من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عبد السَّلَام الجيلي
عبد السَّلَام بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْقَادِر بن أبي صَالح الجيلي أَبُو مَنْصُور الْفَقِيه الْحَنْبَلِيّ البغداذي قَرَأَ الْفِقْه على أَبِيه ودرس بمدرسة جده بعد وَفَاة أَبِيه ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الشاطبية فِي أَسْفَل الْبَلَد وَولي النّظر بالتربة الجهتية والرباط الناصري مُدَّة ثمَّ إِنَّه ظهر لَهُ على أَشْيَاء كتبهَا بِخَطِّهِ من العزائم وتبخير الْكَوَاكِب ومخاطبتها بالإلهية وَأَنَّهَا الْمُدبرَة لِلْخلقِ فأحضر بدار الْخلَافَة وأوقف على ذَلِك فاعترف أَنه إِنَّمَا كتبه مُتَعَجِّبا مِنْهُ لَا مُعْتَقدًا لَهُ فأخرجت تِلْكَ الْكتب وَغَيرهَا وأحرقت بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَتُوفِّي سنة إِحْدَى عشرَة وست مائَة
وَكَانَ قد رتب بعد تِلْكَ الْوَاقِعَة عميداً ببغداذ مُسْتَوْفيا للمكوس والضرائب فشرع فِيهِ ظلم النَّاس واهتضامهم وارتكاب مَا نهى الله عَنهُ من سفك الدِّمَاء وَضرب الأبشار وَأخذ الْأَمْوَال بِغَيْر حق وَلم يزل حَتَّى عزل واعتقل بالمخزن ثمَّ أطلق وَمكث خاملاً ثمَّ عمل وَكيلا للأمير الصَّغِير أبي الْحسن عَليّ ابْن الإِمَام النَّاصِر وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ وَكَانَ دمث الْأَخْلَاق لطيفاً ظريفاً وَمن شعره فِي مليح لابس أَحْمَر الْبَسِيط
قَالُوا ملابسه حمر فَقلت لَهُمهذي الثِّيَاب ثِيَاب الصَّيْد والقنص
يَرْمِي بِسَهْم لحاظ طالما أخذتأَسد الْقُلُوب فتلقيها لَدَى قفص
فاللون فِي الثَّوْب إِمَّا من دم المهجأَو انعكاس شُعَاع الخد بالقمص
قلت شعر يشبه عقيدته فِي الْكَوَاكِب
وَفِي إحراق كتب الرُّكْن عبد السَّلَام يَقُول الْمُهَذّب الرُّومِي سَاكن النظامية الْخَفِيف لي شعر أرق من دين ركن الدّين عبد السَّلَام لفظا وَمعنى
زحلي يشنا علينا ويهوىآل حَرْب حقداً عَلَيْهِ وضغنا
منحته النُّجُوم إِذْ رام سَعْداوسروراً نحساً وهما وحزنا
)
سَار إحراق كتبه سير شعريفِي جَمِيع الأقطار سهلاً وحزنا
أَيهَا الْجَاهِل الَّذِي جهل الْحق ضلالا وضيع الْعُمر غبنا رمت جهلا من الْكَوَاكِب بالتبخير عزا فنلت ذلاً وسجنا مَا زحيل وَمَا عُطَارِد والمريخ وَالْمُشْتَرِي ترى يَا معنى كل شَيْء يودي ويفني سوى الله إلهي فَإِنَّهُ لَيْسَ يفنى
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع