من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن عبدل الشَّاعِر
الحكم بن عبدل الْأَسدي ثمَّ الغاضريّ الْكُوفِي شَاعِر مَشْهُور القَوْل مجيد هجَّاء نَفَاهُ ابْن الزبير من الْعرَاق لما نفى عَنْهَا عُمَّال بني أُميَّة وَقدم دمشق وَكَانَ لَهُ من عبد الْملك بن مَرْوَان مَوضِع وَقَالَ ابْن مَاكُولَا هُوَ الشَّاعِر الْأَعْرَج كُوفِي مَشْهُور قَالَ غَيره قَالَ كَانَ يَأْتِي ابْن بشر فَيَقُول لَهُ أخمس مائةٍ أحبُّ إِلَيْك الْعَام أم ألف فِي قَابل فَيَقُول ألف فِي قَابل
وَإِذا أَتَاهُ من قَابل قَالَ لَهُ ألف أحبُّ إِلَيْك الْعَام أم أَلفَانِ من قابلٍ فَيَقُول أَلفَانِ من قابلٍ قَالَ فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ ابْن بشر وَلم يُعْطه شَيْئا وَقَالَ صَاحب الأغاني كَانَ أعرج أحدب لَا تُفَارِقهُ الْعَصَا فَترك الْوُقُوف بِبَاب الْمُلُوك وَكَانَ يكْتب على عَصَاهُ حَاجته وَيبْعَث بهَا مَعَ رَسُوله فَلَا يحبس لَهُ رَسُول وَلَا تؤخَّر لَهُ حَاجَة فَقَالَ فِي ذَلِك يحيى بن نَوْفَل من الطَّوِيل
عَصا حكمٍ فِي الدارأوَّل داخلٍوَنحن على الْأَبْوَاب نقصى ونحجب
وَكَانَت عَصا مُوسَى لفرعون آيَةفهذي لعمر الله أَوْهَى وأعجب
تطاع فَلَا تعصى ويحذر سخطهاويرغب فِي المرضاة مِنْهَا ويرهب
وشاعت هَذِه الأبيات بِالْكُوفَةِ وَضحك مِنْهَا النَّاس فَكَانَ الحكم يَقُول ليحيى يَا بن الزَّانِيَة مَا أردْت من عصاي حِين صيَّرتها ضحكة واجتنب أَن يكْتب عَلَيْهَا كَمَا كَانَ يفعل أَولا وَكَانَ لَهُ صديق أعمى يدعى أَبُو عليَّة وَكَانَ ابْن عبدل قد أقعد فَخَرَجَا لَيْلَة من منزلهما إِلَى منزل بعض إخوانهما وَالْحكم يحمل وَأَبُو علَّية يُقَاد فلقيهما صَاحب العسس بِالْكُوفَةِ وَأَخذهمَا فحبسهما فَلَمَّا استقرا فِي الْحَبْس نظر الحكم إِلَى عَصَاهُ مَوْضُوعَة بِجنب عَصا أبي عليَّة فَضَحِك وَقَالَ من مجزوء الْكَامِل حبسي وَحبس أبي علية من أَعَاجِيب الزَّمَان
أعمى يُقَاد ومقعدٌلَا الرِّجل مِنْهُ وَلَا اليدان
هَذَا بِلَا بصرٍ هُنَاكَ وَبِي يخبُّ الحاملان يَا من رأى ضبَّ الفلاة قرين حوتٍ فِي مَكَان طرفِي وطرف أبي علية دَهْرنَا متوافقان)
من يفتخر بجوادهفجوادنا عكَّازتان
طرفان لَا علفاهمايشرى وَلَا يتصاولان
وَقَالَ أَيْضا من أَبْيَات من الطَّوِيل
فَفِي حالتينا عبرةٌ وتفكُّروأعجب مِنْهُ حبس أعمى ومقعد
كِلَانَا إِذا العكَّاز فارقكفَّهيخرُّ صَرِيعًا أَو على الْوَجْه يسْجد
فعكَّازه تهدي إِلَى السُّبل أكمهاًوَأُخْرَى مقَام الرِّجل قَامَت مَعَ الْيَد
وَكَانَ بِالْكُوفَةِ امْرَأَة موسرة وَكَانَ لَهَا على النَّاس دُيُون بالسَّواد فاستعانت بِابْن عبدل فِي دينهَا وَقَالَت إِنِّي لست بِزَوْج وَجعلت تعرِّض بِأَنَّهَا تزَوجه نَفسهَا فَقَامَ ابْن عبدل فِي دينهَا حَتَّى اقْتَضَاهُ فَلَمَّا طالبها بِالْوَفَاءِ كتبت إِلَيْهِ من الوافر
سيخطئك الَّذِي حاولت منيفقطِّع حَبل وصلك من حبالي
كَمَا أخطاك مَعْرُوف ابْن بشرٍوَكنت تعدُّ ذَلِك رَأس مَال
وَضرب الحجّاج الْبَعْث على المحتملين وَمن أنبت من الصِّبيان وَكَانَت الْمَرْأَة تَجِيء إِلَى ابْنهَا فتضمنه وَتقول يَا ابْني جزعاً عَلَيْهِ فسمِّي ذَلِك الْجَيْش جَيش با ابْني وأحضرابن عبدل وجرِّد فَوجدَ أحدب أعرج فأعفي من ذَلِك فَقَالَ من الطَّوِيل
لعمري لَئِن جرَّدتني فوجدتيكثير الْعُيُوب سيءِّ المتجرَّد
فأعفيتني لّما رَأَيْت زمانتيووفِّقت مني للْقَضَاء المسدَّد
وَلست بِذِي شيخين يلتزمانهوَلَكِن يتيمٌ سَاقِط الرِّجل وَالْيَد
وَخرج لَيْلَة وَهُوَ سَكرَان مَحْمُولا فِي محفَّة فَلَقِيَهُ صَاحب العسس فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ لَهُ يَا بغيض أَنْت أعرف بِي من أَن تسْأَل عني اذْهَبْ إِلَى شغلك فَإِن اللُّصُوص لَا يخرجُون فِي اللَّيْل فِي محفَّة فَضَحِك الرجل وَانْصَرف وَكَانَت لَهُ جَارِيَة سَوْدَاء فَولدت لَهُ إبناً أسود وَكَانَ أعرم الصّبيان فَقَالَ فِيهِ من الرجز
يَا ربَّ خالٍ لَك مسودِّ الْقَفَالَا يشتكي من رجله مسَّ الحفا
كأنَّ عَيْنَيْهِ إِذا تشوَّفاعينا غرابٍ فَوق نيقٍ أشرفا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع