تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

مناظراً بَصيرًا بِالْأَحْكَامِ جيد الْعَرَبيَّة ذكياً كَامِلا نبيلاً رَئِيسا شَاعِرًا محسناً فصيحاً مفوهاً وافر الْعقل كَامِل السؤدد روى عَنهُ الدمياطي فِي مُعْجَمه شَيْئا من نظمه توفّي كهلاً سنة خمس وَتِسْعين وست مائَة ودرس فِي أَمَاكِن كبار وَولي الوزارة مَعَ الْقَضَاء ثمَّ استعفى من الوزارة

أَخْبرنِي الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس قَالَ كَانَ يجلس وَكتاب الحكم بَين يَدَيْهِ والموقعون وتعمل محاسبات الضَّمَان من خاطره أَو كَمَا قَالَ وَتَوَلَّى الْقَضَاء بعده الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد وَأَخْبرنِي من لَفظه الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ كَانَ نَاظر الخزانة السُّلْطَانِيَّة ودرس بالصالحية وَفِي قبَّة الشَّافِعِي وبالشريفية وبالمشهد وَتَوَلَّى مشيخة الشُّيُوخ بخانقاه سعيد السُّعَدَاء وَتَوَلَّى الخطابة بالجامع الْأَزْهَر وَله خطب ونثر ونظم وَكَانَ فصيحاً جزلاً فِي أَحْكَامه يقظاً مهيباً كثير التَّحَرُّز وَالِاجْتِهَاد فِي من يَنُوب عَنهُ وَكَانَ من بقايا الْعلمَاء الفصحاء وَمن أحد رجال الْكَمَال بالديار المصرية

وامتحن فِي الدولة الأشرفية على يَد الصاحب شمس الدّين ابْن السلعوس ثمَّ نجاه الله تَعَالَى مِنْهُ قلت فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دقي الْعِيد كَلَام لَهُ علاقَة بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَيُقَال أَنه لما حكم بتعزيره نهره ابْن السلعوس وأقامه فَقَالُوا لَهُ هَذَا تَعْزِير مثل هَذَا فَقَالَ لَا بُد من زِيَادَة فَقَالُوا ينزل من القلعة إِلَى بَاب زويلة مَاشِيا وَلم ينله مِنْهُ مَكْرُوه بعد عَزله من الْقَضَاء أَكثر من ذَلِك وَسكن القرافة وَتَوَلَّى التدريس بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاورَة لضريح الشَّافِعِي ثمَّ سَافر إِلَى الْحَج فقضي الْفَرِيضَة وزار النَّبِي ﷺ وَأنْشد بهَا القصيدة البليغة من نظمه وَهِي الْكَامِل

النَّاس بَين مرجز ومقصدومطولٍ فِي مدحه ومجود
ومخبر عَمَّن روى ومعبرعَمَّا رَآهُ من العلى والسؤدد

وَمِنْهَا

مَا فِي قوى الأذهان حصر صفاتك العليا وَمَا لَك من كريم المحتد
وتفاوت المداح فِيك بِقدر مَابصروا بِهِ من نورك المتوقد
وَمن الْمُحِيط بكنه معنى مدهشبهر بالعقول بمصدر وبمورد

)

فَإِذا البصائر فِيهِ تنفذ أدْركْتمِنْهُ مَعَاني حسنها لم ينْفد
ورأتك فِي مرآتها شمس الضُّحَىطلعت بِكُل تنوفة وبفدفد
فأفادت الْبَصَر الصَّحِيح إنارةيقوى على الْبَصَر الضَّعِيف الأرمد
وأخو الْهوى فِي طرفه وفؤادهمرض يصد عَن الطَّرِيق الأقصد
جحد الظهيرة نورها واهاً لَهُحرم السَّعَادَة كلهَا إِن يجْحَد
حَظّ الْمُوفق أَن يُتَابع دَائِماأخلاقك الغر الْكِرَام ويقتدي

مِنْهَا فِي الْإِسْرَاء

لم يرْتَفع لله من خفض وَلميقرب إِلَيْهِ من مَكَان مبعد
لَكِن أرى محبوبه ملكوتهحَتَّى يُشَاهد فِيهِ مَا لم يشْهد
وَأرَاهُ كَيفَ تفاضل الْأَمْلَاك وَالرسل الْكِرَام وَكَانَ غير مقلد
وَرَأَتْ لَهُ الْأَمْلَاك فِي ملكوتهجاهاً وَقدرا مثله لم يُوجد

مِنْهَا

هَل جَاءَ قبلك مُرْسل بخوارقإِلَّا وَجئْت بِمثلِهِ أَو أَزِيد
فعصا الكليم تبدلت أعراضهاوَكَذَا عصاك تبدلت بمهند
نبعت عُيُون المَاء من حجرٍ لَهُوالنبع فِي الْأَحْجَار كالمتعود
إِن الْبعيد من العوائد كلهَانبع بدا بَين الْأَصَابِع فِي الْيَد
هذي هِيَ الْكَفّ الَّتِي قد أَصبَحتبحراً إِذا مدحوا لنا الْكَفّ الندي

مِنْهَا

ومحبة الْمولى هِيَ الأَصْل الَّذِيلم يثن عزمك عَنهُ رَأْي مُفند
وَمن الَّذِي يجلي عَلَيْهِ جهرةذَاك الْجمال فَلم يخر وَيسْجد

مِنْهَا

صلوَات رَبك وَالسَّلَام عَلَيْك مَاحييت من متوجهٍ متعبد
وَجرى بذكرك لَفظه فِي وَقفهلخطابة أَو جلْسَة لتشهد
وَإِذا مَرَرْت على الْقُلُوب فَكنت كالأرج الذكي يرد روح المكمد
وعَلى صحابتك الْكِرَام وآلك البرَاء من قَول الجهول الْمُفْسد

)

وعَلى ضجيعيك اللَّذين تشرفابِالْقربِ مِنْك بمقعدٍ وبمرقد
لمكانةٍ فِي الدّين مَا خفيت علىمتبصر قَرَأَ الْعُلُوم مُسَدّد
قاما بنصرك فِي الْحَيَاة عبَادَةوجلادة أزرت على المتجلد
وتكفلا بعد الْمَمَات بنصرة الدين الحنيف على الكفور الملحد
وتقلدا الْأَمر الْعَظِيم فأصبحاحجَجًا على كل امرء متقلد
تالله قد جدا وَمَا ونيا وَلَا اختارا الأخف على الأشق الأجهد
وَكِلَاهُمَا بزلال فضلك يرتويوبفضل برد من شعارك يرتدي
كَانَا سَعَادَة كل عبد صَالحوشقاوة الْبَاغِي الجهول المفند

قلت شعر جيد جزل يدل على تمكن من الْعُلُوم

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.