تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الْوَزير (٥)

صاعد بن مخلد أَبُو الْعَلَاء الْكَاتِب النَّصْرَانِي أسلم وَكتب للموفق مُحَمَّد ابْن جَعْفَر المتَوَكل وَولي الوزارة لِأَخِيهِ مُحَمَّد الْمُعْتَمد وَمَا زَالَ كثير الصَّدَقَة وَله حَظّ من النبل وَكَانَ صفراً من الْأَدَب وَسمي ذَا الوزارتين وَكَانُوا عزموا على تَسْمِيَته ذَا التدبيرين فَقَالَ لَهُم أَبُو عبد الله لَا تسموه بِشَيْء ينْفَرد بِهِ عَنْكُم وَلَكِن سموهُ ذَا الوزارتين ذَا الكفايتين ليَكُون مُضَافا إِلَيْكُم

وَكَانَ من أحسن من أسلم دينا وَهُوَ الَّذِي جَاءَ إِلَى بَابه أَبُو العيناء فَقَالُوا لَهُ الْوَزير يُصَلِّي فَقَالَ لكل جَدِيد لَذَّة وَلَيْسَ كَذَا بِمرَّة قيل إِن الْكتاب بسر من رأى اجْتَمعُوا مرّة وَكَتَبُوا كتابا إِلَى من يوصله إِلَى الْمُوفق بِبَغْدَاد ويضمنون لَهُ فِيهِ صاعداً بِمَال عَظِيم خطير وانفذوا الْكتاب إِلَى صَاحبهمْ على طَائِر وَكَانَ صاعد قد أحس من النَّاصِر بتغيير واستطالة لإضاقته وَمَا كَانَ يملك إِلَّا مِائَتي ألف دِرْهَم فعزم على حملهَا إِلَى الْمُوفق ثمَّ قَالَ أَيْن تقع هَذِه مِنْهُ وَالله لأتصدقن مِنْهَا بِمِائَة ألف دِرْهَم ولأستكفين الله بِمَا أَخَاف فَفعل وَركب من دَاره يُرِيد الْمُوفق فِي دَاره فَسقط الطَّائِر فِي زورقه فَأخذ فَوجدت الرقعة فِيهِ فقرأها صاعد ووقف على السّعَايَة وَعلم أَن الله ﷿ فعل بِهِ ذَلِك لأجل صدقته وادخل الطَّائِر والرقعة إِلَى الْمُوفق وعرفه خبر المائتي ألف دِرْهَم وَمَا كَانَ عزم عَلَيْهِ فَعظم فِي عين الْمُوفق أمره وعلت حَاله وَقَالَ وَالله مَا فعل الله بك هَذَا إِلَّا لخير خصك بِهِ وشكر لَك وَقَالَ الصولي لَا أعلم أحدا مدح رجلا بِأَنَّهُ لَا يحضر الْحَرْب وَينفذ كَيده فِيهَا نُفُوذ الأقدار بِأَحْسَن مِمَّا قَالَه ابْن الرُّومِي لصاعد

يظل عَن الْحَرْب الْعوَان بمعزلوآثاره فِيهَا وَإِن غَابَ شهد
كَمَا احتجب الْمِقْدَار وَالْحكم حكمهعلى النَّاس طراً لَيْسَ عَنهُ معرد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

)

وَقَرَأَ صاعد يَوْمًا على الْمُوفق كتابا فَجعل لَا يفهمهُ فَنظر فِيهِ الْمُوفق وَجعل يفهم صاعداً مَا لَيْسَ يفهمهُ فَبلغ ذَلِك عِيسَى بن النَّاشِئ الْمَدَائِنِي فَقَالَ

أرى الدَّهْر يمْنَع من جَانِبهوَيهْدِي الحظوظ إِلَى عاتبه
وَمن عجب الهر أَن الْأُمِّير أصبح أكتب من كَاتبه

وَكَانَ صاعد ينْفَرد فَيصَلي ويبكي وغلمانه يظنون أَنه مَشْغُول بِعَمَلِهِ وَكَانَ لَا يركب كل يَوْم وَلَا يَبْتَدِئ بِعَمَل حَتَّى يبْدَأ بِإِخْرَاج صدقاته على أوفر مَا يقدر عَلَيْهِ وَقبض الْمُوفق عَلَيْهِ وَكَانَ الَّذِي قبض عَلَيْهِ عِنْده من ضيَاعه وضياع وَلَده غلَّة ألف ألف دِينَار وَمن سَائِر الكراع خَمْسَة آلَاف رَأس وَمن الْفرش والآلات والجوهر مَا قِيمَته مِائَتَا ألف دِينَار وَمَا واقفه الْمُوفق على شَيْء وَلَا طَالبه إِلَّا أحسن مُطَالبَته وَلَا آذاه وَلَا أَخذ لَهُ من الغلمان من الخدم الرّوم والسودان وَمن فحولة الرّوم والأتراك ثَلَاثَة آلَاف مَمْلُوك وَمَا زَالَ فِي حَبسه مكرماً يدْخل إِلَيْهِ من يُرِيد وَترك من ضيَاعه مَا يغل عشْرين ألف دِينَار وَتُوفِّي صاعد سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بوجع عرض لَهُ فِي قلبه

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الصَّاد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.