من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن محمد بن أبي بكر
ابن عماد الدين أبي الحرم مكّي بن مسلّم بن أبي الخوف المعروف بعكوك شهاب الدين.
كانت له مطالعات، وعنده منها ابتداءات ومراجعات، ويحفظ للمتأخرين شيئاً عظيماً، ويُورِد لهم من جواهرهم عِقداً نظيماً، وكان لا اشتغال له ولا عِلم عنده من غير المطالعة وتصفُّح الدواوين الناصعة، وهو جيّد النقد في القريض، عارفٌ بما هو صحيح منه أو مريض. وجمع من شعر المتأخرين مجاميع، وقصَرها دوت القصائد على المقاطيع.
وكان له وَقفٌ يُحصّل منه في الصيف ما يكون له مؤونة في الشتاء، وكان في غالب السنين يصيّف في الشام ويُشتّي في مصر، إلا أنه كان متمزّقاً إلى الغاية، متخرّقاً في نهاية، يكابد شدائد الفقر، ويصبر من القلة على ما لها في حاله من العَقر، قد زَوَته الحشيشة في حُشّ، وروَتْه من الطيش في طشٍّ.
ولم يزل على حاله إلى أن جاء الطاعون فغسله في جملة ذلك الماعون، وذلك في سنة تسع وأربعين وسبع مئة بدمشق في مستهل شهر رجب، وكان له من العمر تقريباً أربعون سنة.
أنشدني من لفظه لنفسه:
ناظرُ الجامع الكبير ظَلومٌ إذا قَدَرْ
ابْلُهُ ربِّ بالعمىوأرِحْه من النظرْ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قلتُ له إذْ بَدا وطلعتُهقد أشرقَت فوق قامةٍ تامّهْ
هبْ لي مناماً فقال كيف وقدرأيت شمس الضحى على قامهْ
قلت: هو مأخوذ من قول شمس الدين التلمساني:
بدا وجهه من فوق أسمر قَدّهوقد لاح من سود الذوائبِ في جُنحِ
فقلتُ عجيبٌ كيف لا يذهب الدُّجاوقد طلعت شمسُ النهار على رُمْحِ
وأنشدني من لفظه في العايق الطبّاخ:
قد غلب العايق في قولهلمّا أتى الطاعون بالحادثِ
قمحيَّتي تقتل من يومهاوأنت في يومين والثالث
وكتب إليّ ونحن بالقاهرة:
أيا فاضلاً ساد الورى بفضائلتناهت فما أضحى لهنّ بديلُ
تقمّصتَ ثوبَ العلم والحلم والندىفأنت صلاحٌ للورى وخليلُ
ولستَ خليلاً بل خليجاً لواردٍغلِظتُ فسامحني فنيْلُك نيلُ
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
أيا ابن أبي الخوف الذي أمنتْ بهطرائق نَظْمٍ واستبان دليلُ
لقد فُتَّ غايات الأولى سبقوا إلىنهايات فضلٍ ما إليه سبيلُ
فأنت على هذا الزمان كُثيِّرٌورأيُك في النظم البديع جميلُ
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع