من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أم معبد الْخُزَاعِيَّة
عَاتِكَة بنت خَالِد أُخْت حُبَيْش لما خرج رَسُول الله ﷺ من مَكَّة مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة هُوَ وَأَبُو بكر وَمولى لَهُ يدعى عَامر بن فهَيْرَة وَدَلِيلهمَا اللَّيْثِيّ عبد الله بن الْأُرَيْقِط مروا على خَيْمَتي أم معبد عَاتِكَة بنت خَالِد الْخُزَاعِيَّة وَكَانَت امْرَأَة جلدَة
تَحْتَبِيَ بِفنَاء الْقبَّة ثمَّ تَسْقِي وَتطعم فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوهُ مِنْهَا فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مُسنَّتَيْنِ فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى شَاة فِي كسر الْبَيْت فَقَالَ مَا هَذِه الشَّاة يَا أم)
معبد قَالَت شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم قَالَ هَل بهَا من لبن قَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك قَالَ أَتَأْذَنِينَ لي أَن أَحْلَبَهَا قَالَت نعم بِأبي أَنْت وَأمي إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فأحلبها فَدَعَا بهَا رَسُول الله ﷺ فَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا وسمى الله ودعا فِي شَأْنهَا فتفاجت عَلَيْهِ وَدرت واجترت ودعا بِإِنَاء يربض الرَّهْط فَحلبَ فِيهَا ثَجًّا حَتَّى علاهُ الْبَهَاء ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت وَسَقَى أَصْحَابه بِهِ حَتَّى رووا وَشرب آخِرهم ثمَّ أراضوا ثمَّ حلب فِيهِ ثَانِيًا بعد بَدْء حَتَّى مَلأ الْإِنَاء ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا وبايعها وارتحل عَنْهَا فَقل مَا لَبِثت حَتَّى جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا يتساوكن هزالًا مُخّهنَّ قَلِيل فَلَمَّا رأى أَبُو معبد اللَّبن عجب وَقَالَ لَهَا من أَيْن لَك هَذَا اللَّبن يَا أم معبد وَالشَّاء عَازِب حِيَال وَلَا حَلُوب فِي الْبَيْت قَالَت لَا وَالله إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك من حَاله كَذَا وَكَذَا قَالَ صَفيه لي يَا أم معبد قَالَت رَأَيْت رجلا ظَاهر الْوَضَاءَة أَبْلَج الْوَجْه حسن الْخلق لم تَعبه ثجلة وَلم تزر بِهِ صعلة وسيم قسيم فِي عَيْنَيْهِ دعجٌ وَفِي أَشْفَاره وَطف وَفِي عُنُقه سَطَعَ وَفِي صَوته صَحِلَ وَفِي لحيته كثاثة أَزجّ أقرن إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار وَإِن تكلم سما وعلاه الْبَهَاء أجمل النَّاس وأهيأه من بعيد وَأحسنه وأجمله من قريب حُلْو الْمنطق لَا نزر وَلَا هذر كَأَن مَنْطِقه خَرَزَات نظم يتحدرن ربعَة لَا يائس من طول وَلَا تَقْتَحِمُهُ عين من قصر غُصْن بَين غُصْنَيْنِ فَهُوَ أنظر الثَّلَاثَة منْظرًا وَأَحْسَنهمْ قدرا لَهُ رُفَقَاء يحفونَ بِهِ إِن قَالَ أَنْصتُوا لقَوْله وَإِن أَمر تبَادرُوا لأَمره مَحْفُودٌ محشود لَا عَابس وَلَا مُفند قَالَ أَبُو معبد هُوَ وَالله صَاحب قُرَيْش الَّذِي ذكر لنا من أمره مَا ذكر بِمَكَّة وَلَقَد هَمَمْت أَن أَصْحَبهُ وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا فَأصْبح صَوت بِمَكَّة يسمعُونَ الصَّوْت وَلَا يرى من صَاحبه وَهُوَ يَقُول الطَّوِيل
جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِرَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتي أم معبد
هما نَزَّلَاهَا بِالْهدى واهتدت بِهِفقد فَازَ من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد
فيا لقصي مَا زوى الله عَنْكُمبِهِ من فعال لَا تجازى وسؤدد
لِيهن بني كَعْب مقَام فَتَاتهمْومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد
سلوا أختكم عَن شَاتِهَا وإنائهافَإِنَّكُم إِن تسألوا الشَّاة تشهد
دَعَاهَا بِشَاة حَائِل فتحلبتلَهُ بِصَرِيح ضرَّة الشَّاة مُزْبِد
فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالبترددها فِي مصدر ثمَّ مورد
فَلَمَّا سمع ذَلِك حسان بن ثَابت جعل يُجَاوب الْهَاتِف وَيَقُول الطَّوِيل)
لقد خَابَ قوم غَابَ عَنْهُم نَبِيّهموَقد سر من يسري إِلَيْهِم وَيَغْتَدِي
ترحل عَن قوم فضلت عُقُولهمْوَحل على قوم بِنور مُجَدد
هدَاهُم بِهِ بعد الضَّلَالَة رَبهموأرشدهم من يتبع الْحق يرشد
وَهل يَسْتَوِي ضلال قوم تسفهواعمايتهم هاد بِهِ كل مهتد
لقد نزلت مِنْهُ على أهل يثربركاب هدى حلت عَلَيْهِم بِأَسْعَد
نَبِي يرى مَا لَا يرى النَّاس حولهوَيَتْلُو كتاب الله فِي كل مشْهد
وَإِن قَالَ فِي يَوْم مقَالَة غَائِبفَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْم أَو فِي ضحى غَد
لِيهن أَبَا بكر سَعَادَة جدهبِصُحْبَتِهِ من يسْعد الله يسْعد
لِيهن بني كَعْب مقَام فَتَاتهمْومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع