تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أحمد بن نصر الله بن باتكين

محيي الدين القاهري.

سمع حرز الأماني على سديد الدين عيسى بن أبي الرحم إمام جامع الحاكم.

كان شاعراً قادراً، ناظماً في فن الأدب ماهراً، كتب إلى أدباء عصره، وراجعه شعراء دهره، وكانت تدور بينهم كؤوس الأدب، لا كؤوس الجَنَب.

وأنشدني من لفظه العلاّمة أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:

أقسمتُ بالله وآياتهيمينَ برٍّ صادق لا يمينْ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
لو زِدْتَ قلبي فوق ذا من أذىًما كنت عندي غير عيني اليمين
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

يا حفنَ مقلته سكرتَ فعربدكيف اشتهيتَ على فؤادي الكمد
ورميتَ عن قوس الفتور فأصبحتغَرَضاً لأسهمكَ القلوب فسدّدِ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
لم تغضضِ الجفْن الكحيل تغاضياًإلاّ لتقتلنا بسهم مغمَدِ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
من لم يَبتْ بعذاب حُبّك قلبهمتنعّماً لا فاز منك بموعدِ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنهمتنعّمٌ في جَمره المتوقّد
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة

قلت: هذا يشبه قول عفيف الدين التلمساني:

قلبي المنعّم في هواك بنارهإنْ كان غيري في الهوى متألّم
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنهفي جمره متوقّداً متنعِّم

وكتب أبو الحسين الجزار إليه مُلغزاً:

وما شيءٌ له نقشٌ ونفسٌويؤكل عَظْمه ويحكّ جلده
يؤدّبه الفتى إدراك سُؤْلٍوقد يلقى به ما لا يؤدّه
ويأخذ منه أكثره بحقٍّولكن عند آخره يردّه

فكتب الجواب إليه محيي الدين المذكور:

أمولاي الأديب دعاء عبدودود لا يحول الدهرَ ودّه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
يرى محض الثناء عليك فَرضاًولا يثني عِنان الشكر بُعده
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
لقد أهديتَ لي لغزاً بديعاًيضلّ عن اللبيب لديه رُشده
وقد أحكمتَه دُرّاً نَضيداًيُشنِّف مسمعي بالدُّرّ عقده
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
فشطرُ اللغز أخماسٌ ثلاثللغزكَ إنْ تُردْ يوماً أحدُّه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
وباقيه مع التصحيف كسْبٌإذا ما زدته حرفاً تعُدّه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
هما ضدان يقتتلان وهْناًويضطجعان في فرْش تمدُّه
هما جيشان من زنجٍ ورومٍيُقابل كل قرنٍ منه ضدُّه
تقوم الحرب فيه كل حينٍولا تَدْمى من الوقعات جُندُه
ويشتدّ القتال به طويلاًويحكم بالأصاغر فيه عقدُه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
ويقتل ملكه في كل حينٍويبعثه النشاط فيستردُّه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
وما يُنجي الهمامَ به حُساموقد ينجي من الإتلاف بنده
ونصر الله في الهَيجا سجالٌفمن شاء الإله به يمدُّه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
وهذا كلُّه حَسْبَ اجتهاديوغاية فكرة الإنسان جُهْدُه
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة

ونقلت من خطِّ الحافظ اليغموري قال: أنشدني محيي الدين أبو العبّاس الكاتب المصري لنفسه:

يا ناظراً في البيوت أعمىعن كل خيرٍ وكل برِّ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
أسود كالفحم فهو مأوىكل شرار وكل شرِّ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة
ونفخ هذا الوزير فيهأحرقَ كل الورى بجمرِ
للشاعر ابن باتكين، اقرأ القصيدة

ولم يزل محيي الدين المذكور على حاله إلى أن فرّق الموت بينه وبين ذويه، وتصرّف الوارث فيما كان يحتويه.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة.

وكان المذكور قد تناثرت أطرافه وحاق به تبذيره وإسرافه، فأصبح

لأعدائه رحمة، وأنار الحزنُ عليه كل قلب قد قسا وصار كالفحمة. وهذا محيي الدين هو الذي نظم ذينك البيتين في ابن بنت الأعز، يكتب في الكتب اسمه وحده، وقد ذكرتهما في ترجمة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت العز.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.