من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
علم الدّين السَّخاوي الشَّافِعِي الْمُقْرِئ النَّحْوِيّ
عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد العلاّمة علم الدّين أَبُو الْحسن الهَمْداني السَّخاوي الْمصْرِيّ شيخ القرّاء بِدِمَشْق ولد سنة ثمانٍ أَو تسع وَخمسين وَخمْس مائَة وتوُفي بِدِمَشْق لَيْلَة الْأَحَد ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وست مائَة وَلما حَضرته الْوَفَاة أنْشد لنَفسِهِ
قَالُوا غَدا نأتي ديارَ الْحمىوَينزل الركب بمغناهمُ
وكلُّ من كَانَ مُطيعاً لهُمْأصبح مَسْرُورا بلُقياهمُ
قلتُ فلي ذَنْب فَمَا حيلتيبأيِّ وَجه أتلقّاهمُ
قَالُوا أَلَيْسَ الْعَفو من شَأْنهمْلَا سيّما عمّن ترجّاهمُ
سمع بالثغر من السِّلفي وَابْن عَوْف وبمصر من أبي الجيوش بن عَسَاكِر بن عَليّ والبوصيري وَابْن ياسين وَجَمَاعَة وبدمشق من الْكِنْدِيّ وَابْن طَبَرْزَد وحنبل وَسمع الْكثير من الإِمَام الشاطبي وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقرَاءَات وعَلى أبي الْجُود غياث بن فَارس وعَلى أبي الْفضل مُحَمَّد بن يُوسُف الغَزْنَوي وبدمشق على الْكِنْدِيّ قَرَأَ عَلَيْهِمَا ب المُبهج لسبط الخيّاط وَلَكِن لم يُسند عَنْهُمَا الْقرَاءَات قيل إِنَّه رأى الشاطبي قَالَ لَهُ إِذا مضيت إِلَى الشَّام فاقرأ على الْكِنْدِيّ وَلَا يرو عَنهُ وَقيل إِنَّه رأى الشاطبي فِي النّوم فَنَهَاهُ أَن يقْرَأ بِغَيْر مَا أقرأه
وَكَانَ السخاوي إِمَامًا علاّمةً مقرئاً محقِّقاً مجوِّداً بَصيرًا بالقراءات وعللها إِمَامًا فِي النَّحْو واللغة وَالتَّفْسِير وَله معرفةٌ تامّةٌ بالفقه وَالْأُصُول وَكَانَ يُفْتِي على مَذْهَب الشَّافِعِي وتصدّر للإقراء بِجَامِع دمشق وازدحم عَلَيْهِ الطّلبَة وتنافسوا فِي الْأَخْذ عَنهُ وقصدوه من الْبِلَاد قَالَ ابْن خلِّكان رَأَيْته مرَارًا رَاكِبًا بَهِيمَة إِلَى الْجَبَل وَحَوله اثْنَان وَثَلَاثَة يقرؤون عَلَيْهِ فِي أَمَاكِن مُخْتَلفَة دفْعَة وَاحِدَة وَهُوَ يردُّ على الْجَمِيع قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَفِي نَفسِي شَيْء من)
صحّة هَذِه الرِّوَايَة على هَذَا النَّعْت لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّر لَهُ أَن يسمع مَجْمُوع الْكَلِمَات فَمَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه وَأَيْضًا فإنَّ هَذَا الْفِعْل من خلاف السنَّة وَلَا أعلم أحدا من شُيُوخ المقرئين كَانَ يترخَّص فِي هَذَا إلَاّ الشَّيْخ علم الدّين وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى أقعد بِالْعَرَبِيَّةِ والقراءات من الْكِنْدِيّ ومحاسنه كَثِيرَة وَكَانَت حلقته عِنْد قبر زكريّاء
وَمن تصانيفه شرح الشاطبيّة فِي مجلدين وَشرح الرائية فِي مُجَلد وَكتاب جمال الْقُرَّاء وتاج الإقراء وَكتاب مُنِير الدياجي فِي تَفْسِير الأحاجي وَكتاب التَّفْسِير إِلَى الْكَهْف فِي أَربع مجلدات وَكتاب المفضَّل فِي شرح المفصَّل وَله قصيدة سَمَّاهَا ذَات الحُلل وَهِي على طَرِيق اللغز وَشَرحهَا فِي مُجَلد وَكتاب تحفة الفرَّاض وطُرفة تَهْذِيب المرتاض وَكتاب هِدَايَة المرتاب وَغَايَة الْحفاظ والطلاب فِي متشابه الْكتاب وأرجوزة تسمّى الْكَوْكَب الوقّاد فِي تَصْحِيح الِاعْتِقَاد وَله القصيدة الناصرة لمَذْهَب الأشاعرة تائيّة وعروس السَّمَر فِي منَازِل الْقَمَر نونيّة وَله مدائح فِي النَّبِي ﷺ وَله كتاب سفر السَّعَادَة وسفير الإفادة وَهُوَ كتاب كثير الْفَوَائِد فِي اللُّغَة والعربية
وممّن رثاه جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن عَطاء الشُهبي فَقَالَ
مضى السخاوِيُّ فانْبتَّتْ عُرى الجدَلِوبُدِّلت مذ توارى صنعةُ البدَلِ
وَكَانَ حُجَّتهُ فِي الْفضل بَالِغَةوَمِنْه عين الْمعَانِي المُرْهِ فِي كَحَلِ
بكتْ عَلَيْهِ عيونُ النَّحْو جازعةًلفقده مذ توارى وَهُوَ علم عَليّ
فَقلت للعين كفي وَهِي سافحةٌلما خشيتُ عَلَيْهَا صولةَ السَّبَلِ
فَقَالَ إنسانها والدمعُ منحدرٌأَنا الغريقُ فَمَا خوفي من البللِ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع