من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو عبد الله الشَّاعِر
سحيم بن عبد بني الحسحاس بن هِنْد بن سُفْيَان بن نَوْفَل بن عصاب بن كَعْب بن سعد بن عَمْرو بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة يكنّى أَبَا عبد الله وَهُوَ زنجي أسود فصيح مخضرم لَيْسَ لَهُ صبحة توفّي فِي حُدُود الْأَرْبَعين لِلْهِجْرَةِ قَالَ من الْبَسِيط
أشعارُ عبد بني الحسحاس قمن لَهُعِنْد الفخار مقامَ الأَصْل والوَرقِ
إِن كنتُ عبدا فَنَفَسِي حرّةٌ كرماًأَو أسودَ اللَّوْن إنّي أبيضُ الخُلُقِ
عَن ابْن سَلام قَالَ أُتى عُثْمَان بن عَفَّان بِسُحَيْم فأُعجب بِهِ فَقل إنّه شَاعِر وَأَرَادُوا أنْ يرغَبوه فِيهِ قَالَ لَا حَاجَة لي فِيهِ إنّ الشَّاعِر لَا حَرِيم لَهُ إِن شيع تشبّب بنساء أَهله وإنْ جَاع هجاهم
فَاشْتَرَاهُ غَيره فلمّا رَحل بِهِ قَالَ فِي طَرِيقه وَكَانَ الَّذِي بَاعه مَالك الحسحاسي من الطَّوِيل
أشَوْقاً لمّا يَمْضِ لي غير ليلةٍفَكيف إِذا سَار المطيّ بِنَا عشرا
وَمَا كنت أخْشَى معبدًا أَن يبيعنيبشيءٍ وَلَو أمْسَتْ أنامِلُهُ صفرا
أخوكم وَمولى مالكم وربيبكموَمن قَدْ ثوى فِيكُم وعاشركم دهرا
فلمّا بَلغهُمْ هَذَا الشّعْر رقّوا لَهُ اشتروه فَأخذ حِينَئِذٍ يشبّب بنسائهم وَيذكر أُخْت مَوْلَاهُ فَمن قَوْله فِيهَا وَكَانَتْ مَرِيضَة من المنسرح
مَاذَا يُرِيد السقام من قمرٍكلُّ جمالٍ لوجهه تَبَعُ
مَا يرتجِي خَابَ من محاسنهاأمالَه فِي القباح مُتَّسَعُ
غَيَّرَ مِن لونِها وصفّرهافارتدَ فِيهِ الْجمال والبدُع
لَو كَانَ يْبغي الْفِدَاء قلتُ لَهُهَا أَنا دون الحبيب يَا وجعُ
وَعَن الْمَدَائِنِي قَالَ كَانَ عبد بني الحسحاس يسمّى حيّة وَكَانَتْ لسيّده بنتٌ بكْرٌ فأعجبه جمَالهَا وأعجبها فأمرتْه أَن يتمارض فَفعل وَعصب رَأسه فَقَالَت للشَّيْخ إسْرَحْ أَيهَا الشَّيْخ بإبلك لَا تَكِلْها إِلَى العَبْد وَكَانَ فِيهَا أيّاماً ثُمَّ قَالَ لَهُ كَيْفَ تجدك قَالَ صَالحا قَالَ فرُحْ فِي إبلك العشيّة فراح فِيهَا فقالتْ الْجَارِيَة لأَبِيهَا مَا أحسبك إِلَّا قَدْ ضيّعتَ إبلك العشيّة إِذْ وكلتها إِلَى حيّة فَخرج فِي آثَار إبِله فَوَجَدَهُ مُسْتَلْقِيا فِي ظلّ شَجَرَة وَهُوَ يَقُول من السَّرِيع
يَا رُبَّ شجوٍ لَكَ فِي الحاضرِتذْكُرُها وأنتَ فِي الصادِرِ
)
من كلّ بَيْضَاء لَهَا كعُبٌمثل سَنَام البكرة المائِر
فَقَالَ الشَّيْخ إنّ لَهَذا شَأْنًا وَانْصَرف فَقَالَ لِقَوْمِهِ اعلموا أنّ هَذَا العَبْد قَدْ فضحكم وأنشدهم الشّعْر فَقَالُوا اقتله فَنحْن طوعك فلمّا جَاءَهُم وَثبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ قلت وَفعلت فَقَالَ لَهُم دَعُوني إِلَى غَد أعْذُرُها عِنْد أهل المَاء قَالُوا هَذَا صَوَاب فَأتى عَلَى موعد مِنْهَا فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ فَنَادَى يَا أهل المَاء مَا فِيكُم امْرَأَة إلاّ قَدْ أصبْتُها إلاّ فُلَانَة فإنّي عَلَى موعدٍ مِنْهَا ولمّا قدموه ليُقتَل قَالَ من الْكَامِل
شُدّوا وثاق العَبْد لَا يَفْلِتْكُمُإنّ الْحَيَاة من الْمَمَات قريبُ
فَلَقَد تَحَدَّرَ من جَبِينِ فَتاتكمعَرَقٌ عَلَى جَنْبِ الفِراش رطِيبُ
وَكَانَ سحيم فِي لِسَانه عُجْمَةٌ فَإِذا أنْشد وَاسْتحْسن قَالَ أهَّنك وَالله يُرِيد أحسنْتَ وَالله
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع