تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابْن الذِّرْوي

عَليّ بن يحيى القَاضِي الْوَجِيه أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن الذِّرْوي شَاعِر مُجيد توفّي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْلَة الْخَمِيس سادس عشر ذِي الحجّة سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة وَمن شعره

بَكَرَ الحيا تِلْكَ الربوعَ بِدَرِّهِحتَّى يُقَلِّدُها الربيعُ بدُرِّهِ
وسرى النسيمُ لَهَا بنفحة عنبرٍنقلت شذاها عَن مجامر زهرِهِ
دِمنٌ إِذا اقتنص الحشا تذكارُهاطَار الفؤادُ صبَابَة عَن وَكْرهِ
وعَلى العُذَيبِ كَمَا علمتَ مُتيَّمٌكتمَ الهَوَى فوشى النحولُ بسرِّهِ
تُذْكي أحاديثُ الغضا زفراتهحتَّى يخيَّلها الغضا من جمرِهِ

)

ويَوَدُّ من زمنٍ تقضَّى باللِّوىيَوْمًا يعودُ فيشتريه بعمرِهِ
عنِّي بِقَوْلِك يَا نصوحُ فإنَّ ليسَمْعاً يَوَقِّرُه الملامُ لِوَقْرهِ
حَسْبُ المُفَنِّدِ أنَّه يدْرِي الهَوَىأَو لَا فحسبي أنّه لم يَدْرِهِ
ومهفهفٍ أبدى الجمالُ بطرفهدَعْوَى يُحقِّقُها النحولُ بخصرهِ
أيقنتُ أنَّ الجُلَّنارةَ خدُّهلما بدا رُمَّانُها فِي صَدْرهِ
وعلمتُ أنَّ الخندريسَ رُضابُهلما رأيتُ حَبابها فِي ثغرهِ
قمرٌ يُذكِّرني الأصيلَ بوصلهقسراً ويُنسيني الهجيرَ بهجرهِ

وَقَالَ أَيْضا

جُنَّ بِهِ العاذلُ لما رآهُوَعَاد يستعذرُ ممّا جَناهْ
أَتَاهُ كي يَهدي إِلَى سُلوةعَنهُ فضلَّ العقلُ مِنْهُ وتاهْ
وَهل يطيعُ القلبُ تفنيدَهوَقد عصى لما نهتْهُ نُهاهْ
الحبُّ بِالْكِتْمَانِ غُفْلٌ فإنْبُحْتَ بِهِ وشّاهُ قَول الوشاهْ
وَمَا على العُذّال من مُغرمٍشفاؤه مَا ضمَّنتْه الشِّفاهْ
هويتُه كالروض فِي حسنهإِن رَضِيَتْ بِالْوَصْفِ مني حُلاهْ
يُنير وَجها وابتساماً فَمَاتعرفُ مِنْهُ الثغرَ لَوْلَا لماهْ
إِن لم يكن بَدْرًا على بانةٍفإنَّ بَين المنظرين اشتباهْ
أنكرَ من قَتْلِي بألحاظه المرضى دَمًا تعرفه وجنتاهْ
وشفَّني سُقْماً فَمَا ضرَّهلَو أَبْرَأ الْجِسْم الَّذِي قد براهْ

وَقَالَ

ألمَّ وطرفُ النَّجْم قد كَاد يغمضُخيالٌ إِذا دبَّ الْكرَى يتعرَّضُ
سرى ليَ من أقْصَى الشآم وبيننافيافٍ على الساري تطول وتعرضُ
هدتْه من الأشواق نارٌ دخانُهاهمومٌ عَلَيْهِ صبغةَ اللَّيْل تنفضُ
وأرواه للعشاق دمعٌ تقطَّرتمرائرنا من مَائه فَهِيَ عَرْمَضُ

قلتُ هَذَا معنى بديعٌ جيدٌ إِلَى الْغَايَة

لَهُ الله من طيفٍ مَتى ذقتُ هجعةًأتتْني بِهِ خيلُ الأمانيِّ تركضُ

)

يواصلني عمّن هُوَ الدهرَ هاجرٌويُقْبِلُ لي عمّن هُوَ الدهرَ مُعْرِضُ
وَمَا شاقني إلَاّ تألُّقُ بارقٍأرِقْتُ لَهُ والجوُّ بالصبح يجرضُ
وللغيم مسكٌ فِي ذرانا مطبّقوللظلّ كافورٌ لدينا مُرَضْرَضُ
وَقد أشربُ الصهباءَ من كفِّ شادنٍحلاه على شُربِ المدام يُحَرِّضُ
يروقُكَ خَدٌّ من للَّثمِ أحمرٌويُصبيك ثَغْرٌ مِنْهُ للرشف أبيضُ
فللحسن من هَذَا شَقِيق مذهَّبوللطيب من ذَا أُقحوانٌ مفضَّضُ
ونَدْمانِ صدقٍ قد بلوت وكلُّهملودِّك يُصْفي أَو لنصحك يمحضُ
تَرَانَا على بُسْط الأزاهر سحرةًنَعودُ نسيمَ الرَّوْض ساعةَ يمرضُ

وَقَالَ

يَا بانُ إِن كَانَ سكّانُ الْحمى بانواففيضُ شاني لَهُ فِي إثرهم شانُ
وَيَا حمائمُ إِن لحَّنْتِ مسْعدَةفلي على دوحة الأشواق ألحانُ
أبْكِي الأحبَّةَ أَو أبْكِي مَنَازِلهمْفَإِن مضى ذكر نُعْمٍ قلتُ نَعمانُ
قد كَانَ فِي تِلْكَ أوطارٌ نعمتُ بهَاولَّتْ كَمَا كَانَ من هاتيك أوطانُ
من لي بأقمار أُنسٍ فِي دجى طُرَرٍأفلاكها العيسُ والأبراج أظعانُ
تِلْكَ القدودُ مَعَ الأرداف إِن خطرتْمَا القضبُ قضبٌ وَلَا الكثبان كثبانُ
سُقوا من الحُسن مَاء وَاحِدًا فَبَدَامِنْهُم لنا غيرُ صِنْوانٍ وصنوانُ
يَا يومَ توديعهم مَاذَا بِهِ ظفرتْعَيْني من الْحسن لَو ولاه إحسانُ
جِئْنَا فولّى بهَا الإعراضُ من حذرٍوَكَيف لم تتلفَّتْ وَهِي غِزلانُ
من كلِّ فاتنةِ الخدَّين ناهدةٍلَو كَانَ للَّثمِ أَو للضمِّ إمكانُ
يدلُّ فِي وجنتيها الجُلَّنارُ علىأنّ الَّذِي حَاز مِنْهَا الصَّدْر رُمّانُ
كم طرتُ شوقاً إِلَيْهَا فِي الرِّيَاح ضَنًىفَظُنَّ بلقيسَ وافاها سليمانُ

وَقَالَ

نَعم دارُ نُعْمٍ أشرفتْ من فجاجهافملْ نَحْوهَا بالناجياتِ وناجِها
وإنْ حثَّ ساقي الشوقِ كأسَ تلهُّفٍفَمَا الدمعُ مخلوقاً لغير مزاجها
خليليَّ قد لجَّجْتُ فِي الحبِّ رَغْبَةفَهَل للُواحي رغبةٌ عَن لجاجها

)

وَكم للمطايا يومَ رملةِ عالجٍمن البينِ مرضى حُيِّدَت عَن علاجها
وَكم من شَجٍ سلَّت عَلَيْهِ يدُ النَّوَىظُباها فأمسى مثخناً من شجاجها
فَمَا ضرَّ هاتيك الركائبَ لَو رثَتْفعاجتْ على المُضْنى بدمية عاجها
وَبِي قُضْبُ وشيٍ هيَّمَت باهتزازهاعلى كُثْب أُزْرٍ تَيَّمَتْ بارتجاجها
تحيِّيكَ مِنْهَا للثغور لآلئٌحياةُ المُعنَّى رشفةٌ من مُجاجها

وَقَالَ

أقولُ والفجرُ قد لاحتْ بشائرهوالجوُّ قد كَاد ينضو حُلَّةَ السَّدَفِ
والليلُ خلفَ عَصا الجوزاء من خَوَرٍقد آل فِي عمره للشيبِ والخَرَفِ
راهنتَ يَا نجمُ طرفِي فِي السهاد وَقدبدا بأجفانك التغريرُ فاعترفِ

وَقَالَ

مَا بَين وَجهك والهلال سوىأنَّ الأهلَّة لَا تُميتُ هَوى
لله منظرُ من كلفتُ بِهِمَاذَا من الحسنِ البديع حوى
والنجم مِنْهُ إِذا هوى وذوىمَا ضلَّ مثلي عاشق وغوى
ظبيٌ رأى بلهيب وجنتهللقلب طبًّا آخرا ولوى
مَا الغصنُ هزَّته الْجنُوب إِذامَا السكرُ هزَّ قوامَهُ ولوى
لَام العذولُ وَقد رَآهُ وَكمعاوٍ على الْبَدْر الْمُنِير عوى
يَا من غَدا بِنَواهُ يوعدنيليكنْ عقابُك لي بِغَيْر نوى
انْظُر إِلَى جسمي يذوب ضنًىوَانْظُر تجدْ قلبِي يُفَتُّ جوى

وَقَالَ قصيدةً مدح بهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ذَات قوافٍ متعدِّدة مَتى أردتَ أنشدتها على أيِّ رويٍّ شئتَ من السِّين وَالْبَاء وَالدَّال وَالْعين وَالرَّاء وَاللَّام وَالْمِيم وَالنُّون والثاء وَالْفَاء وَالْكَاف وَالضَّاد والغين وَالْخَاء والشين وَالتَّاء والطاء وَالْهَاء وَالصَّاد وَالْقَاف وَالْجِيم والحاء وَالزَّاي وَالْيَاء مَهْمُوزَة أوْلها

نَوًى أطلعت مِنْهَا القفارُ البسابسُنخيلَ مطيٍّ طلعُهنَّ أوانسُ

فلكَ أَن تَقول القفارُ السباسبُ القفارُ الفدافدُ القفارُ البلاقعُ القفارُ الحواترُ القفارُ المجاهلُ القفارُ المخارمُ القفارُ الشواطنُ القفارُ البرائثُ القفارُ التنائفُ القفارُ العوانكُ القفارُ)

المرافضُ القفارُ الزوائغُ القفارُ السرابخُ القفارُ العواطشُ القفارُ السبارتُ القفارُ البسائطُ القفارُ المهامهُ القفارُ المراهصُ القفارُ السمالقُ القفارُ الفواتحُ القفارُ الصحاصحُ القفارُ البوارزُ القفارُ المواطئُ وَهَكَذَا تغيرّ كل قافيةٍ من هَذِه الْحُرُوف فَتكون هَذِه القصيدة أَرْبعا وَعشْرين قصيدة وَهِي فِي غَايَة الْحسن وَعدم التكلّف وَدخل الْوَجِيه ابْن الذِّروي يَوْمًا إِلَى الحمَّام وَمَعَهُ ابْن وَزِير الشَّاعِر فَقَالَ ابْن وَزِير

لله يومي بحمَّامٍ نعمتُ بهَاوالماءُ مَا بَيْننَا من حَوْضهَا جاري
كأَنَّه فَوق شقَّات الرخامِ ضحىماءٌ يسيلُ على أثوابِ قَصَّارِ

فَقَالَ ابْن الذِّروي

وشاعرٍ أوقد الطبعُ الذكيُّ لَهُفكاد يُحرقه من فرطِ إذكاءِ
أَقَامَ يُعمل أَيَّامًا رويَّتهوشبَّه المَاء بعد الْجهد بِالْمَاءِ

وَقَالَ ابْن الذِّروي فِي الحمَّام

إنَّ عيشَ الحمَّامِ أطيبُ عيشٍغيرَ أنَّ المُقامَ فِيهَا قليلُ
هِيَ مثل الْمُلُوك تصفي لَك الودَّ قَلِيلا لكنّه يستحيلُ
جنَّةٌ تُكره الإقامةُ فِيهَاوجحيمٌ يطيبُ فِيهِ الدخولُ
فكأَنَّ الغريقَ فِيهَا كليمٌوكأَنَّ الحريقَ فِيهَا خليلُ

وَفِي ابْن الذِّروي يَقُول نشءُ الْملك بنُ المنجِّم

لَا تَنْسُبَنَّ الوجيهَ حِين كسابُردته للغلامِ من غَلَطهْ
واللهِ مَا لَفَّهُ ببردتهإلَاّ لأخذ القضيبِ من وَسَطهْ

وَيَقُول ابْن المنجِّم أَيْضا

قل لمن تله حِين مَرَّ علينا ببغلِهْ
بَعْدَمَا كَانَ لَيْسَ يملَك شِسعاً لنعلِهْ
وكسا البردةَ الغلامَ جَزَاء بفعلِهْ
أكذا كلُّ شاعرٍبَعْلُهُ خلفَ بغلِهْ

وَلابْن الذِّروي قصيدة ذاليَّة مليحة مدح بهَا مجد الدّين الْمُبَارك بن منقذ وَهِي مَذْكُورَة فِي تَرْجَمَة الْمُبَارك فِي مَكَانَهُ قَالَ أَبُو مُوسَى عمرَان الخندقي قَاضِي طنبذى دخلتُ وَجَمَاعَة من)

أَصْحَابنَا على الْوَجِيه ابْن الذِّروي وَهُوَ يشرب مَعَ قوم فمزحنا مَعَهم وداعبناهم فصُفع الْوَجِيه فَقَالَ مرتجلاً

ويومٍ قاسمتْنا اللهوَ فِيهِأُناسٌ لَيْسَ يَدْرُونَ الوَقارا
أدَرْنا الصفعَ والكاسات فِيهِفعربدتِ الصُّحاةُ على السُّكارى

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.