من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
مقدمة المؤلف
﷽
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. الحمد لله الذي حكم على أهل الوجود بالعدم، وقدره عليهم بالقدم، وقضى به على الخلق فما أفاد معه محاذاة حذر ولا مناداة ندم، وأورد الموت على فناء أعمارهم فانهد وبناء أبشارهم فانهدم. نحمده على نعمه التي فسحت مدة الأجل، ومنحت تراخي المهلة ولم تؤثر العجل، ونزحت القلوب إلا من الأمن، ودفعت ما عظم وجل من الوجل.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي الذخر يوم الفاقة، والحق أن لا ترد يوم المحاقة، والفارط الذي قدمناه ونحن نرجو لحاقه.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي حذر معاطب الغرور، وبصر عواقب السرور التي تليها الشرور، وأظهر كواكب الحق فهي في فلك البدور تدور، فهو الذي.
لم أجر غاية فكري منه في وصفةإلا وجدت مداها غاية الأبد
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
الذين كانوا شجى في لهوات من كفر، وكان الباطل بهم دجى حتى جلوا الحق فلاح صباح الفالح بهم وسفر، وراضوا الزمان فاستقاد لهم من بعد ما تقاعس ونفر، ورآهم الزمان جمال هذه الأرض في الحياة، وبعد الممات جمال الكتب والسير، فهم الذين سجع الحمام بمدحهم وصدح، وشرح الخاطر وصفهم لما جال في سرد مناقبهم وسرح، وإياهم أراد ابن الرومي لا من خاطبه ومد المدى لما مدح، إذ يقول:
آراؤكم ووجوهكم وحلومكمفي الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابحتجلو الدجى والأخريات رجوم
صلاة لا يمل الزمان دوامها، ولا يرى الدهر انصرافها وانصرامها، ما نبت في رياض الدياجي نرجس نجوم، وراحت أطيار الدراري على نهر المجرة وهي تحوم، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد: فإن الوقوف على أخبار من تقدم، وخرب ربع عمره بالموت وتهدم، ووصف في حياته أو غادر للشعراء في رثائه لما تردى ما تردم مما تتشوق النفوس إلى الوقوف عليه، وتتشوف بجملتها إليه، فإنه: في الذاهبين الأولين لنا بصائر. وفي آثار من درج وأخباره أدلة للتأسي وأمائر، وفي التفكر في مصارعهم
ما يصلح الظواهر والضمائر، وقد حض القرآن على مثل هذ وحث، ورم بوعظه ما رق من القسوة ورث. والتاريخ فن لا يمله طرف مطالع، ولا يسأمه سمع مصغ ولا مراجع، ولا يخلو من يقف على التواريخ من فائدة، ولا يطوي صحفها إلا وقد حصل منها على صلة وعائدة، ولا تمر به كائنة إلا تنبه لها وأجراها على ما في ذهنه من القاعدة، وما كان التراجم في التواريخ إلا كتاب ورد من غايب، أو خبر جاء به نجاب إما بالمحاسن أو بالمعايب:
فلا تبخلوا مع بعدكم بوجوهكمعلينا ألا إن الوجوه هي الكتب
فكم قد سمعنا بموجود ولم نتبين حاله، ولا عرفنا حقه ولا محاله، ولا علمنا ما تصف به من ذم أو مدح، ولا ما لاتحف به من موجب شكر أو قدح، وربما كان للإنسان قريب وقد درج، أو لزم وقد دخل هذه الدار وخرج، ولا علم له بما عامله به زمانه، ولا ما أحدث له حدثانه:
وقد فارق الناس الأحبة قبلناوأعيا دواء الموت كل طبيب
فإذا راجع التواريخ كان كمن شاهد من مضى، وعاين ما جرى به عليه القدر وقضى، وأنا أرى التأريخ والترجمة معاداً ثانياً في المعنى لا في الوجود، ونشراً أول قبل نشر الرفات إلا أنها لم يفض عنها ختم اللحود.
وكنت قد أنفقت مدة من العمر ما وجدت لها عوضاً، ولا حسبتها إلا لمعة برق
أومض لي ومضى، في جمع تاريخي الكبير الذي سميته الوافي بالوفيات، وسقت فيه ذكر جمل من الأعيان من زمن النبي ﷺ وإلى زماني، ونصبت فيه نفسي دريئة لمن طعن في أو رماني، إلا أنه جاء مطولاً، وأصبح وجه مضمونه عن الاقتصار والاختصار مخولاً، فأردت بعد فراغي منه أن أقتصد وأقتصر، وأختار مما أمتار وأختص وأختصر، وأجمع تاريخاً لمن أدركه عصري وجنى ثمر غصنه هصري، وضمتني وإياه دائرة وجودي أو نقطة مصري، وكان في زماني ولم أره، أو نقل الرواة الأثبات خبره:
أليس الليل يجمع أم عمرووإيانا فذاك لنا تداني
وتنظر للهلال كما أراهويعلوها النهار كما علاني
وما أحسن قول الآخر:
قال لي قائل لأية حالترقب البدر ثم تهوى سواه
قلت إما لشبه من حجبوهأو لأني أراه وهو يراه
وابتدأت ذلك من سنة ست وتسعين وست مئة، وهي سنة مولدي، ونهلة موردي، وجذوة موقدي، وبدأة موعدي.
ورتبت أسماء من فيه على حروف المعجم، وأدمت غيث فوائده الذي انسجم وجعجعت بفارس الإطناب فيه، فكر وما فكر، وحج وما أحجم. وهو شيء جمعته لنفسي لا لأحد من أبناء جنسي، وجعلته لي رأس مال، وبضاعة ضمت الحلل المرقومة
والبرود الأسمال، فمن رآه كثيراً وما حل من قبله محلاً أثيراً، أو قابل صفحات وجهه بالإعراض، أو أرسل سهام نظره فما أصابت منه الأغراض؛ فذاك أمر به علي قضى الباري، وشيء جرى به القلم وما هو إلا كالجبانة أزور فيها قبور أصحابي، وأتردد منها إلى أجداث أترابي وحبابي، وألتف في أكفان شيبي الذي نزل بي وأقسم أنه ما يرحل إلا بي، فقد ذكرت فيه جماعة رأيتهم وما راءيتهم، ودانيتهم حق الصحبة وما داينتهم، ورثت حبال صبري التي ورثتها لما رثيتهم، ممن انتفعت بعلومهم، ورفعت بين نجومهم، وشركت بعضهم في ماله، وتركت النظر إلى البدر لأنه ما فاز بمثل جماله، ولا حاز مثل كماله:
ومعاذ الغله أن أتعزىعنه طول الزمان أو أتسلى
فكم فيمن ذكرته من جرعني ما غصص، وجرعني رداء الصبر وقلص، وتقدم أمامي وهو يقودني إلى حفرتي بزمامي، وغادرني بعده وحيداً، وأخذ حظي معه وراح. وأهل هذا العصر يريدون شيئاً جديداً، ولله أبو عبادة البحتري حيث يقول في رثاء المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان:
أأطلب أنصاراً على الدهر بعدماثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي
مضوا أمماً قبلي وخلفت بعدهمأخاطب بالتأمير والي منبج
والله أسأل أن يجمعنا في دار كرامته، ويمد علينا ظل لطفه ورحمته، ويجرينا على ما ألفناه وألفناه من نعمته:
وإن استطع في الحشر جئتك زائداًوهيهات لي يوم القيامة أشغال
اعترضت بهذه الجملة، وزدت هم القلب هذه الحملة، فإنها من المصدور نفثة، واستراحة في نصف الطريق ممن أعيا ولبثة.
وأعود إلى ما كنت فيه، وأفي له بحقه وأوفيه، فأقول: وقد كنت رأيت فيما وقفت عليه من أخبار الوزير أبي الوليد أحمد بن زيدون المغربي أنه لما كان بقرطبة وزيراً توفيت ابنته، ولما فرغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم، فقيل: إنه ما أعاد في ذلك الموقف عبارة قالها لأحد.
قلت: وهذا من التوسع في العبارة والقدرة على التفنن في أساليب الكلام، وهو أمر صعب إلى الغاية، وأراه أنه أشق مما يحكى عن واصل بن عطاء وأنه ما سمع منه كلمة فيها حرف راء، لأنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة، والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهويله؛ أن واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة في معناها وليس فيها راء، وهو كثير في كلام العرب، فإذا أراد العدول عن لفظ: فرس قال: جواد أو سابح أو صافن، أو العدول عن لفظ: رمح قال: قناة أو صعدة أو يزني أو غير ذلك، أو العدول عن لفظ: صارم، قال: حسام أو لهذم أو غير ذلك، وأما ابن زيدون فأقول في حقه: إنه أقل ما كان في تلك الجنازة، وهو وزير، ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يتشكر له، ويضطر إلى ذلك فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها التشكر، وهذا كثير إلى الغاية، لا سيما من محزون فقد قطعة من كبده:
ولكنه صوب العقول إذا انبرتسحائب منه أعقبت بسحائب
وقد استعمل الحريري ﵀ هذا في مقاماته، فهو في كل مرة يجتمع فيها الحارث بن همام بأبي زيد ويحتاج إلى أن يقول: فلما أصبح الصبح، تراه يعبر بعبارة عن هذا المعنى بغير عبارته الأولى، فتارة قال: فلما لاح ابن ذكاء، وألحف الجو الضياء، وتارة قال: إلى أن أطل التنوير، وحسر الصبح المنير، وتارة قال: حتى إذا لألأ الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان، وتارة قال: إلى أن عطس أنف الصباح، ولاح داعي الفلاح، وتارة قال: فلما بلغ الليل غايته، ورفع الصبح رايته، وهذا كثير في مقاماته، وهو من القدرة على الكلام، وأرى الخطيب ابن نباتة رحمه الله تعالى ممن لا يلحق في هذا الباب، فإنه أملى مجلدةً معناها من أولها إلى آخرها: يا أيها الناس اتقوا الله واحذروه، فإنكم إليه راجعون، وهذا أمر بارع معجز، والناس يذهلون عنه هذه النكتة فيه، وقد خطر لي أنا مثل ذلك عند ذكر وفاة كل من الأعيان الذين أذكرهم في هذا التأريخ، فإن اتفق لي مثل هذا فهو بحول الله وقوته، وإنقاذ الجبان من دحض هوته، وإلا فعذر المزلة في هذا المقام واضح، والإقالة من عثرته أمر راجح، وأعوذ بالله من إعجاب المرء بنفسه، وجره رداء الخيلاء وهو حقير في نوعه وجنسه.
وقد سميت الكتاب عندما أردت وضعه، وقصدت تأليفه وجمعه أعيان العصر وأعوان النصر، وبالله الاستغاثة والاستعانة، وطلب الإنابة إليه في الإعانة على الإبانة والعياذة مما نحن به في هذا الزمان من الزمانة، إنه ولي الخيرات في الدنيا والآخرة سبحانه، عليه توكلت وإليه أنيب.
﷽
الجزء الأول
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع