من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن يوسف بن يعقوب
القاضي الكاتب الفاضل الناظم الناثر شمس الدين الطِيبيّ - بكسر الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة -.
كان فاضلاً أديباً، عالماً لبيباً، سامعاً على البديهة مجيباً، ينظم الدُرَر، ويطلع في طِرسه الزُّهر، وإن تنازلنا قلنا الزَّهَر، قادر على النظم، نتزل سكين فيه إلى العظم، ويأتي منه بما يشرف الأسماع ويشنفها، ويحكم على المعاني فيتنزل على مُراده ويصرّفها، يترسّل فلا يعثر له جواد قلم في ميدان إنشائه، ويستقي المعاني الغويصة من قَليب الفكر على قِصَر رشائه، رأيت بخطّه الحاجبية، وقد علق في آذان حواشيها أقراطاً، وأتى فيها بفوائد تدلّ على أنه من أئمة هذا الفن فيما تعاطى.
أخبرني القاضي شهاب الدين فضل الله قال: أخبرني جمال الدين بن رزق الله قال: كان عندنا ليلة في مجلس أُنس، وقد أخذت السُّلاف منه مأخذها إلى أن صار في غيبةٍ عن وجوده، وذكرنا له واقعة المسلمين على شَقْحب، ونصرتهم على التتار، وقلنا له: لو نظمت في هذا شيئاً، فأخذ الدواة، ونظم قصيدة تتجاوز التسعين بيتاً فائية، ومدح فيها السلطان. قال: فأعجبتنا وقمنا آخر الليل ورحنا إلى الحمّام، فلما أفاق وصحا وأجرَيْنا له ذكر القصيدة، فأنكر وقوعها، وحلف أن هذا أمر لم يبدُ منه، فقلنا له: هذه قصيدة فائية أوّلها:
برق الصوارم للأبصار يختطف
فقال: أروني إيّاها. فأوقفناه عليها، فأعجبته، وزاد إعجابنا بها. قال ابن رزق الله: وقمت وأخذتها وأتيت بها إلى والدك القاضي محيي الدين، فلما وقف عليها أعجبته، وأوقف عليها أخاه عمّك القاضي شرف الدين بن فضل الله فأعجبته، وكانت سبباً لأن استخدمه كاتب إنشاء بطرابلس، انتهى.
قلتُ: وهذه قصيدة بديعة في بابها، وسوف أوردها إن شار الله تعالى في ترجمة السلطان الملك الأعظم الناصر محمد بن قلاوون.
ولم يزل الطيبي في طرابلس على حاله إلى أن صار الطيبي في قبره جيفة، ولم يجد الحمام من حدّ لسانه خيفة.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس في شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولده في عشري الحجة سنة تسع وأربعين وست مئة.
ومن شعره:
لست أنسى الأحباب ما دمتُ حيّاًإذا نَوَرا للنوى مكاناً قصيّاً
وتلَوا آيةَ الدموع فخرّواخِيفة البينِ سُجّداً وبُكيّا
فبذكراهم تسحّ دموعيكلما اشتقت بُكرةً وعشيّا
وأناجي الإله من فرط حزنيكمناجاة عَبْدِه زكريّا
واختفى نورُهم فناديت ربيفي ظلام الدجى نداءً خفيّا
وَهَنَ العظم بالبِعاد فهَبْ ليربَّ بالقرب من لِدنك وليّا
واستجب في الهوى دعائي فإنيلم أكن بالدعاء رَبِّ شقيّا
قد فرى قلبي الفراقُ وحقاًكان يومُ الفراق شيئاً فرّيا
ليتني متّ قبل هذا وأنيكنتُ نِسياً يوم النوى منسيّا
لم يك الهجر باختياري ولكنكان أمراً مقدّراً مقضيّا
يا خليليَّ خلّياني وعشقيأنا أولى بنار وَجْدي صلّيا
إن لي في الفراق دمعاً مُطيعاًوفؤاداً صبّاً وصبراً عَصيّا
أنا في هجرهم وَصَلْتُ سُهاديفصِلاني أو اهجُراني مليّا
أنا في عاذلي وقلبي وحبّيحائرٌ أيّهم أشد عِتيّا
أنا شيخ الغرام مَنْ يتّبعنيأهدِهِ في الهوى صراطاً سويّا
أنا مَيْتُ الهوى ويومَ أراهمذلك اليومُ يومَ أُبعث حيّا
أنا لو لم أعش بمقْدَمِ مولىهو مولى الوجود لم أك شيّا
الفتى الباسطُ الجميلَ جمال الدين من زار من نداه النديّا
سيّد مرتضى الخلائق أضحىراضياً عندّ ربّه مرضيّا
صادق الوعد بالوفاء ضمينكالذي كان وَعْدُه مأتيّا
أوحدٌ في الصفات لم يجعل الله لهـ قطّ في السموّ سَميّا
لا يُرى في الصدور أرحبَ صدراًمنه إذ تحضر الصدور جثيّا
ما جد أولياؤه في رشادٍوعِداه فسوِف يَلقَون غَيّا
وفتى بالسّماح صبّ رشيدأوتي العلَم حين صبيّا
بلَبَان الكمال غُذّيَ طفلاًونشا يافعاً غلاماً زكيّا
لم يزل منذ كان برأ تقياًوافياً كافياً وكان تقيّا
جعل الله في ادّخار المعاليلعلاه لسانَ صدْق عليّا
كم عديم الثراء أثنى عليهوانثنى واجداً أثاثاً وريّا
وأولو الفضل حينَ أمّوا قِراهُأكلوا روقَه هنيّاً مريّا
قلت: قد اقتبس شمس الدين الطِّيبي هذه من سورة مريم، كما اقتبسَ ابن النبيه قوله:
قمت ليل الصدود إلاّ قليلاًثم رتّلتُ ذكركم ترتيلا
من سورة المزمّل.
وكما اقتبس سيف الدين بن قزل المشد قوله:
شِمتُ في الكأس لؤلؤاً منثوراًحين أضحى مزاجها كافورا
من سورة الإنسان.
والاقتباس إذا كان من آية من آيتين لا بأس به. وأما سورة بكمالها ففي هذا من إساءة الأدب ما فيه.
ومن شعر الطيبي رحمه الله تعالى:
النهر وافى شاهراً سيفَهولَمْعُه يحتبس الأعينا
فماجت البركة من خوفهوارتعدت وادّرعت جَوشنا
ومنه يصف ثوبَهُ:
لو أنّ عيني على غيري تُعانيهبكيته أحمراً أو متّ بالضحك
ومن رآني فيه قال واعجباًأرى على البَرِّ شيخَ البحر في الشبك
ومنه في العود:
اشربْ على العودِ من صهباء جاريةٍفي المُنتَشي جريان الماء في العود
ترنّم العودُ مسروراً ومن عجبٍسرورُه وهْوَ في ضربٍ وتقييد
من أينَ للعودِ هذا الصوتُ تُطربناألحانُهُ بأطاريفِ الأناشيد
أظنُّ حين نشا في الدوح علّمهُسجعُ الحمائمِ ترجيعَ الأغاريد
ومنه لما أُلبس الذمّة العمائم الملوّنة:
لا تعجبوا للنصارى واليهودِ معاًوالسامريين لمّا عُمّموا الخِرقا
كأنما باتَ بالأصباغ مُنسَهلاًنسرُ السماء فأضحى فوقهم ذَرِقا
ومنه:
وأصفرٍ أرزق العينين لحيتُهحمراءُ قد سقطت من كفّ دبّاغ
ألوانه اختلفت لا تعجبوا فعسىقد كان في اسْت أُمّه دكانُ صباغ
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع