من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن منصور بن أسطوْراس
بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، وضمّ الطاء المهملة، وسكون الواو، وراء بعدما ألف وسين مهملة، شهاب الدين المعروف بابن الجبّاس.
اجتمعت به في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل بالديار المصرية سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وكان به صمم، وأنشدني من لفظه لنفسه:
إنْ قلّ سمعي إنّ ليفهْماً توفّر منه قِسمُ
يدني إليّ مقاصديويروقك الرَّمح الأصمّ
ولربّ ذي سمع بعيد الفهم عييّ النطق فَدْمُ
زادوا على عيب التصامُم أنهم صُمٌّ وبُكمُ
قلت: في البيت الثالث نظر.
وكان مقيماً بدمياط، وهو خفيف الحركة، جمُّ النشاط لأنه كان خطيب الورّادة، يجيء إليها كل جمعة، ويخطب بها على العادة، ثم يعود إلى دمياط.
ولم يزل على حاله إلى أن صار ابن الجبّاس في الجبّان، وانتقل إلى رحمة الملك الديّان.
وتوفي رحمه الله تعالى....
وسألته عن مولده فقال: في سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وأجاز لي بخطه ما يجوز لي تسميعه، وأنشدني من لفظه لنفسه يصف المور:
كأنما الموز في عراجنهوقد بدا يانعاً على شجرهْ
فروع شعرٍ برأس غانيةٍعُقصن من بعد ضمّ منتشره
وفي اعتدال الخريف أحسن ماتراه في وَردِه وفي صدره
كأنّ مَنْ ضمّه وعقّصهأرسل شُرّابةً على أثره
كأن أشجاره وقد نُشرتْظلال أوراقه على ثمره
حاملةٌ طفلها على يدهاتظلّه بالخِمار من شَعره
كأنما ساقُه الصقيل وقدبدت عليه نقوش معتبره
ساقُ عروسٍ أُميط ميزرُهافبان وشيُ الخضاب في حبره
يصاغ من جدولٍ خِلاخلهافتنجلي والنشار من زهره
حدائقٌ خفقت سناجقُهاكأنها الجيش أمّ في زُمره
زُهي فَراق العيون منظرهفما تملُّ العيونُ من نظره
وكل آياته فباهرةٌتَبين في وِرده وفي صدره
كأنما عمره الحقير حكىزمان وصل الحبيب في قصره
كأن عرجونه المشيب أتىيخبر أنْ خانه انقضى عمره
كأنه البدر في الكمال وقدأصيب بالخُسف في سنا قمره
كأنه بعد قطعه وقد اصفرّ لما نال من أذى حِجره
متيّمٌ قد أذابه كَمدٌيبيت من وَجْده على خَطَره
معلّقٌ بالرجاء ظاهرهيخبر عمّا أجنّ من خَبره
يطيب ريحاً ويُستلذّ جنىًعلى أذىً زاد فوق مُصطَبره
كأنه الحُرّ حالَ محنتهيزيد صبراً على أذى ضرره
قلت: قد تكرر معه لفظ في وِرده وفي صدره في موضعين وهو عيب جائز، وفي بقية الأبيات لا يجوز من حيث العربية، ولكن لهذه الأبيات ديباجة لحلاوة هذه القافية.
وأنشدني من لفظه لنفسه في رمّانة:
كتمتْ هوىً قد لجَّ في أشجانهاوحشَتْ حشاها من لظى نيرانها
فتشقّقتْ من حبّها عن حبهاوجداً وقد أبدى خَفا كِتمانها
رُمّانةٌ ترمي لها أيدي النوىمن بعدما رُمّا على أغصانها
فاعجبْ وقد بكت الدموع عَقائقاًلا مِنْ محاجرها ولا أجفانها
ومن نظمه أيضاً، والتزم الهاء الأولى.
أفنيتُ ماء الوجه من طول ماأسأل مَن لا ماء في وجهه
أُنهي إليه شرحَ حالي الذييا ليتني متُّ ولم أُنهه
فلم يُنلني كرماً رَفْدُهولم أكد أسلم من جبهه
الموت من دهرٍ جهابيذهممتدّة الأيدي إلى بُلْهه
ومن نظمه أيضاً وقد اشتهر:
وقائلةٍ ما بالُ دمعك أسوداًوقد كان محمرّاً وأنتَ نحيلُ
فقلت دمي والدمع أفناهما البكاوهذا سوادُ المقلتين يَسيل
وأنشدني من لفظه قطعةً خمَّس بها قصيدة شيخنا العلاّمة أبي الثناء في مدح سيّدنا رسول الله ﷺ، التي أولها:
هذا اللقاء وما شِفيتُ غليلاًكيف احتيالي إن عزَمتُ رحيلا
وكتب بخطّه على كتابي جنان الجناس:
أتطنّ قلباً منك يوماً قد خلاوهواك ما بين الضلوع تخلّلا
وكتابك البحر المحيط بفضل ماعَقَد الجمان معقداً ومفصّلا
بهر العقول جِناسه فجنانهتُدني جَناه يانعاً ومذلَّلا
روض تفتّق زهره وتكهّلاأفقٌ تألّق بدره فتكمّلا
يهدي المعاني من مغانيها التيغَنيت فأغنت كلّ فهْم أمحلا
إن قال غرٌّ مثله فيما مضىفلقد تأوّل باطلاً وتقوّلا
فليهني العلياء ما تجري بهأقلامك الغرُّ الميامنة العُلا
وليهنئ القرطاس ما قلدتهيا ابن الكرام من المآثر والحُلا
كتبتْ عليه من الأفاضل سادةٌمدْحاً يروق مدبَّجاً ومسلسلا
ورأيتُ أني عن مداهم قاصرٌفقعدتُ ثم أتيتهم متطفّلا
أين الثريّا والثرى أين السهىممن سها أن التداني والقلا
دُم في سعودك يا خليل فلا خلامنك المكان ولا سلا عنكَ الملا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع