من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
القَاضِي عَلَاء الدّين بن فضل الله
عَليّ بن يحيى بن فضل الله القَاضِي عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء تقدَّم بقيَّة نسبه فِي ذكر أَخِيه القَاضِي شهَاب الدّين بن فضل الله
لما نزل أَخُوهُ القَاضِي شهَاب الدّين من القلعة فِي حَيَاة وَالِده القَاضِي محيي الدّين وَلزِمَ بَيته تقدَّم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر إِلَى وَالِده أَن يدع القَاضِي عَلَاء الدّين يكون يدْخل يقْرَأ الْبَرِيد وَيخرج وينفِّذ الأَشغال على قَاعِدَة أَخِيه وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَلم يزل كَذَلِك إِلَى توفّي وَالِده فاستقلَّ بالوظيفة بمفرده وَقَامَ بهَا أحسن قيام وخدمته السَّعَادَة وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي الْملك النَّاصِر وَولي وَلَده الْملك الْمَنْصُور أَبُو بكر فاستمرَّ بِهِ ولمَّا تولى الْملك الْأَشْرَف عَلَاء الدّين كُجُك أَخُوهُ زَاده إنعاماً من الدَّرَاهِم والغلَّة فِي كلِّ سنة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن حضر الْملك النَّاصِر أَحْمد من الكرك ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فتوجَّه مَعَه وَأقَام بالكرك عِنْد السُّلْطَان فلمَّا تولَّى السُّلْطَان الْملك الصَّالح دخل القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد أَخُوهُ وسدَّ الْوَظِيفَة إِلَى أَن جَاءَ القَاضِي عَلَاء الدّين من الكرك فاستمرَّ فِي منصبه على عَادَته وَلَا أعرف أحدا كتب الثُّلث فِي عصره مثله إنَّه جوَّده إِلَى الْغَايَة وَكتب
الرّقاع من أحسن مَا يكون وَلَكِن تفرَّد بِالثُّلثِ وإتقانه وقدَّم جمَاعَة فِي أيَّامه وَدخل بأولاد الموقِّعين الدِّيوَان وَزَاد النَّاس وَأحسن إِلَيْهِم
وقف على جُزْء من التَّذْكِرَة الَّتِي لي فَلَمَّا أنهاه مطالعةً كتب عَلَيْهِ بقلمه الْمليح السعيد طالعتُ هَذَا السّفر فَإِذا هُوَ مُسفرٌ عَن روض يَانِع الثِّمَار وبحر تتدفَّق مَعَانِيه الغِزار وكنز ينثر على الطّلبَة سبائك النُّضار وَربع آهل المغاني بمعانٍ تُطرب بالمسموع وَيَدْعُو تَرْجِيع ألحانه الطير إِلَى الْوُقُوع وَجمع بديع لَا نَظِير لَهُ فِي الْآحَاد وَلَا فِي الجموع فاجتلتِ النفسُ مَعَانِيه البديعة لمَّا استهلَّتْ ونهلتْ مِنْهُ عِنْد موردها وعلَّتْ وَعلمت أَن لَا زبدة لجريها فِي هَذِه الحلبة فتسلَّتْ فَللَّه هَذَا الدوح الَّذِي دحا زهرَ الْآدَاب صلاحُ غرسه وَمَا أبدع مَا نمَّقته يدُ كَاتبه من الوشي المرقوم فِي طِرسه فَلَو أنصفه مَشَايِخ الأدباء لأطلعه كلٌّ مِنْهُم شمساً ينظر إِلَيْهَا بِعَين الحِرباء
وَكتب بعد ذَلِك شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ
إنَّ الحسود عِنْدَمَاعاينَ ذَا الحسنَ افتتنْ
)
وَقَالَ لَا بِدْعَ إِذاأُتِي عليٌّ بالحَسَنْ
وَكَانَ الَّذِي كتبه القَاضِي عَلَاء الدّين على أول الْجُزْء وَكتب شمس الدّين بعد ذَلِك فِي آخِره طالعتُ هَذَا الْجُزْء واجتليتُ قمره واجتنيتُ ثمره وسرَّحت النَّاظر وشرحتُ الخاطر وَوَجَدته قد اشْتَمَل على مَا يملأُ الْقلب والسمع وألفيته وَاحِدًا فِي نَوعه يشهدُ لجامعه بِحسن الْجمع فقد سطعت أنوارُه وأينعت أزهارُه ودليلٌ على اللبيب اختيارُه فعلقتُ مِنْهُ طرائفَ بِدعَة ولطائفَ صَنِيعَة وَلَو أنصفتُ لعلقتُه جميعَه فلمَّا وقفتُ على الأول وَالثَّانِي قلت فِي ذَلِك
إنَّ أوراقاً جمعتُ بهَالفظَ أهلِ الفضلِ والزَّيْنِ
طُرِّزتْ من هَاهُنَا وَهنافَأَنا بَين الطرازَيْنِ
ووقف القَاضِي عَلَاء الدّين على مَا نظمتُه قَدِيما وَهُوَ بيتان
إنِّي لأعجبُ من صدودكِ والجفامن بعدِ ذَاك القربِ والإيناسِ
حاشا شمائلكِ اللطيفةَ أَن تُرىعوناً عليَّ مَعَ الزَّمَان القاسي
فكأَنَّهما أعجباه فَقَالَ مجيزاً لَهما
أَوَثغرُكِ الصافي يردُّ حُشاشتيتَشْكُو لهيباً من لظى أنفاسي
تالله مَا هذي طباعك فِي الْهوىلَكِن حظوظٌ قُسِّمتْ فِي الناسِ
فَأَنْشَدته لي أَيْضا
يَا مَن تناسى ودادي بعد معرفةٍوَقد غَدا طوعَ لُوَّامٍ وعُذَّالِ
مَا أنتَ أوَّلَ محبوبٍ ظفرتُ بِهِمن الزَّمَان فخابتْ فِيهِ آمالي
فأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ
هجرتْ عَزَّةٌ وزادت دلالاوتوارتْ إذْ زرتُها عَن عِياني
لَا تخافي إِذا الْتَقَيْنَا عتاباذَاك حظِّي عرفتُه من زماني
فنظمتُ فِي هَذِه الْمَادَّة
إِن أتيتَ الْحمى فقُلْ لبدورٍحبُّهم لذَّ لي وَإِن كَانَ آذَى
مَا لكم فِي البعاد وَالله ذنبٌسوءُ حظِّي الَّذِي قضى لي بِهَذَا
فأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ)
قَالَ لي عاذلي تَسَلَّ إِلَى كمأنتَ تهوى وَذَاكَ بالهجر مُغرى
قلتُ أمَّا الجفا فَمن سوء حظِّيوسُلُوِّي فَلَا وَهَى وأنتَ أَدرى
فقلتُ أَنا أَيْضا أَتُحْرِقُ أحشائي وتُجري مدامعيأَأَنتَ عدوٌّ أم تقولُ حبيبُ
وَمَا أنتَ ممَّن خَان عهدَ محبِّهولكنَّ حظِّي فِي الغرام عجيبُ
وأنشدني لنَفسِهِ تخميس الأبيات السينيَّة الَّتِي بيني وَبَينه وَهُوَ
كُفِّي عتابكِ قد جرى مَا قد كفىشفَّ الضَّنى جَسَدِي فصرتُ على شفا
تعدِينَ وصلا ثن تجتنبي الوفاإنِّي لأعجبُ من صدودكِ والجفا
من بعدِ ذَاك القربِ والإيناسِ
قد صرتُ أقنع بالخيال إِذا سرىفَعدا عليَّ الدهرُ إذْ سلب الْكرَى
هَا فاسْكتي لَا تُسعديه على الوَرَىحاشا شمائلكِ اللطيفةَ أَن تُرى
عوناً عليَّ مَعَ الزَّمَان القاسي
أم أنَّ عدلَك لَا يُزيل ظُلامتيوضِيا جبينِك لَا يردُّ ضلالتي
أَو حسنُ لفظك لَا يجيبُ مَقَالَتيأَو ثغرُك الصافي يردُّ حُشاشتي
يشكو لهيباً من لظى أنفاسي
خلَّيتِني والعودَ فِي حالٍ سواوتركتني حِلْفَ السُّهادِ مَعَ الجوى
من قَالَ إنَّك تقتلي صبًّا غوىتالله مَا هذي طباعك فِي الْهوى
لَكِن حظوظٌ قُسِّمَتْ فِي الناسِ وتقدَّم إليَّ بِأَن أخمِّس الأبيات الْمَذْكُورَة فقلتُ
يَا من رأى كَلَفي بِهِ فتعطَّفاوحنا وجاد بوصله وتلطَّفا
كَيفَ انخدعتَ وملتَ عَن طرقِ الوفا
أشمتَّ بِي الأعداءَ من بَين الوَرَىومنعتَ عَيْني أَن ترى طيفَ الْكرَى
عجبا لحظِّي مِنْك كَيفَ تغيَّرا
إنِّي أعوذُ بِمن قضى بصبابتيأَن لَا ترقَّ وترعوي لكآبتي
أَو أَن ترى فيَّ المرادَ شوامتي)
أتساعدُ الأيامَ فِي جَور النَّوىوَتَكون عوناً للصبابة والجوى
وتذيب صبري والتجلُّدَ والقوى وخمَّسها جماعةٌ من شعراء الْعَصْر ورُزقت حظًّا من سعادته وغنَّى بهَا المغنون وكتبتُ إِلَيْهِ من الشَّام وَقد ورد عليَّ كِتَابه من الْقَاهِرَة
وافى الكتابُ كَمَا أردتُ فعُدتُ منإجلاله عِنْدِي أقومُ وأقعدُ
وَلكم لثمتُ الثَّرى فِي سجدةٍوأطلتُ حتَّى قيل هَذَا هدهُدُ
فَكتب الْجَواب على ذَلِك
أهْدى مشرَّفُكَ السليمانيُّ مَايفنى الزمانُ وحسنُه لَا ينفذُ
وفهمتُ سجدَةَ هدهدٍ قد وافقتْوطبتُ حتَّى قلتُ فِيهِ معبدُ
وَله جمعت كتابي الَّذِي سميتُه المجاراة والمجازاة حَسْبَمَا طلبه منِّي وجهَّزته إِلَيْهِ وكتبتُ مَعَه قصيدةً امتدحتُه بهَا وَهِي
لَك جفنٌ لَو خَالف الصبُّ أمْرَهْعَاد بالدمع جفنُه وَهُوَ أَمْرَهْ
أيُّ عينٍ سوداءَ قد تركتْ فِيصحنِ خدِّي من المدامع نُقْرَهْ
يَا غزالاً فِيهِ من الغصنِ مَيْلٌوقضيباً فِيهِ من الظَّبي نَفْرَهْ
أَنا أغْنى الأَنام فِيك لأنِّيطالما نلتُ من محيَّاك بَدْرَهْ
لَك خدٌّ يُخالُ صفحةَ بدرٍكُسفتْ وَسْطَها من الخالِ زُهْرَهْ
وشذًى كلما تذكَّرتُ مِنْهُنَشرَه كلن لي من الدمع نُشْرَهْ
يَا لذاك الجبينِ إذْ رحتُ مِنْهُوثيابي بالدمعِ فِي الشمسِ عُصْرَهْ
ولذاك الرِّيق الَّذِي مُذْ حلا ليكم تجرَّعتُ مُرَّهُ مِنْهُ مَرَّهْ
ولذاك العذار إذْ زَان خدًّاصَار مِنْهُ للصبِّ ماءٌ وخُضْرَهْ
أَتَرَى رَقْمه بكفِّ عَلَاء الدينِ لمَّا بدا وجرَّد سَطْرَهْ
قلمٌ فِي بنانه يَجْعَل الطِّرسَ مُحَيًّا وطُرَّةً فِيهِ غُرَّهْ
هِيَ كفٌّ لَو جفَّتِ الأَرضُ محلالم تعُز من يراعه غيرَ مَطْرَهْ
لم يكن حارماً لمن حلب الرزقَ وَإِن جَاءَهُ حَماهُ المَعَرَّهْ
خلِّ سَمْعِي من قَوْلك ابْن هلالٍبدرُ هَذَا أتمُّ فِي كلِّ نَظْرَهْ
)
ولأوضاعه حلاوَةُ معنىطالما أرْسلت من الْجُود قَطْرَهْ
لَيْسَ كتبٌ يخُطُّها قطُّ كتبابل رياضٌ قد أينعتْ كلَّ زَهْرَهْ
تصدرُ الكتبُ فِي الممالك عَنهُفتُسَرُّ القلوبُ مِنْهَا وتَكْرَهْ
فَهِيَ عِنْد الوليِّ أطواق جيدٍوَهِي عِنْد العدوِّ تقصد نَحْرَهْ
وَإِذا مَا أَرَادَ نظمَ قَريضٍقلتَ سحرًا أدارَ أم كأس خَمْرَهْ
بقوافٍ تمكَّنتْ واطمأنَّتْلَا كمن جرَّها إِلَى البيتِ سُخْرَهْ
أَيْن لفظٌ يَأْتِي كنسمةِ روضٍمن مقالٍ يُلقي على القلبِ صَخْرَهْ
ذَاك فِي السّمع دُرَّةٌ وَأرى ذَافِي الْقَفَا مثلهَا وَفِي الدالِ كَسْرَهْ
وحسودٍ يَقُول لَا أرضَ هَذَاقلتُ تيهاً يَا أسودَ الوجهِ بَعْرَهْ
أيُّها السيِّدُ المُمَجَّدُ حَاليبك حالٍ وَكَانَ من قبلُ عِبْرَهْ
إنَّ هَذَا الْكتاب بِاسْمِك لَمَّاصُغْتُه عظَّمَ البريَّةُ قَدْرَهْ
صُنهُ عَن جاهلٍ بِمَا قد حواهُمَا ترى كلَّ ذرَّةٍ مِنْهُ دُرَّهْ
إنَّ عينا بالوجهِ مِنْك تَمَلَّتْكَحَلَتْ جفنَها بمِيلِ المَسَرَّهْ
وفؤاداً لَا يمتلي بكَ حُبًّارزقَ اللهُ ليله منكَ فَجْرَهْ
لَك باللائذين حولك لطفٌوبمن بَان عَن حماك مَبَرَّهْ
أتمنَّى لَو عشتَ لي ألفَ عامٍوالمحبُّ الصدوق فِي الوُدِّ يَشْرَهْ
فابقَ مَا رقَّصَ النسيمُ غصوناًمَيَّلَتْ عِطفها الحمائمُ بُكْرَهْ
ولي فِيهِ عدَّة مدائح قصائد ومقاطيع وموشَّحات وأزجال وَقد جمعت ذَلِك فِي مُجَلد سميتُه الْكَوَاكِب السمائيَّة فِي المناقب العلائيَّة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع