من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْعَلَاء اللّغَوِيّ
صاعد بن الْحسن بن عِيسَى الربعِي أَبُو الْعَلَاء اللّغَوِيّ الْبَغْدَادِيّ سمع الْحسن بن عبد الله السيرافي وَأَبا عَليّ الْفَارِسِي وَأَبا بكر أَحْمد بن جَعْفَر الْقطيعِي وَأَبا سُلَيْمَان الْخطابِيّ وروى عَنْهُم وَأَصله من الْموصل ثمَّ إِنَّه دخل الأندلس أَيَّام هِشَام بن الحكم الْمُؤَيد وَولَايَة الْمَنْصُور ابْن أبي عَامر فِي حُدُود الثَّمَانِينَ والثلاثمائة وَتُوفِّي بصقلية سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ سريع الْجَواب عَمَّا يسْأَل عَنهُ طيب الْعشْرَة حُلْو المفاكهة فَأكْرمه الْمَنْصُور وَزَاد فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ وَجمع لَهُ كتاب الفصوص ونحا فِيهِ منحى القالي فِي أَمَالِيهِ وأثابه عَلَيْهِ خَمْسَة آلَاف دِينَار وَكَانَ يتهم بِالْكَذِبِ فِي نَقله فَلهَذَا رفض النَّاس كِتَابه وَلما دخل مَدِينَة دانية وَحضر مجْلِس الْمُوفق مُجَاهِد بن عبد الله العامري أَمِير الْبَلَد كَانَ فِي الْمجْلس أديب يُقَال لَهُ بشار فَقَالَ للموفق دَعْنِي أعبث بصاعد فَقَالَ لَهُ الْمُوفق لَا تتعرض إِلَيْهِ فَإِنَّهُ سريع الْجَواب فَأبى إِلَّا مشاكلته فَقَالَ لَهُ شار وَكَانَ أعمى يَا أَبَا الْعَلَاء فَقَالَ لَهُ لبيْك فَقَالَ مَا الجرنفل فِي كَلَام الْعَرَب فَعرف أَبُو الْعَلَاء أَنه وضع هَذِه الْكَلِمَة فَقَالَ لَهُ بعد أَن أطرق سَاعَة هُوَ الَّذِي يفعل بنساء العميان وَلَا يفعل بغيرهن وَلَا يكون الجرنفل جرنفلاً حَتَّى لَا يتعهداهن إِلَى غَيْرهنَّ وَهُوَ فِي ذَلِك كُله يُصَرح وَلَا يكني فَخَجِلَ بشار وانكسر فَقَالَ لَهُ الْمُوفق قلت لَك لَا تفعل فَلم تقبل وَلما ظهر للمنصور كذبه فِي النَّقْل وَعدم تثبته رمى بِكِتَاب)
الفصوص فِي النَّهر فنظم بعض الأفاضل فِي ذَلِك
قد غاص فِي الْبَحْر كتاب الفصوصوَهَكَذَا كل ثقيل يغوص
فَلَمَّا سَمعه صاعد أنْشد
عَاد إِلَى عنصره إِنَّمَاتخرج من قَعْر البحور الفصوص
قَالَ الْحميدِي ون عجائب الدُّنْيَا الَّتِي لَا يكَاد يتَّفق مثلهَا أَن صاعد بن الْحسن هَذَا أهْدى إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر أيلاً وَكتب مَعَه أبياتاً وَهِي
يَا حرز كل مخوف وَأما كل مشرد ومعز كل مذلل
جدواك إِن تخصص بِهِ فلأهلهوتعم بِالْإِحْسَانِ كل مُؤَمل
كالغيث طبق فَاسْتَوَى فِي وبلهشعث الْبِلَاد مَعَ المُرَاد المبقل
مِنْهَا
مولَايَ مؤنس غربتي متخطفيمن ظفر أيامي بأمنع معقل
عبد نشلت بضبعه وغرستهفِي نعْمَة أهْدى إِلَيْك بأيل
سميته غرسية وبعثتهفِي حبله ليباح فِيهِ تفاؤلي
فلئن قبلت فَتلك أَسْنَى نعْمَةأسدى بهَا ذُو نعْمَة وتطول
فقضي فِي سَابق علم الله ﷿ وَتَقْدِيره أَن غرسية بن شانجه من مُلُوك الرّوم وَهُوَ أمنع من النَّجْم أسر فِي ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه الَّذِي بعث فِيهِ صاعد بالأيل وَسَماهُ غرسية متفائلاً بأسره
وَهَكَذَا فَلْيَكُن الْجد الصاحب للمصحوب انْتهى وَكَانَ صاعد الْمَذْكُور يَوْمًا عِنْد ابْن أبي عَامر الْمَنْصُور وَقد حملت إِلَيْهِ باكورة ورد فَقَالَ
أتتك أَبَا عَامر وردةيحاكي لَك الْمسك أنفاسها
كعذراء أبصرهَا مبصرفغطت بأكمامها راسها
فَاسْتحْسن الْمَنْصُور مَا جَاءَ بِهِ فحسده الْحُسَيْن ابْن العريف فَقَالَ هِيَ للْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف وَقَامَ إِلَى منزله وَوضع أبياتاً فِي صفحة دفتر كَانَ قد نقص بعض أسطاره وأتى بهَا قبل افْتِرَاق الْمجْلس وَهِي
عشوت إِلَى قصر عباسةوَقد جدل النّوم حراسها
فألفيتها وَهِي فِي خدرهاوَقد صرع السكر أناسها
)
فَقَالَت أسار على هجعةفَقلت بلَى فرمت كاسها
ومدت إِلَى وردة كفهايحاكي لَك الْمسك أنفاسها
كعذراء أبصرهَا مبصرفغطت بأكمامها راسها
وَقَالَت خف الله لَا تفضحن فِي ابْنة عمك عباسها
فوليت عَنْهَا على غَفلَةوَمَا خُنْت ناسي وَلَا ناسها
قَالَ فَخَجِلَ صاعد وَحلف فَلم يقبل مِنْهُ وافترق الْمجْلس على أَنه سَرَقهَا وتمكنت فِي صاعد لِأَنَّهُ كَانَ يُوصف بِغَيْر الثِّقَة فِيمَا يَنْقُلهُ وَكَانَ كثيرا مَا تستغرب لَهُ الْأَلْفَاظ وَيسْأل عَنْهَا فيجيب فِيهَا بأسرع جَوَاب على نَحْو مَا يحْكى عَن أبي عمر الزَّاهِد وَلَوْلَا أَنه كَانَ كثير المزاح لما حمل إِلَّا على الصدْق وَمِمَّا يحْكى عَنهُ أَنه دخل يَوْمًا على الْمَنْصُور وَبِيَدِهِ كتاب ورد عَلَيْهِ من عَامل لَهُ اسْمه مبرمان ابْن يزِيد يذكر فِيهِ الْقلب والزبيل وهما عِنْدهم من نَبَات الأَرْض قبل زراعتها فَقَالَ لَهُ هَل رَأَيْت أَو وصل إِلَيْك كتاب القوالب والزوالب لمبرمان بن يزِيد قَالَ إِي وَالله يَا مَوْلَانَا بِبَغْدَاد فِي نُسْخَة لأبي بكر ابْن دُرَيْد بِخَط كأكرع النَّمْل فِي جوانبها عَلَامَات فَقَالَ لَهُ أما تستحيي أَبَا الْعَلَاء من هَذَا الْكَذِب هَذَا كتاب عَامل بِبَلَد كَذَا فَجعل يحلف أَنه مَا كذب وَلكنه أَمر وَافق وهنأه يَوْمًا بعيد الْفطر فَقَالَ
حسبت المنعمين على البرايافألفيت اسْمه صدر الْحساب
وَمَا قَدمته إِلَّا كَأَنِّيأقدم تالياً أم الْكتاب
وَمن شعره
ومهفهف أبهى من الْقَمَرقمر الْفُؤَاد بفاتن النّظر
خالسته تفاح وجنتهفأخذتها مِنْهُ على غرر
فأخافني قوم فَقلت لَهُملَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع