من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
النسب والألقاب
الصفحة ٢ من ٢
المولوي السلطاني الملكي الناصري لا زالت أوامره بالسيف ماضية، ويجد حجته قاضية، أن يفوض إليه نيابة بعلبك المحروسة والبقاعين على عادة من تقدمه في ذلك وقاعدته، فليتول ما فوض غليه ولاية تحمد منها العواقب، ويشخص لها طرف الشهاب الثاقب، ويتساوى في أمنها منها أهل المراقد والمراقب، وينهض بهمته في أمور الدولة المهمه، ويشمر عن ساعد كفايته في الأوقات التي حراسته في جيدها تميمة، وسياسته لحسنها تتمة، وليقم منار الشرع الشريف، ويعضد حكمه، ويعمل في تنفيذ أمره المطاع فكرهُ وعزمه، فإنه الطريقة المثلى، والحجة التي من نكب عنها لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، حتى يكون هو الذي أقام الحق، وكان على الذي أحسن تماماً، وجلا بشمس العدل الشريف من أفق الظلم ظلاماً، وأعلى المحق على المبطل، لأنّ له مقالاً ومقاماً، وليردع المفسد بنكاله، ويقمع المعتدي بجلاده، ولا يقال بجداله، وليجتنب أخذ البريء بصاحب الذنب، ويحذر الميل على الضيعف، الذي لا جنب له، ويترك صاحب الجنب، وعمارة البلاد، فهي المقدم من هذا المهمّ، والمقصود بكل لفظ تم له المعنى أو لم يتم، فليتوخ العدل فإنه أنفع للبلاد من السحب الماطرة، والذ لأهل القرى من ولوج الكرى في الأعين الساهرة، فإنه لا غيث مع العيث، ولا حلم مع الظلم، وليصل باعَ من لا له إلى الحق وصول، وليتذكر قوله عليه السالم والسلام: " كلكم راع وكل راع مسؤول "، فإنه إذا اتصف بهذه المزايا، والتحف بهذه السجايا تحقق الملك الأمجد لو عاصره أنّ المجد للسيف، وقال تعجباً من سيرته: من أين اتفقت هذه المحاسن وكيف، وملاك هذه الوصايا تقوى الله ﷿، فليكن ركنه الشديد، وذخره العتيد وكنزه الذي ينمى على الإنفاق ولا يبيد، والله تعالى يوفق مسعاه، ويحرس سرحه ويرعاه والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، إن شاء الله تعالى.
أرغون الأمير سيف الدين الكاملي
نائب حلب، ونائب دمشق، ذو وجه طبعَ البدرُ على سكته، وقد لا شك أن قلب المحبّ يذوب من شكته، وعيونٍ سبحان من أبدعها، عروة ليس لها زر سوى السحر، وثغر يتمنى لو كان مثله ما يرضع في التاج أو يتحلى به النحر، ويفتن من يراه، ويعترف بالبوبية لمن براه، وحفظ لإيمانه، وخاف ربه فما نكث عهده ولا خانه، ورعى من ورعه سلطانه، وقمع بالمروءة شيطانه، لأن بيبغاروس لما خرج على السلطان وبغى، وطف ماءُ تمرده، طغى، راسله في الباطن بالباطل مراراً، وقتل في ذروته والغارب نهاراً جهاراً، ووعده بأنه لا يغير عليه في دمشق أمراً من النيابة، وأن يكون شريكه في المهانة والمهابة، وطالت الرسائل بينهما، ولم ير فيه مغمزاً يلين، وتحقق بيبغا أنه من الصابرين عليه والصائلين، فأعياه انقياداً لمرامه، وعلم أنّ بازيه لا يحوم حول حماه ولا يسف على حمامه، فنكص عنه خائباً، وكر نجمه عنه كاسفاً غائباً.
وكان كثير السكون، وراجح الميل إلى العدول والركو، ولا يدخله في أحكامه غيظ ولا حرج، ولا يبالي أدخل الحق على نفسه أو خرج، يعرف القضية من أول ما ينهى إليه أمرها، ويستشف الحقّ في فضلها إذا أشبّ الباطل جمرها، لا يغيب عن ذهنه واقعة جرت، ولا يسير عن ذهنه قضية انقضت أو سدت:
يُحدث عما بين عادٍ وبينهوصُدغاه في خدي غُلام مراهق
وما الحسنُ في وجه الفتى شرفاً هلإذا لم يكن في فعلهِ والخلائقِ
ولم يزل أرغون الكاملي في محاق وكمال، وزيادة وزوال إلى أن:
قصدت نحوهُ المنية حتىوهبت حسنَ وجههِ للتراب
أول ما أنشأه الملك الصالح إسماعيل، وزوجه أخته من أمه بنت الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وذلك في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وجهزه عقيب زواجه إلى الأمير بدر الدين جنكلي، وقال: انزل إلى الأمير بدر الدين، وقبل يده، فحضر إليه وكنت جالساً عنده، فلما دخل إليه أعظمه وبجله وبش له وهش، وأجلسه، وأحضر له قبا بطرز زركش وألبسه إياه ولم يكن الأمير بدر الدين ممن يهوى المرد، ولا يميل إليه، فلما خرج من عنده، قال لي: أرأيت ما أحسن وجه هذا وعيونه، فقلت له: نعم، رأيت، ونعم ما رأيت.
وكان يعرف في حياة الصالح إسماعيل بأرغون الصغير، فلما مات الصالح رحمه الله تعالى، وتولى الملك أخوه الملك الكامل شعبان أعطاه إمرة مئة وتقدمة ألف، ونهى أن يدعى أرغون الصغير، وسمي أرغون الكاملي.
ولما مات الأمير سيف الدين قطليجا الحموي في نيابة حلب، رسم الملك الناصر حسن له بنيابة حلب، فوصل إليها يوم الثلاثاء خامس عشر شهر رجب الفرد سنة خمسين وسبع مئة، وعمل النيابة بها على أحسن ما يكون من الحرمة والمهابة، وخافه التركمان والعرب، ومشت الأحوال بها، ولم يزل بها إلى أن جاءه الأمير سيف الدين كجُك الدوادار الناصري، بأن يخرج ويربط الطرقات على أحمد الساقي نائب صفد،
فبرز إلى قرنبيا، فأرجف بإمساكه، فهرب منه الأمير شرف الدين موسى الحاجب بحلب وغيره، ثم إنّ جماعة من الأمراء لحقوا بالحاجب، وأوقدوا النيران بقلعة حلب، ودقوا الكوسات، ونادوا في الناس لينهبوا طلبه، وما معه، فتوجه إلى المعرة، وكتب إلى الأمير سيف الدين طاز يرق نائب حماه، فلم يجد عنده فرجاً، فرد طلبه، ونقله إلى حلب، وتوجّه على البرّية إلى حمص في عشرة مماليك، وقاصى من التركمان شدة.
ثم إنه ركب من حمص هو ونائبها الأمير ناصر الدين محمد بن بهادر آص في ثلاثة مماليك، ودخل دمشق يوم الجمعة سابع عشري الحجة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فجهز نائب الشام الأمير سيف الدين أيتمش الحاجب إليه، وابن أخته الأمير سيف الدين قرابغا بقباء أبيض فوقاني بطرز زركش ومركوب مليح، ودخل غليه، وأقام عنده بدار السعادة إلى بكرة السبت ثاني يوم، وجهزه إلى باب السلطان على يدهما مطالعة بالشفاعة فيه، ولما وصل إلى لد تلقاه الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار، ومعه له أمان شريف مضمونه أنه ما كتبنا في حقك لأحد، ولا لنا نية في أذاك، فغن اشتهيت تستمر في نيابة حلب، وإن اشتهيت نيابة غيرها، وإن أردت أن تحضر إلينا كيفما أردت عملنا معك، فعاد معه طشبغا الدوادار إلى مصر، وأقبل السلطان عليه، وأنعم عليه، وأعاده إلى حلب.
فوصل إلى دمشق ومعه طشبغا الدوادار، واصبح يوم الاثنين جلس في دارس العدل إلى جانب قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وظهر نائب حلب إلى قاضي القضاة الحنفي وغيره، وقام من الخدمة، وتوجّه إلى الجامع الأموي، وصلى فيه ركعتين، ودخل إلى خانقاه السميساطي. ولما كان عصر الخدمة خلع نائب دمشق عليه قباء بطرز زركش، وفرساً حسناً بسرجه ولجامه، وكنفوشة الذهب.
وتوجّه بكرة الثلاثاء إلى حلب وصحبته ابن ازدمر مقيداً لأنه كان طُلب من حلب لما شكاه للسلطان، فرد معه من الطريق، ولما وصل إلى حلب تلقاه الناس بالشموع إلى قنسرين وأكثر، ودخلها دخولاً عظيماً، ووقف في سوق الخيل، وعرى زكري البريدي، وأراد توسيطه، ونادى عليه هذا جزاء من يدخل بني الملوك بما لا يعنيه، فنزل طشبغا وشفع فيه، فأطلقه، وأحضر ابن أزدمر النوري، وقال: قد رسم لي السلطان أن أسمرك وأقطع لسانك، ولكن ما أواخذك، وأطلعه إلى قلعة حلب، وأقام على ذلك إلى أن عزل الأمير سيف الدين أيتمش من نيابة دمشق في أول دولة الملك الصالح صالح، فرسم للأمير سيف الدين أرغون بنيابة الشام، فدخل الشام بطلبه في نهار الاثنين حادي عشر شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وكان قد قدم من مصر لإحضاره الأميرُ سيف الدين ملكتمر المحمدي، فأقام في نيابة دمشق، وهو منكد الخاطر، ولم يصفُ له بها عيش، وجهز دواداره الأمير سيف الدين ططق يستعفي من النيابة، وأن يكون في باب السلطان من جملة الأمراء، فما أجيب إلى ذلك.
ولم يزل بدمشق مقيماً إلى أن خرج بيبغاروس وأحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس على السلطان الملك الصالح، واجتمعوا وجروا العساكر وجاؤوا إلى دمشق، فلما بلغه حركة المذكورين حلف عسكر دمشق للسلطان الملك الصالح ولنفسه في العشر الأولى من شهر رجب، وهو مقيم في القصر الأبلق، وكتم أمر نفسه وما يفعله، وأظهر أنه يتوجه بعسكر دمشق، ويقيم بهم على خان لاجين، فوصل إليه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار ومعه ملطفات إلى أمراء دمشق وحلب وطرابلس وحماه بعزل نوابها، وأنهم إن حضروا إلى دمشق مخفين يجهزهم نائب الشام إلى باب السلطان، وإلا فليمسكوا ويقيدوا، وكان وصول الدوادار في سادس عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وفي حادي عشر شهر رجب نادى في العسكر بالخروج إلى خان لاجين، وأنهم في بكرة النهار يجتمعون في سوق الخيل، وليتوجهوا أمامه، وكان هذا رأياً صالحاً حميداً، ولم يعلم أحد بما في ضميره، فلما اجتمع الناس خرج لهم الأمير علاء الدين علي بن بيبرس الحاجب، وقال: بسم الله، توجهوا إلى مصر، فسُقط في أيدي الناس، وتوجهوا أمامه إلى جهة الكسوة، هو ساقه لهم، ولم يزل بهم سائراً ليلاً ونهاراً إلى أن وصل بهم إلى لُد، فخيم بها وأقام.
وقتل أنا وقد خرجت معه بغتة:
خرجنا على أنا نلاقي عسكراأتى بيبغا فيها على خان لاجين
فلم ندر من تعتيرنا وقطوعنافأنفسنا إلا بأرض فلسطين
وقلت أيضاً أتشوق إلى ولدي:
أيا ولدي وافاني البينُ بغتةًوبدد شملاً قد تنظم كالعقدِ
فسرتُ وما أعددتُ عنك تجلداًلقلبي ولا حدثتُ نفسي بالبعدِ
وفي رابع عشري شهر رجب نزل بيبغا بمن معه على خان لاجين، ودخل دمشق مُطلباً، ونزل على قبة يلبغا بمن معه بأحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، وألطنبغا برناق نائب صفد، وقراجا بن دلغادر ومن معه من التركما، وحيار بن مهنا. وبعد ثالثة أيام توجه أحمد الساقي بألف وخمس مئة فارس، وأقام على المزيرب، وجرى في دمشق ما لا جرى في أيام غازان، نُهب المرج والغوطة وبلادهما، ونهبت بلاد حوران، ونهبت البقاع، وسبيت الحريم، وافتضت الأبكار، وقطعت الآذان بحلقها، وأخذت الأموال.
ولم يزل الأمير سيف الدين مقيماً على لد بعساكر دمشق إلى أن وصل الأمير سيف الدين طاز في خمسة آلاف من عسرك مصرن وأقام على ظاهر لد، وكثرت الأراجيب بما يفعله من مع بيبغا من التركمان من الأذى في دمشق، فقلت أنا أذكر أولادي:
أخرجني المقدور من جلقعن طيب جنات جنيات
فإن أعد يوماً لها سالماًفهو بنيّات بُنياتي
وقلت وقد زاد الإرجاف بأن بيبغا تقدم بمن معه من العساكر إلى الكتيبة:
قد ضجرنا من المقامِ بلدٍبلدٍ ما طباعه مثل طبعي
كلما قيل لي كتيبةُ جيشقد أتت للكتيبة اصطكَ سمعي
فتراني مغيراً من سقاميونحولي وفي المزيريب دمعس
وقلت، وقد زاد الذباب علينا بلدّ من طول مقامِ العساكر في منزلتها:
لقد أتانا ذباب لُدبكل حتفٍ ولك حيف
وقل: هذا ذبابُ صيففقلت: لا بل ذبابُ سيف
وفي يوم الجمعة ثاني عشري شعبان وصل السلطان الملك الصالح صالح بالعساكر المصرية إلى منزلة بدعرش، وتلقاه الأمير سيف الدين أرغون بالعساكر إلى قرية يُبنى.
وفي يوم السبت توجهت العساكر الشامية إلى دمشق في ركاب أرغون الكاملي، وخرج الأميران سيف الدين شيخو، وسيف الدين طاز على أثرهم، ودخل النائب إلى دمشق يوم الثلاثاء.
وفي يوم الخميس مستهل شهر رمضان دخل السلطان إلى دمشق، وكان بيبغا ومن معه لما تحققوا خروج السلطان من مصر انقلبوا على عقبهم ناكصين - على ما تقدم في
ترجمة أحمد، وعلى ما سيأتي في ترجمة بيبغا - ثم إن شيخو وطاز وأرغون الكاملي توجهوا بالعساكر إلى حلب. وورد بعد ذلك كتاب ابن دلغادر يقول فيه: إن بيبغا وأحمد وبكلمش جاؤوا عندي على فرس فرس، ولم يكن معي مرسوم بإمساكهم، وباتوا عندي ليلة، وتوجهوا إلى البلاد الرومية، ثم إنّ العساكر أقامت على حلب، واتفق الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز على إقامة الأمير سيف الدين أرغون الكاملي في حلب نائباً لسدّ هذا الثغر في هذا المهم، وكتباً إلى السلطان بذلك، فكتبت له تقليده بذلك من دمشق، وجهز إلى حلب، وأمّروا جماعة من مماليكه طبلخاناه، وجماعة عشرة، وذلك في خامس عشري شهر رمضان، وعادت العساكر إلى دمشق، ودخل شيخو وطاز إلى دمشق يوم الجمعة سلخ شهر رمضان، وأصبح العيد يوم السبت.
وفي سابع شوال توجّه السلطان بالعساكر المصرية إلى مصر، ولم يزل الأمير سيف الدين أرغون بحلب نائباً إلى أن حضر أحمد وبكلمش إلى حلب مقيدين، وحزت رؤوسهما، وجُهزت إلى باب السلطان - على ما تقدّم في ترجمة أحمد، وسيأتي في ترجمة بكلمش - ثم إنه بعد ذلك حضر بيبغاروس مقيداً إلى حلب، وخز رأسه، وجهز إلى باب السلطان على ما سيأتي في ترجمته - ثم إن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي توجه بعسكر حلب، ومعه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار خلف ابن دلغادر، ووصل إلى الأبلستين وحرقها، وحرق قراها، ودخل إلى قيصرية، وهرب ابن دلغادر،
واتصل بمحمد بك بن أرتنا، وعاد الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى حلب، ودخلها يوم الثلاثاء خامس شهر رجب سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وقاسى هو والعساكر شدائد وكابدوا أهوالاً، ومشى هو بنفسه في تلك المضائق، ثم إن ابن دلغادر وصل إلى حلب، وجهز منها إلى مصر مقيداً، وجرى له ما جرى، على ما يأتي ذكره في ترجمته.
ولم يزل الأمير سيف الدين أرغون على حاله نائباً بحلب إلى أن خلع الملك الصالح صالح، وأعيد الملك الناصر حسن في بكرة الاثنين ثاني عيد الفطر سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وطلب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى باب السلطان، وحضر الأمير سيف الدين طاز عوضه نائباً بحلب، وذلك في أواخر شوال. وأقام أرغون الكاملي بالديار المصرية أمير مئة، مقدم ألف تاسع صفر سنة ست وخمسين وسبع مئة فأمسك بالقلعة، وجُهز إلى الإسكندرية، واعتقل هناك. ولم يزل هناك معتقلاً وعنده زوجُه إلى أن أفرجَ عنه، ورُسم له بالحضور إلى القدس الشريف ليكون به مقيماً، وحصل له ضعف، وأثقل في المرض، وعوفي بعد مدة. وبنى بالقدس تربة حسنة.
وكان قد عز على الحج في سنة ثمان وخمسين، فمرض أيضاً، وأفطر شهر رمضان، فبطل الحج، ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس خامس عشري شوال، ودفن في تربته، ولم يكمل عمارتها، وخسف الموت من أرغون الكاملي بدره الكامل، وبت شمل سعده الشامل.
وأظن مولده في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكنت قد كتبت إليه قصيدة، وهو بحلب أذكر فيها انتصاره على بيبغا وأحمد وبكلمش، وهي:
قد توالى النصر الذي قد تغالىفي مليكٍ أرضى الإله تعالى
وحمى الملك والممالك والدين وقاد الجيوش والأبطالا
الأمير المهيب أرغون ذو الباس الذي عزمه يدك الجبالا
سار منجلق إلى لدّ لماأن بغى بيبغا ورام القتالا
لم يسر خيفةً وكيف يخاف الليثُ يوماً إذا تراءى الغزالا
خاف سفكَ الدماء في رجب الفرد، وسفكُ الدماء كان ضلالاً
وتأتي في لدّ يرجو لقاهمبثبات لا يعرف الترحال
فهو فيها ليثٌ بغاب سلاحٍكان بيضاً بُترا ومسرا طوالاً
وهم عاجزون لم يتنحواعن مكانه فيه أقاموا كُسالى
فتخلى الشيطان عن كل غاوٍوانثنى خائباً وولى القذالا
من يخون الإيمان كيف يلقىبدرهُ في دجى النفاق كمالاً
نكث العهد مائلاً لفجورهو عندي لو استحى ما استحالا
أضعفَ الرعبُ قلبهم فتولواخوراً ثم زلزلوا زلزلا
ثم باتوا ما أصبحوا مثل ظلٍنسختهُ أيدي الضياء فزالا
قطعوا البيد لا يُديرون وجهاًليردّوا الغضنفر الرئبالا
تركوا المال مائلاً لسواهموأضاعوا الحريم والأموالا
أمطرتهم قسيهُ وبل نبلملأت سائر الوهاد وبالا
ما استقروا في منزل قطّ إلاوبهم قد نبا وضاق مجالا
شبعوا غربة وفقراً وذلاوهواناً وروعة وسؤالا
وأتوا خاضعين ذلاً وعجزاًيحملون القيود والأغلالا
بوجوه قد سودتها المعاصينحو وجهٍ من نوره يتلالا
ثم حُزت رؤوسهم بسيوفليس يدري المضاءُ منها كلالا
فاشتفي المسلمون منهم وقرتأعينٌ ما رأت زماناً خيالا
إن رباً أعطاك نصراً عزيزاًوكسا وجهكَ الجميل جمالاً
هو يُوليك ما تحاول منهفي المعالي وتبلغ الآمالا
أوحشت منك جلق فهي تشكوفيك شوقاً تراه داء عُضالا
أنت باهيت حسنها بمحيّاجعل البدرَ من حياء هلالا
ثم كاثرت شهبها بالأياديفلما جُودك الأكف نوالا
وكستها أخلاقُك الغر لطفاًمنه مادَ القضيب لطفاً ومالا
وهي ذاقت من حكمك الفصل عدلاًصار في قامة الرماح اعتدالا
فلك الله حافظ حيثما كنت لتُفني من العدا الآجالا
أرقطاي الأمير سيف الدين المعروف بالحاج أرقطاي. من مماليك الأشرف. جعله الملك
الناصر جمداراً، وكان هو والأمير سيف الدين أيتمش نائب الكرك بينهما أخوة. وكانا في لسان الترك القبجاقي فصيحين، وكانا يرجع إليهما في الياسة التي هي بين الأتراك.
ولما خرج الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - خرج معه الحاج أرقطاي والأمير حسام الدين البشمقدار، فحضر الثلاثة على البريد، ولما كان بعد قليل بلغ تنكز أن الأمراء بدمشق يتوجهون بعد الخدمة إلى دار الحاج أرقطاي ويأكلون على سماطه، فما حمل ذلك تنكز، وكبت إلى السلطان فأخرجه إلى حمص نائباً في يوم الأحد سابع شهر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة، وأعطي خبز بيبرس العلائي ومماليكه وحاشيته، فأخذهم عنده، وأقام بحمص مدة، ثم إنه رسُم له بنيابة صفد، فحضر إليها في ثمان عشرة وسبع مئة في جمادى الأولى بعد إمساك طغاي الكبير بها فيما أظن، فأقام بها، وعمر بها دوراً وأملاكاً، وتوفيت زوجته ابنةُ الأمير شمس الدين سنقرشاه المنصوري. بنى لها تربة شمالي الجامع الظاهري، وهي تربة حسناء بالنسبة إلى عمائر صفد، وصار بها للجامع رونق لم يكن له أولاً.
وأعطي ولده أمير علي طبلخاناه، وولده إبراهيم أمير عشرة بعد ما طلبهما، السلطان بسفارة الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - أمرهما عنده بدمشق،
وأقاما عنده مدة، ثم إنه جهزهما إلى صفد، وكان في الآخر قد حنا عليه حنواً كثيراً.
ولما كان في سنة ست وثلاثين وسبع مئة طلب الأمير سيف الدين أرقطاي إلى مصر، وجهز الأمير سيف الدين أيتمش أخوه مكانه نائباً بصفد، وأقام الحاج أرقطاي بمصر مقدم ألف.
ولما توجه العسكر إلى أياس جهز إليها في جملة الأمراء، وحضر من هناك، وأقام بالقاهرة يعمل نيابة الغيبة إذا غاب السلطان في الصيد، فلما قدر واقعة تنكز وإمساكه، حضر مع من حضر من الأمراء صحبة الأمير سيف الدين بشتاك، ثم إنه رسم بنيابة طرابلس عوض الأمير سيف الدين طينال، فتوجه إليها، ولم يزل بها مقيماً إلى أن توجه ألطنبغا إلى طشتمر نائب حلب، وكان الحاج أرقطاي بعسكر طرابلس مع ألطنبغا، وتوجهوا إلى حلب، وعادوا، وجرى ما جرى من هروب ألطنبغا إلى مصر، وكان الحاج أرقطاي معه، فأمسكا واعتُقلا بالإسكندرية. ثم أفرج عن الحاج أرقطاي في أول دولة الصالح إسماعيل بوساطة الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، وجُعل كما كان أولاً بالقاهرة من جملة الأمراء المشايخ المقدّمين، واقام على ذلك إلى أن توفي الملك الصالح، وتولى الملك الكامل شعبان، فرسم له بنيابة حلب عوض الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة، فأقام بها تقدير خمسة أشهر، ثم طلب إلى مصر، وجهز إلى حلب
الأمير سيف الدين طقتمر طاسه نائب حماة. فتوجه الحاج أرقطاي إلى مصر، واقام بها قليلاً إلى أن خلع الكاملي، وتولى الملك المظفر حاجي، فرسم له بنيابة مصر.
ولمن يزل في نيابة مصر إلى أن خلع المظفر، وتولى الملك الناصر حسن، فطلب الإعفاء من مصر، وأن يعود نائباً، فرسم له بذلك، فوصل إلى دمشق في رابع عشر شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن قتل أرغون شاه، فرسم للحاج أرقطاي بنيابة دمشق، ففرح أهل دمشق به، وتوجهوا إليه إلى حلب وما دونها، فاستعد لذلك، وخرج في طلبه وحاشيته، وكان قبل ذلك قد حصل له حمى، ثم إنه حصل له إسهال، فنزل إلى منزلة عين المباركة ظاهر حلب، مرة يركب الفرس، وإذا أثقل في المرض ركب في المحفة، إلى أن حم له الأجل، وتلون له وجه الحياة تارة بالوجل وتارة بالخجل.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - عصر الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة بعين المباركة. فعاد الناس خائبين، وعاجوا بعد الفرح بالترح آيبين.
وكان - رحمه الله تعالى - ذكياً فطناً، محجباً لسناً، مع عجمة في لسانه، وعقدة في بيانه. وله التنديب المطبوع، والتندير الذي فيه الظرف مجموع، مع ميل شديد إلى الصور الجملية، والقامة المديدة مع الوجنة الأسيلة، لا يكاد يملك نفسه إذا رأى العين النفاثة، والجفون الخوّانة النكاثة، والمباسم الفلج، والحواجب البلج. ونفسه زائدة الكرم في المأكول، وسماطه دائماً ممدود لمن أمره إليه موكول. وأظنه عدى السبعين.
وأنشدني بحماة من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين محمد بن علي الغزي بحماة تاسع جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة:
قالوا: أرقطاي مات، قلت: هلفي الموت بعد الحياة من عجب
ما مات من فرحةٍ بنقلتهبل مات من حزنه على حلب
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع