من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن محمد (٢)
شهاب الدين المعروف بالحاجبي - بحاء مهملة، وبعد الألف جيمٌ وباءٌ موحّدة -.
شابٌّ جنديّ، ذهنه أمضى من الهندي، يتخيّل المعنى الغامض، ويورد اللفظ
الحُلو لا الحامض، مقاطيعه رائقة، ومعانيه بالقلوب لائقة. اجتمعت به في شوق الكتب بالقاهرة في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أقول شبه لما جيْد الرشا ترفاًيا معمِلَ الفكر في نظْمٍ وإنشاءِ
فظلّ يُجهد أياماً قريحتهوشبّه الماء بعد الجهد بالماءِ
فقلت له: أطلقت الرشا ههنا، ولو قلت الرشا الذي سباني، أو جيد معذّبي لكان أقعد في التوطئة، ثم أنشدته فيما بعد لنفسي:
أقول شبّه لنا كأساً إذا مزج الساقي طلاها اهتدى في ليله الساري
فظل يُجهد أياماً قريحتهوشبّه النار بعد الجهد بالنارِ
فقال: إلا أنني أنا أتيت بالمثل السائر، فأنشدته فيما بعد لنفسي:
أتى الحبيب بوجهٍ جلَّ خالقهلما براه بلطف فتنة الرائي
فلاح شخصً عذولي وَسْط وَجْنتهفقلت شبّهه لي في فرط لألاء
فراح يُجهد أياماً قريحتهوشبّه الماء بهد الجهد بالماء
قلت: وأصل هذا المثل أن الوجيه ابن الذروي دخل يوماً إلى الحمّام ومعه ابن وزير الشاعر، فقال ابن وزير:
لله يومي بحمّامٍ نعمتُ بهاوالماء ما بيننا من حولها جارِ
كأنه فوق شفّاف الرخام ضحىًماءٌ يسيل على أثواب قصّارٍ
فقال ابن الذَّروي:
وشاعرٍ أوقدَ الطبع الذكيُّ لهفكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يُعمل أياماً قريحتهوشبه الماء بعد الجهد بالماء
وكان هذا شهاب الدين الحاجبي كثيراً ما يتّبع كلامي، ويقصد إصابة مراميْ ولما سمع قولي قديماً:
قالتْ لأيْري وهو فيها ضائعكالحبل وسط البير إذ تلقيته
قد عشت في كسّ كبير قلت ماكذَبتْ لأنّ الكاف للتشبيه
قال هو واختصر وأجاد:
ربّ صغيرٍ حين ولّفتُهأيقنتُ لا يدخل إلا اليسيرْ
ألفيته كالبير في وُسعهحتى عجبنا من صغيرٍ كبير
وكذا لمّا سمع قولي:
يا طيب نشر هبّ لي من نحوكمفأثار كامنَ لَوعتي وتهتُّكي
أدّى تحيتكم وأشبه لطفكموروى شذاكم إنّ ذا نشر ذكي
نظمه أيضاً فقال:
لا تبعثوا غير الصَّبا بتحيّةما طاب في سمعي حديثُ سواها
حفظتْ أحاديث الهوى وتضوّعتْنشْراَ فيالله ما أذكاها
ولما أنشدنيهما قلت له: إلا أنك نقصتها صفة عما وصفتها به، فاعترف.
ولم يزل الحاجبي على حاله إلى أن ذهبتْ عينُهُ وأثرُهُ، وأقام في لحده إلى أن يشقّه الله يوم القيامة ويبعثره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وأنشدني الشيخ ناصر الدين محمد بن يعقوب المكتِّب المصري من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين الحاجبي، رحمه الله تعالى:
قيل لي إذ لثمت وَرْداً على الخد جنيّاً من دونه الجلّنارُ
هل لورد الخدود يا صاح شوكٌمثل وِرد الرياض قلت العذار
وبه قال: أنشدني:
عودوا لصبٍّ بكى عليكميا جيرةً ودّعوا وساروا
فدمْعُ عينيه عاد بَخْراًوقلبه ما له قَرارُ
وبه قال: أنشدني:
ودّعتهم ودموعيعلى الخدود غِرارُ
فاستكثروا دمعَ عينيلما استقلّوا وساروا
وبه قال: أنشدني:
إلى الله أشكو من عليَّ فإننيشرحتُ له شَوقي وفَرْطَ تألّمي
وأحوجني للغير بيني وبينهويحتاج مَنْ يَهوى عليّاً لسُلَّمِ
وبه قال: أنشدني:
قلتُ هل لي من دواءٍقد غدا جِسمي عليلاً
قال تسْلو عن عليَّقلتُ أمّا عنْ عليْ لا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع