من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
شمس الْمَعَالِي صَاحب جرجان
قَابُوس بن وشمكير بن زِيَاد الديلمي شمس الْمَعَالِي صَاحب جرجان وطبرستان وَكَانَ أَبوهُ وشمكير وَعَمه مرداويج من مُلُوك الرّيّ وأصبهان وَتلك النواحي لِأَن أول من ملك من الديلم ليلى بن النُّعْمَان فاستولى على نيسابور فِي أَيَّام نصر بن أَحْمد الساماني وَقَامَ بعده أسافر بن شيرويه
وَكَانَ مرداويج بن زيار أحد قواده فَخرج عَلَيْهِ فحاربه فظفر بِهِ مرداويج فَقتله وَملك مَكَانَهُ وَعمل لنَفسِهِ سريراً من ذهب فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَاشْترى عبيدا كَثِيرَة من الأتراك وَجعل يَقُول أَنا سُلَيْمَان وَهَؤُلَاء الشَّيَاطِين
وَكَانَ فِيهِ ظلم وجبروت فَدخل عَلَيْهِ غلمانه الأتراك فَقَتَلُوهُ فِي الْحمام وولوا عَلَيْهِم أَخَاهُ وشمكير فاستولى على جرجان وطبرستان ودامت الْحَرْب بَينه وَبَين ركن الدولة ابي عَليّ ابْن بويه نيفاً وَعشْرين سنة
وكب فِي آخر أَيَّامه فرسا لَهُ فعارضه خِنْزِير فشب بِهِ الْفرس وَهُوَ غافل فَسقط على دماغه فَهَلَك
وَكتب ابْن العميد عَن ركن الدولة كتابا قَالَ فِيهِ الْحَمد لله الَّذِي أغنانا بالوحوش عَن الجيوش وَقَامَ بعده ابْنه ابو مَنْصُور بهستون وشمكير مقَامه وَتُوفِّي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة
وَكَانَ عضد الدولة بن بويه زوج ابْنة بهستون فنفذ معز الدولة إِلَى الْمُطِيع وَسَأَلَهُ أَن ينفذ إِلَيْهِ الْعَهْد على جرجان وطبرستان وَالْخلْع فَفعل ذَلِك ولقبه ظهير الدولة وَوَصله مَا نفذ إِلَيْهِ فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتِّينَ وثلاثمائة فزين بِلَاده للرسول وَنزل عَن سَرِيره عِنْد وُصُول الْخلْع إِلَيْهِ ونثر عَلَيْهِ النثار الْعَظِيم وَنفذ للمطيع فِي جَوَاب اللقب سِتِّينَ ألف دِينَار عينا وَغير ذَلِك من الثِّيَاب وَالْخَيْل)
وَلما توفّي خلف أَخَاهُ قَابُوس بن وشمكير وَنفذ إِلَيْهِ الطائع الْخلْع والعهد على طبرستان وجرجان ولقبه شمس الْمَعَالِي
وَكَانَ قَابُوس فَاضلا أديباً مترسلاً شَاعِرًا ظريفاً لَهُ رسائل بأيدي النَّاس يتداولونها
وَكَانَ
بَينه وَبَين الصاحب بن عباد مكاتبات وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ فِيهِ عسف وَشدَّة فسئمه عسكره وتغيروا عَلَيْهِ وحسنوا لِابْنِهِ منوجهر حَتَّى قبض عَلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ إِن لم تقبض أَنْت عَلَيْهِ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ وَإِذا قَتَلْنَاهُ فَلَا نأمنك على نفوسنا فنحتاج إِلَى أَن نلحقك بِهِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ وَقَبضه وسجنه فِي القلعة وَمنعه من مَا يتدثر بِهِ فِي شدَّة الْبرد فَجعل يَصِيح أعطوني وَلَو جلّ دَابَّة حَتَّى هلك
وَكَانَ حكم على نَفسه فِي النُّجُوم أَن منيته على يَد وَلَده فأبعد ابْنه دَارا لما كَانَ يرَاهُ من عقوقه وَقرب ابْنه منوجهر لما رأى من طَاعَته وَكَانَت منيته على يَد منوجهر
ثمَّ إِن منوجهر قتل قتلته وَكَانُوا سِتَّة تواطؤوا عَلَيْهِ فَقتل خَمْسَة وهرب السَّادِس إِلَى خُرَاسَان فَقَبضهُ مَحْمُود بن سبكتكين وَحمله إِلَيْهِ وَقَالَ إِنَّمَا فعلت هَذَا لِئَلَّا يتجرأ أحد على قتل الْمُلُوك فَقتل الآخر
ثمَّ مَاتَ منوجهر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فَقَامَ ابْنه أنوشروان بن منوجهر مقَامه وَتُوفِّي أنوشروان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ ولي ابْنه حسان بن أنوشروان
وَمن شعر قَابُوس
خطرت ذكرك تستثير صبابتيفَأحْسن مِنْهَا فِي الْفُؤَاد دبيبا
لَا عُضْو لي إِلَّا وَفِيه صبابةٌفَكَأَن أغصاني خُلِقْنَ قلوبا
وَمِنْه
بِاللَّه لَا تنهضي يَا دولة السّفلوقصري فضل مَا أرخيت من طول
أسرفت فاقتصدي جَاوَزت فانصريعَن التهور ثمَّ امشي على مهل
مخدمون وَلم تخْدم أوائلهممخولون وَكَانُوا أرذل الخول
وَكَانَ قد تمت عَلَيْهِ نكبة أخرجته من مقرّ عزه وموطن ملكه فشتتته عَن الأوطان وألحقته بخراسان فَأَقَامَ بهَا بُرْهَة من الزَّمَان إِلَى أَن أَسْفر صبحه وفاز بعد الخيبة قدحه وتحرج الزَّمَان من جوره عَلَيْهِ فَرد ملكه إِلَيْهِ فَقَالَ فِي تِلْكَ الْحَال)
قل للَّذي بصروف الدَّهْر عيرنَاهَل عاند الدَّهْر إِلَّا من لَهُ خطر
أما ترى الْبَحْر تطفو فَوْقه جيفٌويستقر بأقصى قَعْره الدُّرَر
فَإِن تكن عبثت أَيدي الزَّمَان بِنَافطالما كَانَ من أشياعنا الظفر
فَفِي السَّمَاء نجومٌ غير ذِي عددٍوَلَيْسَ يكسف إِلَّا الشَّمْس وَالْقَمَر
وَكتب إِلَى عضد الدولة وَقد أهْدى لَهُ سَبْعَة أَقْلَام قد بعثنَا إِلَيْك سَبْعَة أَقْلَام لَهَا فِي الْبَهَاء حَظّ عَظِيم مرهفاتٍ كَأَن ألسن الْحَيَّات قد جَازَ حَدهَا التَّقْوِيم وتفاءلت أَن ستحوي الأقاليم بهَا كل واحدٍ إقليم وَقَالَ هُوَ فِي خموله
لَئِن زَالَ أملاكي وفاتت ذخائريوَأصْبح جمعي فِي ضَمَان التَّفَرُّق
فقد بقيت لي همةٌ مَا وَرَاءَهَامنالٌ لراجٍ أَو بُلُوغ لمرتقى
ولي نفسٌ حر تأنف الضيم مركباوَتكره ورد المنهل المتدفق
فَإِن تلفت نَفسِي فَللَّه درهاوَإِن بلغت مَا أرتجيه فأخلق
وَمن لم يردني والمسالك جمةٌفَأَي طريقٍ شَاءَ فليتطرق
وَلما طَالَتْ مُدَّة قَابُوس وَلم ير عِنْد السامانية ناصراً قصد أَطْرَاف بِلَاده فتجمعت إِلَيْهِ الجيوش وَعَاد إِلَى بِلَاده وَقَاتل المستولي عَلَيْهَا حَتَّى عَاد إِلَى سَرِير ملكه بعد ثَمَان عشرَة سنة
وَقَالَ الصاحب بن عباد يهجوه
قد قبس القابسات قَابُوسونجمه فِي السَّمَاء منحوس
وَكَيف يُرْجَى الْفَلاح من رجلٍيكون فِي آخر اسْمه بوس
فَأَجَابَهُ قَابُوس عَن ذَلِك
من رام أَن يهجو أَبَا قاسمٍفقد هجا كل بني آدم
لِأَنَّهُ صور من مضغةٍتجمعت من نطف الْعَالم
وَكَانَ مَوته فِي قلعة جناشك وَحمل تابوته إِلَى جرجان وَدفن فِي مشْهد كَانَ قد بناه لنَفسِهِ وَأنْفق عَلَيْهِ الْأَمْوَال الْعَظِيمَة وَبَالغ فِي تحسينه وتحصينه
وَكَانَ خطّ قَابُوس غَايَة فِي الْحسن وَكَانَ إِذا رَآهُ قَالَ هَذَا خطّ قَابُوس أَو جنَاح طَاوُوس)
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع