من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ديك الْجِنّ
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ديك الجن؟
عبد السَّلَام بن رغبان بالراء والغين الْمُعْجَمَة وَبعد الْبَاء الْمُوَحدَة ألف وَنون ابْن عبد السَّلَام أَبُو مُحَمَّد الْكَلْبِيّ الشَّاعِر الْحِمصِي الْمَعْرُوف بديك الْجِنّ كَانَ من شعراء بني الْعَبَّاس وَأَصله من سلمية وَكَانَ شِيعِيًّا ظريفاً مَاجِنًا لَهُ مراث فِي الْحُسَيْن ﵁ مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَتُوفِّي فِي حُدُود الْأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ أَخذ عَنهُ أَبُو تَمام الطَّائِي وَاجْتمعَ بِأبي نواس لما توجه إِلَى مصر
وَقَالَ سعيد بن زيد الْحِمصِي دخلت على ديك الْجِنّ لأكتب شعره وَقد صبغ لحيته بالزنجار وَعَلِيهِ ثِيَاب خضر وَكَانَ جيد الْغناء بالطنبور وَقيل أَنه كَانَ أشقر أَزْرَق الْعين ويصبغ حاجبيه بالزنجار وذقنه بِالْحِنَّاءِ وَلذَلِك قيل لَهُ ديك الْجِنّ وَمن شعره الطَّوِيل
بهَا غير معذول فداو خمارهاوميل بحبالات الغبوق ابتكارها
ونل من عَظِيم الْوزر كل عَظِيمَةإِذا ذكرت خَافَ الحفيظان نارها
وقم أَنْت فاحثث كأسها غير صاغروَلَا تسق إِلَّا خمرها وعقارها
)
فَقَامَ يكَاد الكأس يحرق كَفهمن الشَّمْس أَو من وجنتيه استعارها
ظللنا بِأَيْدِينَا نتعتع روحهافتأخذ من أقداحنا الراح ثارها
موردة من كف ظَبْي كَأَنَّمَاتنَاولهَا من خَدّه فأدارها
وَلما اجتاز أَبُو نواس بحمص سمع بِهِ الديك فاختفى خوفًا مِنْهُ لِأَنَّهُ قَاصِر فقصده أَبُو نواس فِي دَاره فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فأنكرته الْجَارِيَة ففهم الْمَعْنى فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ قولي لَهُ اخْرُج فقد فتنت أهل الْعرَاق بِقَوْلِك
موردة من كف ظَبْي كَأَنَّمَاتنَاولهَا من خَدّه فأدارها
فَلَمَّا سمع ذَلِك خرج إِلَيْهِ وأضافه وَكَانَ الديك يهوى غُلَاما لَهُ وَجَارِيَة فاتهمها بِهِ وقتلهما وأحرقهما وَعمل من رمادهما برنيتين ثمَّ تبين لَهُ أَمرهمَا وَأَنه ظلمهما فَكَانَ يضع البرنيتين عَن يَمِينه ويساره ويملأهما شرابًا وَيقبل هَذِه تَارَة وَهَذِه تَارَة وَقَالَ فيهمَا الْأَشْعَار الْكَثِيرَة وَمِنْهَا فِي الْجَارِيَة الْكَامِل
يَا طلعة طلع الْحمام عَلَيْهَاوجنى لَهَا ثَمَر الردى بِيَدَيْهَا
رويت من دَمهَا الثرى ولطالماروى الْهوى شفتي من شفتيها
قد بَات سفي فِي مجَال وشاحهاومدامعي تجْرِي على خديها
فوحق نعليها وَمَا وطئ الْحَصَىشَيْء أعز عَليّ من نعليها
مَا كَانَ قتليها لِأَنِّي لم أكنأبْكِي إِذا سقط الذُّبَاب عَلَيْهَا
لَكِن ضننت على الْعُيُون بحسنهاوأنفت من نظر الحسود إِلَيْهَا
وَمِنْه فِي الْغُلَام الْكَامِل
أشفقت أَن يرد الزَّمَان بغدرهأَو أَبْتَلِي بعد الْوِصَال بهجره
قمر إِذا استخرجته من دجنهلبليتي ورفعته من خدره
فَقتلته وَبِه عَليّ كَرَامَةملْء الحشا وَله الْفُؤَاد بأسره
عهدي بِهِ مَيتا كأحسن نَائِموالحزن يسفح دمعتي فِي نَحره
لَو كَانَ يدْرِي الْمَيِّت مَاذَا بعدهبالحي كَانَ لَهُ بَكَى فِي قَبره
غصص تكَاد تغيظ مِنْهَا نَفسهويكاد يخرج قلبه من صَدره
وَقَالَ فِي الْجَارِيَة الْبَسِيط)
جَاءَت تزور فِرَاشِي بَعْدَمَا قبرتفظلت ألثم نحراً زانه الْجيد
وَقلت قُرَّة عَيْني قد بعثت لنافَكيف ذَا وَطَرِيق الْقَبْر مسدود
قَالَت هُنَاكَ عِظَامِي فِي مودعةتعيث فِيهَا بَنَات الأَرْض والدود
وَهَذِه الرّوح قد جاءتك زائرةهذي زِيَارَة من فِي الْقَبْر ملحود
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع