من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْقَسرِي أَمِير الْعرَاق
خَالِد بن عبد الله بن يزِيد بن أَسد أَبُو الْهَيْثَم البجليّ الْقَسرِي أَمِير مَكَّة للوليد وَسليمَان وأمير العراقين لهشام وَهُوَ من أهل دمشق قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر وداره بِدِمَشْق هِيَ الدَّار الْكَبِيرَة الَّتِي مربّعة سِنَان بِبَاب توما وَهُوَ الَّذِي قتل جعد ابْن دِرْهَم كَمَا مر فِي تَرْجَمَة جعد وَكَانَ جواداً سخياً ممدَّحاً فصيحاً إِلَّا أَنه كَانَ رجل سوءٍ كَانَ
يَقع فِي عَليّ ويذمّ بِئْر زَمْزَم كَانَ نَحوا من الْحجَّاج وَبَقِي على ولَايَة الْعرَاق بضع عشرَة سنة ثمَّ عَزله هِشَام وولَّى يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ يُقَال أَن امْرَأَة أَتَتْهُ فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير إِنِّي امْرَأَة مسلمة وَإِن عاملك فلَانا المجوسيَّ وثب عليَّ فأكرهني على الْفُجُور وغصبني نَفسِي فَقَالَ لَهَا كَيفَ وجدت قلفته فَكتب بذلك كحسان النِّبطيّ إِلَى هِشَام وَعِنْده يومئذٍ رَسُول يُوسُف بن عمر فَكتب مَعَه إِلَيْهِ بِولَايَة الْعرَاق ومحاسبة خَالِد وعماله وَكَانَ بِالْيمن فاستخلف ابْنه الصّلت على الْيمن وَخرج يُوسُف فينفرٍ يسير فَسَار من صنعاء إِلَى الْكُوفَة على الرِّحال فِي سبع عشرَة يَوْمًا وَقدم الْكُوفَة سحرًا وَأخذ خَالِد وحبسه وحاسبه وعذبه ثمَّ قَتله أَيَّام الْوَلِيد جعل قديمه بَين خشبتين وعصرهما حَتَّى انقصفا ثمَّ على سَاقيه فانقصفا ثمَّ على وركيه فانقصفا ثمَّ على صلبه فَلَمَّا انقصف مَاتَ خَالِد فِي المحرّم سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة ويل سنة خمس وَعشْرين وَدفن بِالْحيرَةِ لَيْلًا وَهُوَ فيذلك كُله لَا يتأوَّه وَلَا ينْطق وَلما كَانَ فِي السّجن امتدحه أَبُو الشِّعب العبسيّ بقوله من الطَّوِيل
أَلا إنَّ خير النّاس حَيا وميِّتاًأَسِير ثقيفٍ عِنْدهم فِي السَّلاسل
لعمري لَئِن عمَّرتم السِّجن خَالِداوأوطأتموه وَطْأَة المتثاقل
لقد كَانَ نهّاضاً بكلِّ ملمَّةٍومعطي اللُّهى غمراً كثير النَّوافل
فَإِن تسجنوا القسريّ لَا تسجنوا اسْمهوَلَا تسجنوا معروفه فِي الْقَبَائِل
)
وَكَانَ يُوسُف قد جعل على خالدٍ كل يَوْم حملا يحملهُ وَإِن لم يقم بِهِ فِي يَوْمه عذَّبه فَلَمَّا وصلت الأبيات إِلَى خَالِد كَانَ قد حصّل من قسطه سبعين ألف دِرْهَم فأنفذها لَهُ وَقَالَ لَهُ اعذرني فقد ترى مَا أَنا فِيهِ قردَّها أَبُو الشّعب وَقَالَ لم أمدحك لمالٍ وَلَكِن لمعروفك وأفضالك فأقسم عَلَيْهِ ليأخذنها وَيُقَال أَن خَالِدا من ولد شقّ الكاهن وَيُقَال أَن أمه كَانَت نَصْرَانِيَّة وَأَنه بنى لَهَا كَنِيسَة تتعبَّد فِيهَا وَلذَلِك قَالَ الفرزدق يهجوه من الطَّوِيل
أَلا قبَّح الرَّحْمَن ظهر مطيّةٍأَتَت تتهادى من دمشق بِخَالِد
وَكَيف يؤمُّ النَّاس من كَانَ أمُّهتدين بأنّ الله لَيْسَ بِوَاحِد
بنى بيعَة فِيهَا الصَّليب لأمّهويهدم من بغضٍ منار الْمَسَاجِد
ولجده صُحْبَة وروى خَالِد عَن أَبِيه وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَكَانَ خَطِيبًا بليغاً قَالَ ابْن معِين رجل سوء يَقع فِي عَليّ وَقَالَ على الْمِنْبَر إِنِّي لأطعم كل يومٍ سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألفا من الْأَعْرَاب من تمرٍ وَسَوِيق وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَنه أَضْعَف صَاع الْعرَاق بجعله سِتَّة عشر رطلا
وَقيل أَنه قبل الْولَايَة كَانَ يعرف بالخرِّيت وَذكر لَهُ صَاحب الأغاني تَرْجَمَة قبيحة إِلَى الْغَايَة
وَالظَّاهِر أَنه تحامل عَلَيْهِ فِيهَا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع