا فِي إِبْطَالهَا بمقدمات من كتاب الشِّفَاء وَله مقاطيع شعر فِي الكيمياء)
وَمن شعره من الطَّوِيل
وَمن عجب الْأَشْيَاء أَنِّي واقفٌعلى الْكَنْز من يظفر بِهِ فَهُوَ مبخوت
وَأَن كنوز الأَرْض شرقاً ومغرباًمفاتحها عِنْدِي ويعجزني الْقُوت
وَلَوْلَا مُلُوك الْجور فِي الأَرْض أَصبَحتوحصباؤها درٌّ لدي وَيَاقُوت
وَمِنْه من الْكَامِل
أما الْعُلُوم فقد ظَفرت ببغيتيفِيهَا فَمَا أحتاج أَن أتعلما
وَعرفت أسرار الخليقة كلهَاعلما أنار لي البهيم المظلما
وورثت هرمس سر حكمته الَّذِيمَا زَالَ ظنا فِي الغيوب مرجما
وملكت مِفْتَاح الْكُنُوز بفطنةٍكشفت لي السِّرّ الْخَفي المبهما
لَوْلَا التقية كنت أظهر معجزاًمن حكمتي تشفي الْقُلُوب من الْعَمى
أَهْوى التكرم والتظاهر بِالَّذِيعَلمته وَالْعقل ينْهَى عَنْهُمَا
وَأُرِيد لَا ألْقى عيياً مُوسِرًافِي الْعَالمين وَلَا لبيباً معدما
وَالنَّاس إِمَّا ظالمٌ أَو جاهلٌفَمَتَى أُطِيق تكرماً وتكلما
وَمِنْه من الطَّوِيل
سأحجب عني أسرتي عِنْد عسرتيوأبرز فيهم إِن أصبت ثراء
ولي أسوةٌ بالبدر ينْفق نورهفيخفى إِلَى أَن يستجد ضِيَاء
قلت أَخذه من قَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ من الطَّوِيل
رَأَيْتُك إِن أَيسَرت خيمت عندنَالزاماً وَإِن أعسرت زرت لماما
فَمَا أَنْت إِلَّا الْبَدْر إِن قل ضؤوهأغب وَإِن زَاد الضياء أَقَامَا
وَمن شعره من الطَّوِيل
وردنا سحيراً بَين يَوْم وَلَيْلَةوَقد علقت بالغرب أَيدي الركائب
على حِين عرى منْكب الشرق جدبةٌمن الصُّبْح واسترخى عنان الغياهب
وَمِنْه من الطَّوِيل
ونفسٍ بأعقاب الخطوب بصيرةٌلَهَا من طلاع الْغَيْب حادٍ وقائد
وتأنف أَن يشفي الزلَال غليلهاإِذا هِيَ لم تشتق إِلَيْهَا الْمَوَارِد
)
إِنِّي لأذكركم وَقد بلغ الظمامني فأشرق بالزلال الْبَارِد
وَأَقُول لَيْت أحبتي عاينتهمقبل الْمَمَات وَلَو بيومٍ وَاحِد
وَمِنْه من الْكَامِل
مرض النسيم وَصَحَّ والداء الَّذِيأشكوه لَا يُرْجَى لَهُ إفراق
وهدا خفوق الْبَرْق وَالْقلب الَّذِيضمت عَلَيْهِ جوانحي خفاق
وَمِنْه من الْبَسِيط
تالله مَا استحسنت من بعد فرقتكمعَيْني سواكم وَلَا استمتعت بِالنّظرِ
إِن كَانَ فِي الأَرْض شيءٌ غَيْركُمْ حسنافَإِن حبكم غطى على بَصرِي
وَمِنْه من الْخَفِيف
خبروها أَنِّي مَرضت فَقَالَتأضنىً طارفاً شكا أم تليدا
وأشاروا بِأَن تعود وِسَادِيفَأَبت وَهِي تشْتَهي أَن تعودا
وأتتني فِي خُفْيَة وَهِي تَشْكُوألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كَذَا فَلم تتمالكأَن أمالت عَليّ عطفا وجيدا
وَمِنْه من المتقارب
غصون الْخلاف اكتست فانبرتلَهَا الطير دارسةً شجوها
مُقَدّمَة لوُرُود الرّبيع تشخص أبصارنا نَحْوهَا
أحست برحلة فصل الشتَاءفَجَاءَت وَقد قلبت فروها
يشبه قَول الآخر من السَّرِيع
قد أقبل الصَّيف وَولى الشتاوَعَن قليلٍ نسأم الحرا
أما ترى البان بأغصانهقد قلب الفرو إِلَى برا
وَقَالَ الطغرائي فِي الشمعة من الْكَامِل
يحيي بِمَا يفنى بِهِ من جِسْمهفحياته مرهونةٌ بفنائه
ساويته فِي لَونه ونحولهوفضلته فِي بؤسه وشقائه
هَب أَنه مثلي بحرقة قلبهوسهاده طول الدجى وبكائه
أفوادعٌ طول النَّهَار مرفهٌكمعذبٍ بِصَاحِبِهِ ومسائه
)
قلت شعر جيد فِي الذرْوَة
وَأما قصيدته اللامية فَلَا بَأْس بإيرادها وَهِي من الْبَسِيط
أَصَالَة الرَّأْي صانتني عَن الخطلوَحلية الْفضل زانتني لَدَى العطل
مجدي أخيراً ومجدي أَولا شرعٌوَالشَّمْس رأد الضُّحَى كَالشَّمْسِ فِي الطِّفْل
فِيمَا الْإِقَامَة بالزوراء لَا سكنيبهَا وَلَا نَاقَتي فِيهَا وَلَا جملي
ناءٍ عَن الْأَهْل صفر الرحل منفردٌكالسيف عري متناه من الْخلَل
فَلَا صديقٌ إِلَيْهِ مشتكى حزنيوَلَا أنيسٌ إِلَيْهِ مُنْتَهى جذلي
طَال اغترابي حَتَّى حن رَاحِلَتيورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغبٍ نضوي وعج لمايلقى ركابي ولج الركب فِي عذلي
أَرْبَد بسطة كف أستعين بهَاعلى قَضَاء حقوقٍ للعلا قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعنيمن الْغَنِيمَة بعد الكد بالقفل
وَذي شطاطٍ كصد الرمْح معتقلٍلمثله غير هبابٍ وَلَا وكل
حُلْو الفكاهة مر الْجد قد مزجتبقسوة الْبَأْس مِنْهُ رقة الْغَزل
طردت سرح الْكرَى عَن ورد مقلتهوَاللَّيْل أغرى سوام النّوم بالمقل
والركب ميلٌ على الأكوار من طربٍصاحٍ وَآخر من خمر الْكرَى ثمل
فَقلت أَدْعُوك للجلى لتنصرنيوَأَنت تخذلني فِي الْحَادِث الجلل
تنام عَيْني وَعين النَّجْم ساهرةٌوتستحيل وصبغ اللَّيْل لم يحل
فَهَل تعين على غيٍّ هَمَمْت بِهِوالغي يزْجر أَحْيَانًا عَن الفشل
إِنِّي أُرِيد طروق الْحَيّ من إضمٍوَقد حماه رماةٌ الْحَيّ من ثعل
يحْمُونَ بالبيض والسمر اللدان بِهِسمر الغدائر حمر الْحلِيّ وَالْحلَل
فسر بِنَا فِي ظلام اللَّيْل مهتدياًفنفحة الصب تهدينا إِلَى الْحلَل
فالحب حَيْثُ العدا والأسد رابضةٌحول الكناس لَهَا غابٌ من الأسل
نَؤُم ناشئةً بالجزع قد سقيتنصالها بمياه الغنج والكحل
قد زَاد طيب أَحَادِيث الْكِرَام بهَامَا بالكرائم من جبنٍ وَمن بخل
تبيت نَار الْهوى مِنْهُنَّ فِي كبدٍحرى ونار الْقرى مِنْهُم على قلل
)
يقتلن أنضاء حبٍّ لَا حراك بهَاوينحرون كرام الْخَيل وَالْإِبِل
يشفى لديغ العوالي فِي بُيُوتهمبنهلةٍ من غَدِير الْخمر وَالْعَسَل
لَعَلَّ إلمامةً بالجزع ثَانِيَةيدب مِنْهَا نسيم الْبُرْء فِي علل
لَا أكره الطعنة النجلاء قد شفعتبرشقةٍ من نبال الْأَعْين النجل
وَلَا أَخَاف الصفاح الْبيض تسعدنيباللمح من صفحات الْبيض فِي الكلل
وَلَا أخل بغزلانٍ تغازلنيوَلَو دهتني أسود الغيل بالغيل
حب السَّلامَة يثنى حب صَاحبهعَن الْمَعَالِي ويغري الْمَرْء بِالْكَسَلِ
فَإِن جنحت إِلَيْهِ فَاتخذ نفقاًفِي الأَرْض أَو سلما فِي الجو فاعتزل
ودع غمار الْعلَا للمقدمين علىركُوبهَا واقتنع مِنْهُنَّ بالبلل
رضى الذَّلِيل بخفض الْعَيْش يخفضهوالعز عِنْد رسيم الأينق الذلل
فادرأ بهَا فِي نحور البيد جافلةًمعارضاتٍ مثاني اللجم والجدل
إِن الْعلَا حَدَّثتنِي وَهِي صادقةٌفِيمَا تحدث أَن الْعِزّ فِي النَّقْل
لَو كَانَ فِي شرف المثوى بُلُوغ منىلم تَبْرَح الشَّمْس يَوْمًا دارة الْحمل
أهبت بالحظ لَو ناديت مستمعاًوالحظ عني بالجهال فِي شغل
لَعَلَّه إِن بُد فضلي ونقصهملعَينه نَام عَنْهُم أَو تنبه لي
أعلل النَّفس بالآمال أرقبهامَا أضيق الْعَيْش لَوْلَا فسحة الأمل
لم أَرض بالعيش وَالْأَيَّام مقبلةٌفَكيف أرْضى وَقد ولت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بِقِيمَتِهَافصنتها عَن رخيص الْقدر مبتذل
وَعَادَة النصل أَن يزهى بجوهرهوَلَيْسَ يعْمل إِلَّا فِي يَدي بَطل
مَا كنت أوثر أَن يَمْتَد بِي زمنيحَتَّى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناسٌ كَانَ شوطهموَرَاء خطوي إِذْ امشي على مهل
هَذَا جَزَاء امْرِئ أقرانه درجوامن قبله فتمنى فسحة الْأَجَل
وَإِن علاني من دوني فَلَا عجبٌلي أسوةٌ بانحطاط الشَّمْس عَن زحل
فاصبر لَهَا غير محتال وَلَا ضجرٍفِي حَادث الدَّهْر مَا يُغني عَن الْحِيَل
أعدى عَدوك أدنى من وثقت بِهِفحاذر النَّاس واصحبهم على دخل
)
وَإِنَّمَا رجل الدُّنْيَا وواحدهامن لَا يعرج فِي الدُّنْيَا على رجل
غاض الْوَفَاء وفاض الْغدر وانفرجتمَسَافَة الْخلف بَين القَوْل وَالْعَمَل
وَحسن ظَنك بِالْأَيَّامِ معجزةٌفَظن شرا وَكن مِنْهَا على وَجل
وشان صدقك عِنْد النَّاس كذبهمْوَهل يُطَابق معوجٌ بمعتدل
إِن كَانَ ينجع شيءٌ فِي ثباتهمعلى العهود فَسبق السَّيْف للعذل
يَا وارداً سُؤْر عَيْش كُله كدرٌأنفقت عمرك فِي أيامك الأول
فِيمَا اعتراضك لج الْبَحْر تركبهوَأَنت يَكْفِيك مِنْهُ مصة الوشل
ملك القناعة لَا يخْشَى عَلَيْهِ وَلَايحْتَاج فِيهِ إِلَى الْأَنْصَار والخول
ترجو الْبَقَاء بدارٍ لَا بَقَاء لَهَافَهَل سَمِعت بظلٍّ غير منتقل
وَيَا خَبِيرا على الْأَسْرَار مطلعاًاصمت فَفِي الصمت منجاةٌ من الزلل
قد رشحوك لأمرٍ إِن فطنت لَهُفاربأ بِنَفْسِك أَن ترعى مَعَ الهمل
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع