تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

(سكينَة ﵂

سكينَة بنت الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ كَانَتْ سيّدة نسَاء عصرها من أجمل النساءِ وأظرفِهِنَّ وأحسنهنَّ أَخْلَاقًا تزوجّها مُصعب بن الزبير فَهَلَك عَنْهَا ثُمَّ تزوّجها عبد الله بن عُثْمَان بن عبد الله بن حَكِيم بن حزَام فَولدت لَهُ قريناً ثُمَّ تزوّجها الْأَصْبَغ بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وفارقها قبل الدُّخُول ثُمَّ تزوّجها زيد بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عفّان ﵁ فَأمره سُلَيْمَان بن عبد الْملك بِطَلَاقِهَا فَفعل وَقيل فِي ارايب أزواجها غير هَذَا والطرّة السكينيّة منسوبة إِلَيْهَا وَكَانَ تزوّجها ابْن عمّها عبد الله بن الْحسن الْأَكْبَر فقُتل يَوْم كربلاء وَلَمْ يدْخل بِهَا وَكَانَتْ من أجلد النِّسَاء إِذا لعن مروانُ عليّاً لعنته وأباه وَأمرت للشعراء بِأَلف ألف لمّا توفّيت بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة وقفت عَلَى عُرْوَة بن أُذينة وَكَانَ من أَعْيَان الْعلمَاء وكبار الصَّالِحين وَلَهُ أشعار رائقة فَقَالَت لَهُ أَنْت الْقَائِل من الْبَسِيط

إِذا وَجَدتُ أوارَ الحُبِّ فِي كَبِدِيأَقْبَلتُ سِقاء الماءِ أَبْتَرِدُ
هَبْني بَرَدتُ بِبَرْد الماءِ ظاهِرهُفمَن لِنارٍ عَلى الأحشاءِ تَتَّقِدُ
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

فَقَالَ لَهَا نعم فَقَالَت لَهُ وَأَنت الْقَائِل من الْبَسِيط

قَالَت وأبثثتها سر فبحت بِهِقد كُنتَ عِندِي تُحِبُّ السِتْرَ فَاسْتَتِرِ
ألَسْتَ تُبْصِرُ مَنْ حَوليِ فَقُلْتُ لَهاغَطَّي هَواكِ وَمَا ألْقَى عَلَى بَصَري
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «لما بعثت بداعي الشوق والدله»

فَقَالَ نعم فَالْتَفت إِلَى جوارٍ كُنَّ حولهَا وَقَالَت هنّ حرائر إِن كَانَ خرج هَذَا من قلب سليم وَكَانَ لعروة الْمَذْكُور أَخ اسْمه بكر فَمَاتَ فرثاه عُرْوَة بقوله فِيهِ من الوافر

سرى همي وهم الْمَرْء يسريوَغَابَ النَّجْم إِلَّا قيد فتر
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سرى همّي وهمُّ المرءِ يسري»
أراقب فِي المَجَرّةِ كُلَّ نَحمِتَعَرَّضَ أَو عَلى المَجْراةِ يَجْرِي
لَهِمِّ مَا أزالُ لَهُ قَرِيناًكَأَنَّ الْقلب أبطن حر جمر
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سرى همّي وهمُّ المرءِ يسري»
على بكر أخي فَارَقت بكراوَأي الْعَيْش يصلح بعد بكر
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سرى همّي وهمُّ المرءِ يسري»

فلمّ سَمِعت سكينَة هَذَا الشّعْر قَالَت وَمن هُوَ بكر هَذَا فوُصف لَهَا فَقَالَت أهوَ ذَاكَ الأُسَيّدِ الَّذِي كَانَ يمّر بِنَا قَالُوا نعم فَقَالَت لقد طَابَ بعده كلّ شَيْء حتّى الخبو وَالزَّيْت قيل إنّ عَائِشَة بنت طَلْحَة حجّت فِي سنة وحجّت سكينَة أَيْضا فَكَانَت عَائِشَة أحسن آلَة وبغلاً فَقَالَ حاديها من الرجز)

عائشَ يَا ذاتَ البِغال الستّينْ لَا زلتِ مَا عِشتِ كَذَا تَحُجَينْ فشقّ ذَلِكَ عَلَى سكينَة وَنزل حاديها فَقَالَ من الرجز عائِشَ هَذي ضَرَّةٌ تشكوكِ لَوْلَا أَبوهَا مَا اهتَدَى أبُكِ فَأمرت عَائِشَة حاديها أنْ تكفّ فكفّ حُكِيَ أنّه اجْتمع رُوَاة جرير وكُثيرَ وَجَمِيل والأحوص ونُصيب فافتخر كلّ مِنْهُم بِصَاحِبِهِ وَقَالَ صَاحِبي أشعر فحكموا سكينَة بنت الحيبن لمِا يعْرفُونَ من عقلهَا ونفاذتها فِي الشّعْر فَخَرجُوا حَتَّى اسْتَأْذنُوا عَلَيْهَا وَذكروا لَهَا مَا كَانَ من أَمرهم فَقَالَت لراوية جرير أَلَيْسَ صَاحبك الَّذِي قَول من الْكَامِل

طَرَقتْكَ صائِدهُ وَلَيْسَ ذَاوَقَت الزِيارةِ فَارْجِعي بٍَلامِ

وأيّ سَاعَة أحلى للزيارة من الطروق قبح الله صَاحبك وقبح شعره هلاّ قَالَ

وإنّ ذَاوَقت الزِّيَارَة فادْخُلي بِسَلامِ

ثُمَّ قَالَت لراوية كثيرّ أَلَيْسَ صَاحبك الَّذِي يَقُول من الطَّوِيل

يقرّ بعيني مَا يقرّ بِعَينهَاوَأحسن شيءٍ مَا بِهِ الْعين قرّتِ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يقر بعيني ما يقر بعينها»

وَلَيْسَ شيءٌ أقرَّ لِعينها من النِّكَاح أفيحبّ أَن يُنْكَحَ قَبّحه الله وقَبّح شِعْرَهُ ثُمَّ قَالَت لراوية جميل أَلَيْسَ صَاحبك الَّذِي يَقُول من الطَّوِيل

فَلَوْ تَرَكتُ عَقْلِي معي مَا طَلَبْتُهاوَلَكِن طِلابيها لمِا فاتَ مِنْ عَقْلي
للشاعر جميل بن معمر، من قصيدة «يقولون مهلا يا جميل و إنني»

فَمَا أرى صَاحبك هوي وَإِنَّمَا طلب عقله قبّحه الله وقبح سعره ثُمَّ قَالَت لراوية نصيب أَلَيْسَ صَاحبك الَّذِي يَقُول من الطَّوِيل

أهيم بدعد مَا حييت وَإِن أمتفوا حَزَني مَن ذَا يَهِمُ مَن ذَا يَهِيمُ بِها بَعْدي

فَمَا لَهُ هِمّة ألاّ من يتعشّقها بعده قبّحه الله وقبّح شعره ألاّ قَالَ من الطَّوِيل أهيم بدعد مَا حييت وَإِن أمت فَلَا صَلَحَتْ دعدٌ لذِي خُلَةٍ بَعْدي ثُمَّ قَالَت لرِوَايَة الْأَحْوَص أَلَيْسَ صَاحبك الَّذِي يَقُول من الْكَامِل

مِن عاشِقَينِ تَوَاعَدا وتَراسَلالَيْلًا إِذا نَجْمُ الثُرَيَا حَلَّقا

)

باتا بأنْعَمِ لَيْلةٍ وألَذِّهاحتَى إِذا وَضَحَ الصَباحُ تَفَرَّقا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «من عاشقين تراسلا وتواعدا»

قبّحه الله وقبّح شعره ألاّ قَالَ تعانقا فَلم تُثْنِ عَلَى وَاحِد مِنْهُم وَلَمْ تقدّمهم وَكَانَتْ هِيَ وَعَائِشَة بنت طَلْحَة زَوْجَتَيْنِ لمصعب بن الزبير وَكَانَ يجْرِي بَينهمَا مجادلات ومقاولات فلمّا كَانَ ذَات لَيْلَة وطلع الْبَدْر كَامِلا أرسلْت عَائِشَة جاريتها إِلَى سكينَة ووجدتها فِي محفل نساءٍ وهنّ فِي سمر الْقَمَر فَقَالَت لَهَا تَقول لكِ سيّدتي لمن يشبّه هَذَا وَكَانَتْ عَائِشَة فِي غَايَة الْجمال وَالْحسن وَكَانَتْ أحسن من سكينَة فَقَالَت سكينَة إِذا أَصْبَحْنَا ونادى الْمُنَادِي فتعالي حَتَّى أجيبك فلمّا نَادَى المؤذّن أتتها فَقَالَت هَاتِي الْجَواب فَقَالَت لَهَا قولي لسيّدتك جَدُّ من هَذَا فَرَجَعت إِلَيْهَا وَقَالَت لَهَا ذَلِكَ فَقَالَت عَائِشَة مَا بَقِي بعد هَذَا كَلَام مَعَ سكينَة

ولمّا توشحَ مُصعب بِسَيْفِهِ وَخرج إِلَى قتال عبد الْملك بن مَرْوَان نادته سكينَة أعَزَمْتَ يَا ابْن عمّ فَقَالَ لَهَا مَا أَنا ممّن يرجع عَن عزيمته فنادت واحرباه مَنْ للمكارم بعْدك يَا ابْن الزبير فَرجع إِلَيْهَا وعانقها وودّعها ودمعت عَيناهُ وَقَالَ أما لَو علمتُ أنّ لي من قَلْبك هَذَا الْمَكَان لَكَانَ لي وَلَك شَأْن فَلم يرجع من ذَلِكَ الْيَوْم

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف السِّين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.