تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك

دَاوُد بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن أَيُّوب السُّلْطَان الْملك

النَّاصِر صَلَاح الدّين أَبُو المفاخر وَأَبُو المظفَّر ابْن الْملك المعظّم ابْن الْملك الْعَادِل ولد بِدِمَشْق فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثلاثٍ وست مائَة وَتُوفِّي سنة سِتّ وَخمسين وست مائَة سمع بِبَغْدَاد من الْقطيعِي وَغَيره وبالكرم من ابْن اللَّتِّي وَأَجَازَ لَهُ الْمُؤَيد الطوسي وَأَبُو روح عبد الْمعز وَكَانَ حنفيّ الْمَذْهَب عَالما فَاضلا مناظراً ذكياً لَهُ الْيَد الْبَيْضَاء فِي الشّعْر وَالْأَدب لِأَنَّهُ حصّل طرفا جيدا من الْعُلُوم فِي دولة أَبِيه وَولي السلطنة سنة أَربع وَعشْرين بعد وَالِده وأحبّه أهل دمشق وَسَار عَمه الْكَامِل من مصر ليَأْخُذ دمشق مِنْهُ فاستنجد بِعَمِّهِ الْأَشْرَف فجَاء لنصرته وَنزل بالدهشة ثمَّ تغيِّر عَلَيْهِ وَمَال لِأَخِيهِ الْكَامِل وأوهم النَّاصِر أَنه يصلح قَضيته فاتفقا عَلَيْهِ وحاصراه أَرْبَعَة أشرعٍ وأخذا دمشق مِنْهُ

وَسَار إِلَى الكرك وَكَانَت لوالده وَأعْطِي مَعهَا الصَّلْت ونابلس وعجلون وأعمال الْقُدس وَعقد نِكَاحه على عَاشُورَاء بنت عَمه الْكَامِل ثمَّ إِن الْكَامِل تغيّر عَلَيْهِ فَفَارَقَ ابْنَته قبل الدُّخُول بهَا

ثمَّ إِن النَّاصِر بعد الثَّلَاثِينَ قصد الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وقدَّم لَهُ تحفاً ونفائس وَسَار إِلَيْهِ على البريّة وَمَعَهُ فَخر الْقُضَاة ابْن بصاقة وشمس الدّين الخسروشاهي والخواصُّ من مماليكه)

وألزامه وَطلب الْحُضُور بَين يَدَيْهِ كَمَا فعل بِصَاحِب إربل فَامْتنعَ فنظم القصيدة البائية وأولها من الطَّوِيل

ودانٍ ألمّت بالكثيب ذوائبهوجنح الدُّجى وحفٌ تجول غياهبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
تقهقه فِي تِلْكَ الربوع رعودهوتبكي على تِلْكَ الطلول سحائبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
أرقت لَهُ لمّا توالت بروقهوحلّت عزاليه وأسبل ساكبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
إِلَى أَن بدا من أشقر الصُّبح قادمٌيراع لَهُ من أدهم اللِّيل هاربه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَأصْبح ثغر الأقحوانة ضَاحِكاتدغدغه ريح الصِّبا وتداعبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
تمرُّ على نبت الرياض بليلةًتجمشِّه طوراً وطوراً تلاعبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَأَقْبل وَجه الأَرْض طلقاً وطالماغَدا ومكفهرّاً موحشاتٍ جوانبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
كَسَاه الحيا وشياً من النبت فاخراًفَعَاد قشيباً غوره وغواربه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
كَمَا عَاد بالمستنصر بن محمدٍنظام الْمَعَالِي حِين فلَّت كتائبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
إمامٌ تحلَّى الدّين مِنْهُ بماجدٍتحلَّت بآثار النبيِّ مناكبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
هُوَ الْعَارِض الهتّان لَا الْبَرْق مخلفٌلَدَيْهِ وَلَا أنواره وكواكبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
إِذا السّنة الشَّهْبَاء شحَّت بطلِّهاسخا وابلٌ مِنْهُ وسحَّت سواكبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
فأحيى ضِيَاء الْبَرْق ضوء جَبينهكَمَا نجَّلت ضوء الغوادي مواهبه
لَهُ العزمات اللائي لَوْلَا نصالهاتزعزع ركن الدّين وانهدَّ جَانِبه
بصيرٌ بأحوال الزَّمَان وَأَهلهحذورٌ فَمَا تخشى عَلَيْهِ نوائبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
بديهته تغنيه عَن كلِّ مشكلٍوَإِن حنَّكته فِي الْأُمُور تجاربه
حوى قصبات السَّبق مذ كَانَ يافعاًوأربت على زهر النُّجُوم مناقبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
تزيَّنت الدُّنْيَا بِهِ وتشرَّفتبنوها فأضحى خافض الْعَيْش ناصبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
لَئِن نوَّهت باسم الإِمَام خلافةٌورفَّعت الزّاكي الْمنَار مناسبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
فَأَنت الإِمَام الْعدْل والعرق الَّذِيبِهِ شرفت أنسابه ومناصبه
جمعت شتيت الْمجد بعد انفراقهوفرَّقت جمع المَال فانهال كَاتبه
وأغنيت حَتَّى لَيْسَ فِي الأَرْض معدمٌيجور عَلَيْهِ دهره ويحاربه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
أَلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن غَدَتْعلى كَاهِل الجوزاء تعلو مراتبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

)

وَمن جدّه عمُّ النَّبِي وخدنهإِذا صارمته أَهله وأقاربه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
أيحسن فِي شرع الْمَعَالِي ودينهاوَأَنت الَّذِي تعزى إِلَيْهِ مذاهبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَأَنت الَّذِي يَعْنِي حبيبٌ بقولهأَلا هَكَذَا فليكسب الْمجد كاسبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
بِأَنِّي أخوض الدوَّ والدوُّ مقفرٌسبارتيه مغبرَّةٌ وسباسبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وأرتكب الهول الْمخوف مخاطراًبنفسي وَلَا أعبا بِمَا أَنا رَاكِبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَقد رصد الْأَعْدَاء لي كلَّ مرصدٍفلكُّهم نَحْو تدبُّ عقاربه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وآتيك والعضب المهنَّد مصلتٌطريرٌ شباه فاتناتٌ ذوائبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَأنزل آمالي ببابك راجياًبواهر جاهٍ يبهر النَّجْم ثاقبه
فَتقبل مني عبد رقٍّ فيغتديلَهُ الدَّهْر عبدا طَائِعا لَا يغالبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وتنعم فِي حَقي بِمَا أَنْت أَهلهوتعلي محلِّي فالسُّهى لَا يُقَارِبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وتلبسني من نسج ظلَّك حلَّةًتشرِّف قدر النيرين جلابيه
وتركبني نعمى أياديك مركباعلى الْفلك الْأَعْلَى تسير مواكبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وتسمح لي بِالْمَالِ والجاه بغيتيوَمَا الجاه إِلَّا بعض مَا أَنْت واهبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
ويأتيك غَيْرِي من بلادٍ قريبةٍلَهُ الْأَمْن فِيهَا صاحبٌ لَا يجانبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَمَا اغبَّر من جوب الْفَلاح حرُّ وَجههوَلَا اتَّصَلت بالسير فِيهَا ركائبه
فَيلقى دنوّاً مِنْك لم ألق مثلهويحظى وَلَا أحظى بِمَا أَنا طَالبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَينظر من لألاء قدسك نظرةًفَيرجع والنور الإماميُّ صَاحبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَلَو كَانَ يعلوني بنفسٍ ورتبةٍوَصدق ولاءٍ لست فِيهِ أصاقبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
لَكُنْت أسلّي النَّفس عَمَّا أرومهوَكنت أذود الْعين عَمَّا تراقبه
وَلكنه مثلي وَلَو قلت إِنَّنِيأَزِيد عَلَيْهِ لم يعب ذَاك عائبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَمَا أَنا ممّن يمْلَأ المَال عينهوَلَا بسوى التَّقْرِيب تقضى مآربه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَلَا بِالَّذِي يرضيه دون نَظِيرهوَلَو أنعلت بالنيِّرات مراكبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَبِي ظَمَأٌ رُؤْيَاك مَنْهَلُ ريّهوَلَا غَرْوَ أَن تصفو لديَّ مشاربُهْ
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَمن عجبٍ أَنِّي لَدَى الْبَحْر واقفٌوأشكو الظما وَالْبَحْر جمُّ عجائبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وَغير ملومٍ من يؤمِّل قَاصِداإِذا عظمت أغراضه ومآربه

)

وَقد رضت مقصودي فتمَّت صدورهومنك أرجِّي أَن تتمَّ عواقبه
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

فَلَمَّا وقف الْخَلِيفَة عَلَيْهِ أَعْجَبته كثيرا فاستدعاه سرّاً بعد شطرٍ من اللَّيْل فَدخل من بَاب السِّرّ إِلَى إيوانٍ فِيهِ ستر مَضْرُوب فقبَّل الأَرْض فَأمر بِالْجُلُوسِ وَجعل الْخَلِيفَة يحدِّثه ويؤنسه ثمَّ أَمر الخدام فَرفعُوا السِّتر فقبَّل الأَرْض ثمَّ قبَّل يَده فَأمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ وجاراه فِي أنواعٍ من الْعُلُوم وأساليب الشّعْر وَأخرجه لَيْلًا وخلع عَلَيْهِ خلعةً سنيّة عِمَامَة مذهبّةً سَوْدَاء وجبّةً سَوْدَاء مذهبَة وخلع على أَصْحَابه ومماليكه خلعاً جليلةً وَأَعْطَاهُ مَالا جزيلاً وَبعث فِي خدمته رَسُولا مشربشاً من أكبر خواصِّه إِلَى الْكَامِل يشفع فِيهِ فِي إخلاص النيّة لَهُ وإبقاء مَمْلَكَته عَلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ وَخرج الْكَامِل إِلَى تلقيِّهما إِلَى الْقصير وَأَقْبل على النَّاس إقبالاً كثيرا وَنزل النَّاصِر بالقابون وَجعل رنكه أسود انتماءً إِلَى الْخَلِيفَة

وَكَانَ الْخَلِيفَة زَاد فِي ألقابه الوليّ المُهَاجر مُضَافا إِلَى لقبه وتوجّه من دمشق وَالرَّسُول مَعَه ليرتبه فِي الكرك وَذَلِكَ سنة ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ وست مائَة قلت إِنَّمَا امْتنع الإِمَام الْمُسْتَنْصر من استحضار النَّاصِر مُرَاعَاة لعمّه الْكَامِل فَجمع بَين المصلحتين وأحضره فِي اللَّيْل وَلما كَانَ النَّاصِر بِبَغْدَاد حضر فِي المستنصريّة وَبحث وَاعْترض وَاسْتدلَّ والخليفة فِي روشنٍ يسمع

وَقَامَ يومئذٍ الْوَجِيه القيرواني ومدخ الْخَلِيفَة وَمن ذَلِك من الْكَامِل

لَو كنت فِي يَوْم السَّقِيفَة حَاضراكَانَت المقدَّم وَالْإِمَام الأروعا

فَقَالَ لَهُ النَّاصِر أَخْطَأت قد كَانَ العبّاس حَاضرا جدّ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم يكن المقدّم إِلَّا أَبُو بكر ﵁ فَخرج الْأَمر بِنَفْي الْوَجِيه فَذهب إِلَى مصر وَولي تدريس مدرسة ابْن شكر

رَجَعَ الْكَلَام ثمَّ وَقع بَين الْكَامِل والأشرف وَأَرَادَ كل مِنْهُمَا أَن يكون النَّاصِر مَعَه فَمَال إِلَى الْكَامِل وجاءه فِي الرسلية القَاضِي الْأَشْرَف ابْن الْفَاضِل وَسَار النَّاصِر إِلَى الْكَامِل فَبَالغ فِي تَعْظِيمه وَأَعْطَاهُ الْأَمْوَال والتحف ثمَّ اتّفق موت الْكَامِل والأشرف والناصر بِدِمَشْق فِي دَار أُسَامَة فتشوّف إِلَى السلطنة وَلم يكن يومئذٍ أميز مِنْهُ وَلَو بذل المَال لحلفوا لَهُ فتسلطن

الْجواد فَخرج النَّاصِر عَن دمشق إِلَى القابون وَسَار إِلَى عجلون قندم فحشد وَجَاء فَخرج الْجواد بالعساكر وَوَقع المصافّ بَين نابلس وجينين فَكسر النَّاصِر وَأخذ الْجواد خزائنه وَكَانَت على سبع مائَة جمل فافتقر النَّاصِر

وَلما ملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب دمشق وَسَار لقصد مصر جَاءَ عمّه الصَّالح إِسْمَاعِيل وَملك)

دمشق فتسحّب نجم الدّين عَنهُ وَبَقِي فِي نابلس فِي جماعةٍ قَليلَة فَجهز النَّاصِر عسكراً من الكرك فأمسكوه وأحضروه إِلَى الكرك فاعتقله مكرماً عِنْده

وَنزل النَّاصِر عِنْد موت الْكَامِل من الكرك على القلعة الَّتِي عمرها الفرنج بالقدس وحاصرها وملكها وطرد من بِهِ من الفرنج وَفِي ذَلِك يَقُول جمال الدّين ابْن مطروح من السَّرِيع

الْمَسْجِد الْأَقْصَى لَهُ عادةٌسَارَتْ فَصَارَت مثلا سائرا
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «المسجد الأقصى له عادة»
إِذا غَدا للكفر مستوطناًأَن يبْعَث الله لَهُ ناصرا
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «المسجد الأقصى له عادة»
فناصرٌ طهَّره أَولاوناصرٌ طهَّره آخرا
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «المسجد الأقصى له عادة»

ثمَّ إِنَّه اتّفق مَعَ الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب فِي أَنه إِن ملك مصر مَا يفعل فَقَالَ الصَّالح أَنا غلامك وَشرط عَلَيْهِ أَشْيَاء فَلَمَّا ملك مصر وَقع التسويق مِنْهُ والمغالطة فَغَضب النَّاصِر وَرجع ثمَّ إِن الصَّالح بعث عسكراً فاستولوا على بِلَاد النَّاصِر وَأخذ مِنْهُ أَطْرَاف بِلَاده ثمَّ إِن ابْن الشَّيْخ نازله فِي الكرك وحاصره أَيَّامًا ورحل فقلّ مَا عِنْد النَّاصِر من الذَّخَائِر وَالْأَمْوَال واشتدّ عَلَيْهِ الْأَمر فَجهز شمس الدّين الخسروشاهي وَمَعَهُ وَلَده إِلَى الصَّالح وَقَالَ تسلَّم مني الكرك وعوِّضني الشَّوبك وخبزاً بِمصْر فَأَجَابَهُ فَرَحل إِلَى مصر مَرِيضا ثمَّ إِن الْأَمر ضَاقَ عَلَيْهِ فَترك وَلَده

الْمُعظم نَائِبا على الكرك وَأخذ مَا يعزّ عَلَيْهِ من الْجَوَاهِر وَمضى إِلَى حلب مستجيراً بصاحبها فَأكْرمه ونزَّله وَسَار من حلب إِلَى بَغْدَاد وأودع مَا مَعَه من الْجَوَاهِر عِنْد الْخَلِيفَة وَكَانَت قيمتهَا أَكثر من مائَة ألف دينارٍ وَلم يصل بعد ذَلِك إِلَيْهَا

وَكَانَ لَهُ ولدان الظَّاهِر والأمجد فتألمّا من النَّاصِر أَبِيهِمَا لكَونه استناب أخاهما الْمُعظم على الكرك وَهُوَ ابْن جَارِيَة وهما من بنت الْملك الأمجد ابْن الْعَادِل فأمهما بنت عَمه وبن عمّ الصَّالح فاتفقت مَعَ أمهما على الْقَبْض على المعظّم فقبضاه واستوليا على الكرك ثمَّ سَار الأمجد إِلَى المنصورة فَأكْرمه الصَّالح فَكَلمهُ فِي الكرك وتوثَّق مِنْهُ لنَفسِهِ وَإِخْوَته وَأَن يُعْطِيهِ خبْزًا بِمصْر فَأَجَابَهُ وسيّر الطواشي بدر الدّين الصّوابي إِلَى الكرك نَائِبا وأقطع أَوْلَاد النَّاصِر إقطاعات جليلة وَفَرح بالكرك وَبلغ النَّاصِر الْخَبَر وَهُوَ بحلب فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ الصَّالح وتملّك ابْنه المعظّم توران شاه وَقتل عمَّه الصوابي فَأخْرج المغيث عمر بن الْعَادِل بن الْكَامِل بن حبس الكرك وملّكه الكرك والشَّوبك وَجَاء صَاحب حلب فَملك دمشق وَمَعَهُ الصَّالح إِسْمَاعِيل والناصر دَاوُد وَقد مرض صَاحب حلب فَقيل لَهُ أَن النَّاصِر سعى فِي السلطنة فَلَمَّا)

عوفي قبض على النَّاصِر وحبسه بحمص ثمَّ إِنَّه أفرج عَنهُ بشفاعة الْخَلِيفَة فتوجّه إِلَى الْخَلِيفَة فَلم يُؤذن لَهُ فِي الدُّخُول إِلَى بَغْدَاد فَطلب وديعته فَلم تحصل لَهُ فَرد إِلَى دمشق ثمَّ سَار إِلَى بَغْدَاد لأجل الْوَدِيعَة وَالْحج وَكتب مَعَه النَّاصِر يُوسُف إِلَى الْخَلِيفَة يشفع فِيهِ فَيرد الْوَدِيعَة فسافر وَنزل بمشهد الْحُسَيْن بكربلاء وسيَّر قصيدة إِلَى الْخَلِيفَة بمدحه ويتلطَّف فَلم يرد عَلَيْهِ جَوَاب مُفِيد فحجّ وأتى الْمَدِينَة وَقَامَ بَين يَدي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَأنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا من الطَّوِيل

إِلَيْك امتطينا اليعملات رواسماًيجبن الفلا مَا بَين رضوى ويذبل
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

ثمَّ أحضر شيخ الْحرم والخدّام ووقف بَين يَدي الضريح مستمسكاً بسجف الْحُجْرَة وَقَالَ اشْهَدُوا أَن هَذَا مقَامي من رَسُول الله ﷺ قد دخلت عَلَيْهِ مستشفعاً بِهِ إِلَى ابْن عَمه أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي رد وديعتي فأعظم النَّاس هَذَا وَبكوا وَكتب بِصُورَة مَا جرى إِلَى الْخَلِيفَة

وَلما كَانَ الركب فِي الطَّرِيق خرج عَلَيْهِم أَحْمد بن حجي بن بريد من آل مرى فَوَقع الْقِتَال وكادوا يظفرون بأمير الْحَاج فشقّ النَّاصِر الصُّفُوف وكلّم أَحْمد بن حجي وَكَانَ أَبوهُ صَاحبه فَترك الركب وانقاد لَهُ

وَنزل النَّاصِر بالحلّة فقرِّر لَهُ راتب يسير وَلم يحصل لَهُ مَقْصُود فجَاء إِلَى قرقيسياء وَمِنْهَا إِلَى تيه بني إِسْرَائِيل وانضم إِلَى عربان فخاف المغيث مِنْهُ وراسله وخادعه إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وعَلى

من مَعَه وحبسه بطور هرون فَبَقيَ ثَلَاث ليالٍ وَاتفقَ أَن المستعصم دهمه أَمر التتار فَكتب إِلَى صَاحب الشَّام يستمدّه وَيطْلب جَيْشًا يكون مقدَّمه النَّاصِر دَاوُد فَطَلَبه من المغيث فَأخْرجهُ وَقدم إِلَى دمشق وَنزل بقربة البويضا قرب الْبَلَد وَأخذ يتجهَّز للمسير فَجَاءَت الْأَخْبَار بِمَا جلى على بَغْدَاد من التتار وَعرض طاعون بِالشَّام عقيب وَاقعَة بَغْدَاد فطعن النَّاصِر فِي جنبه فَتوفي لَيْلَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَخمسين وست مائَة وَركب السُّلْطَان إِلَى البويضا وَأظْهر التأسف عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا كَبِيرنَا وَشَيخنَا ثمَّ حمل إِلَى تربة وَالِده بسفح قاسيون وَكَانَت أمه خوارزمية فَعَاشَتْ بعده مُدَّة

وَكَانَ ﵀ معتنياً بتحصيل الْكتب النفيسة ووفد عَلَيْهِ رَاجِح الحلِّي ومدحه فوصل إِلَيْهِ مِنْهُ مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم وَأَعْطَاهُ على قصيدةٍ واحدةٍ ألف دِينَار وَأقَام عِنْد الخسروشاهي فوصله بأموالٍ جزيلة وَكتب الْملك النَّاصِر دَاوُد إِلَى وزيره فَخر الْقُضَاة أبي)

الْفَتْح نصر الله ابْن بصاقة من الْكَامِل

يَا لَيْلَة قطَّعت عمر ظلامهابمدامةٍ صفراء ذَات تأجُّج
بالسَّاحل النامي رَوَائِح نشرهعَن روضه المتضوَّع المتأرِّج
واليمُّ زاهٍ قد جرى تيارهمن بعد طول تقلُّق وتموُّج
طوراً يدغدغه النسيم وَتارَةيكرى فتوقظه بَنَات الْخَزْرَج
والبدر قد ألْقى سنا أنوارهفِي لجِّه المتجعِّد المتدبِّج
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
فَكَأَنَّهُ إِذْ قدَّصفحة مَتنهبشعاعه المتوقِّد المتوهِّج
نهر تكوّن من نضارٍ يانعٍيجْرِي على أرضٍ من الفيروزج

فَكتب إِلَيْهِ ابْن بصاقة وَأما الأبيات الجيميّة الجمَّة الْمعَانِي المحكمة المباني المعوَّذة بالسبع المثاني فَإِنَّهَا حَسَنَة النِّظام بعيدَة المرام مُتَقَدّمَة على شعر الْجَاهِلِيَّة وَمن عاصرها فِي الْإِسْلَام

قد أخذت بِمَجَامِع الْقُلُوب فِي الإبداع واستولت على المحاسن فَهِيَ نزهة الْأَبْصَار والأسماع ولعبت بالعقول لعب الشَّمول إِلَّا أَن تِلْكَ خرقاء وَهَذِه صناع فَإِذا اعْتبرت ألفاظها كَانَت درّاً منظوماً وَإِذا اختبرت مَعَانِيهَا كَانَت رحيقاً مَخْتُومًا جلَّت بعلوِّها عَن الْمعَانِي المطروقة والمعاني المسروقة ودلَّت بعلوّها أَنَّهَا من نظم الْمُلُوك لَا السُّوقة فَلَو وجدهَا ابْن المعتزّ لألقى زورقه الْفضة فِي نهرها وَألقى حمولته العنبر فِي بحرها وألفى تشبيهاته بأسرها فِي أسرها

وَلَو لقيها ابْن حمدَان لاغتمّ فِي قَوس الْغَمَام وانبرى بري السِّهَام وتعطّى من أذيال غلائله المصبغّة بذيل الظَّلام وَلَو سَمعهَا امْرُؤ

الْقَيْس لعلم أَن فكرته قَاصِرَة وكرَّته خاسرة وأيقن أَن وحوشه غير مَكْسُورَة وَأَن عِقَابه غير كاسرة فَأَيْنَ الْجزع الَّذِي لم يثقّب من الدّرّ الَّذِي قد تنظّم وَأَيْنَ ذَلِك الحشف الْبَالِي من هَذَا الشّرف العالي وَالله تَعَالَى يَكْفِي الخاطر الَّذِي سمح بهَا عين الْكَمَال الشحيحة ويشفي الْقُلُوب العليلة بِمَا روته هَذِه الأبيات الصَّحِيحَة وَمن شعر الْملك النَّاصِر من الْخَفِيف

صبِّحاني بِوَجْهِهِ القمريِّوأصبحاني بالسلسبيل الرويِّ
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
بدر ليلٍ يسْعَى بشمس نهارٍفشهيٌّ ينتابنا بشهيٍّ
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
وأعجبا لِاجْتِمَاع شمسٍ وبدرٍفِي سنائي سنا كمالٍ بهيٍّ

مِنْهَا)

إِن تبدَّت بوجهها ذهبياًقلت هَذَا من وَجهه الفضِّيِّ
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

مِنْهَا

يَا ولوعاً بالنَّبل أصميت قلبِيبسهامٍ من لحظك البابليِّ
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
رشقته من حاجبيك سهامٌمنبضاتٌ أحسن بهَا من قسيِّ

وَمن شعره من الْكَامِل

لَو عَايَنت عَيْنَاك حسن معذِّبيمَا لمتني ولكنت أول من عذر
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
عين الرَّشا قدُّ القنا ردف النَّقاشعر الدُّجى شمس الضُّحى وَجه الْقَمَر
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

قلت كَذَا نقلته من خطٍ موثوقٍ بِهِ وَالظَّاهِر أَنه نور الضُّحَى وَإِلَّا فشمس الضُّحَى مَا لَهُ معنى وَمِمَّا نسب إِلَى النَّاصِر دَاوُد وَهُوَ غَايَة من الْخَفِيف

بِأبي أهيفٌ إِذا رمت مِنْهُلثم ثغرٍ يصدُّني عَن مرامي
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
قد حمى خدَّه بسور عذارٍمقلتاه أضحت عَلَيْهِ مرامي
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من الطَّوِيل

تراخيت عني حِين جدَّ بِي الْهوىوجرَّبت صبري عِنْدَمَا نفذ الصَّبْر
فَلَو عَايَنت عَيْنَاك فِي اللَّيْل حالتيوَقد هزَّني شوقٌ وأقلقني فكر
رَأَيْت سليما فِي ثِيَاب مسلِّمٍومستشعراً قد ضمَّ شرسوفه الشّعْر
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

وَمن شعره من الطَّوِيل

إِذا عَايَنت عَيْنَايَ أَعْلَام جلَّقٍوَبَان من الْقصر المشيد قبابه
تيقَّنت أنّ الْبَين قد بَان والنَّوىنأى شخصها والعيش عَاشَ شبابه

وَمِنْه من الْكَامِل

طرفِي وقلبي قاتلٌ وشهيدوَدمِي على خدَّيك مِنْهُ شُهُود
يَا أَيهَا الرشأ الَّذِي لحظاتهكم دونهنَّ صوارمٌ وأسود
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة
من لي بطيفك بعد مَا منع الْكرَىعَن ناظريَّ الْبعد والتسهيد
وَأما وحبَّك لست أضمر تَوْبَةعَن صبوتي ودع الْفُؤَاد يبيد
وألذُّ مَا لاقيت فِيك منيَّتيوأقلُّ مَا بِالنَّفسِ فِيك أَجود
وَمن الْعَجَائِب أَن قَلْبك لم يلنلي وَالْحَدِيد ألانه دَاوُد
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

)

وَحكى بعض المؤرخين أَنه لما حصلت المباينة بَين الْملك الْكَامِل وَالْملك الْأَشْرَف وعزما على الْمُحَاربَة وانضم إِلَى الْملك الْأَشْرَف جَمِيع مُلُوك الشَّام وسيّر الْأَشْرَف إِلَى النَّاصِر دَاوُد يَدعُوهُ إِلَى مُوَافَقَته على أَن يحضر إِلَيْهِ ليزوجه وَابْنَته ويجعله وليَّ عَهده ويملِّكه الْبِلَاد بعده

وسيّر الْملك الْكَامِل إِلَى النَّاصِر دَاوُد أَيْضا يَدعُوهُ إِلَى الِاتِّفَاق مَعَه وَأَنه يجدد عقده على ابْنَته وَيفْعل مَعَه كل مَا يخْتَار وتوافى الرسولان عِنْد النَّاصِر دَاوُد بالكرك فرجح الْميل إِلَى الْكَامِل وسرح رَسُول الْأَشْرَف بجوابٍ إقناعي وَيُقَال أَنه إِنَّمَا فعل ذَلِك حَتَّى أَنه كتب الْجَواب إِلَى الْكَامِل عَن ميله إِلَيْهِ دون أَخِيه الْأَشْرَف وَاسْتشْهدَ فِيهِ بقول أبي الطّيب من الطَّوِيل

وَمَا شئتُ إِلَّا أَن أدُلَّ عواذليعلى أَن رَأْيِي فِي هَوَاك صَوَاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَيعلم قومٌ خالفوني وشرَّقواوغرّبتُ أَنِّي قد ظفرتُ وخابوا

فاتفق أَن الْملك الْأَشْرَف توفّي رَحمَه الله تَعَالَى عقيب ذَلِك وَلَو كَانَ النَّاصِر توجّه إِلَيْهِ لَكَانَ فَازَ بزواج ابْنَته وبمملكة بِلَاده وَمَات الْكَامِل وَلم يحصل للناصر مِنْهُ مَا أَرَادَ

وعَلى الْجُمْلَة فَلم يكن مَسْعُود الحركات لِأَنَّهُ قضى عمره فِي أَسْوَأ حالٍ مشرَّداً عَن الأوطان معكوس الْمَقَاصِد وَقيل أَنه كَانَ إِذا دخل فِي الشَّرَاب وَأخذ السّكر مِنْهُ يَقُول أشتهي أبْصر فلَانا طائراً فِي الْهَوَاء فَيرمى ذَلِك الْمِسْكِين فِي المنجنيق وَيَرَاهُ وَهُوَ فِي الْهَوَاء فيضحك ويسرّ بِهِ وَيَقُول أشتهي أشمّ رَوَائِح فلَان وَهُوَ يشوى فيحضر ذَلِك المعثَّر ويقطَّع لَحْمه ويشوى وَهُوَ يضْحك من فعلهم بذلك الْمِسْكِين وَله من هَذِه الْأَفْعَال الرديَّة أَنْوَاع كَثِيرَة وَفِي النَّاصِر دَاوُد يَقُول الصاحب جمال الدّين ابْن مطروح من السَّرِيع

ثلاثةٌ لَيْسَ لَهُم رابعٌعَلَيْهِم مُعْتَمد الْجُود
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌ»
الْغَيْث وَالْبَحْر وعزِّزهمابِالْملكِ النَّاصِر دَاوُد
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌ»

وَكَانَ قد عمل خطْبَة بليغةً فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا سيف الدّين المشدّ قَالَ من المنسرح

وخطبةٍ أعربت بلاغتهاعَن بَحر علمٍ وكنز تَوْحِيد
مَا يُنكر الْمَرْء حِين يسْمعهَابأنَّها من زبور دَاوُد
للشاعر سيف الدين المشد، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الدّال

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.