من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الألقاب والأنساب (٤) (٣)
ونزل السلطان إليه مرات، وكان الخاصكية ينتابونه جماعة بعد جماعة، وبيبتون عنده، وتصدّق في تلك الأيام بمائة ألف درهم، وشرع في عمارة الجامع المذكور. وهو أحد الخاصكية المقرَّبين.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي السلطان، وتولّى الملك المنصور أبو بكر. فيقال: إنه الذي وشى بأمره إلى قوصون، وقال له: قد عزم على إمساكك، وجرى ما جرى على ما يذكر في موضعه في ترجمة المنصور أبي بكر.
وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا المذكور عند المنصور أعظمَ مما كان عند والده؛ لأنه جعله مُوْدَع سرِّه.
ولما تولّى الأشرف، وماج الناس، وحضر الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري من الشام، وجرى ما جرى على ما تقدم في ترجمة ألطنبغا نائب الشام، وشغَّب المصريين على قوصون، فيقال: إن ألطنبغا المارداني كان أصل ذلك كله، ونزل إلى
الأمير علاء الدين أيْدُعْمِص أمير آخور، واتفق معه على القبض على قوصون، وطلع إلى قوصون، وجعل يشاغله، ويكسّر مجاذيفه عن الحركة إلى بكرة الغد، وأحضر الأمراء الكبار المشايخ عنده، وساهره إلى أن نام، وهو الذي حطَّ يده في سيف ألطنبغا نائب الشام لما دخل القاهرة قبل الناس كلّهم. ولم يجسر أحد أن يمدَّ يده إليه.
وكان الأمير سيف الدين بهادُر التمرُتاشيَ، الآتي بذكره إن شاء الله تعالى في حرف الباء في الأول، هو آغا ألطنبغا المذكور وهو الذي خرَّجه وربّاه، ولما بَدَت منه هذه الحركات والإقدامات قويت نفسه عليه، فوقف فوق التمرتاشي فما حملها منه، وبقيت في نفسه. ولما ملك الملك الصالح إسماعيل صار الدست كلّه للتمرتاشي، فعمل على ألطنبغا المذكور، ولم يدر بنفسه إلا وقد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى حماة نائباً في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة فتوجّه إليها، وبقي بها نائباً مدة شهرين وأكثر إلى أن توفي أيدغمش نائب الشام، ونقل الأمير سيف الدين طُقُزْتمر من نيابة حلب إلى نيابة الشام، ورُسم للأمير علاء الدين ألطنبغا بنيابة حلب، فتوجّه إليها في أول شهر رجب من السنة المذكورة.
وجاء إلى حماة نائباً الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فأقام ألطنبغا في نيابة حلب مدة يسيرة، وتمرّض وقاسى شدة، وحضر له طبيب من القاهرة.
ولم يزل إلى أن كان القبر لجوهرته صدفاً، وراح شخصه لسهام المنايا هدفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل صفر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان شاباً طويلاً رقيقاً، يُدير من أجفانه رحيقاً، بوجه قد حلا، ومن العيب
قد خلا، وللبدر قد جلا، ألطف من مرّ النسيم، وألذّ ذوقاً من التسنيم، معشَّق الخطرة إذا خطا، متأنق الفترة إذا سطا، كريم الكفّ، حكيم الشروع واللف، حَدْسُه صائب، ونفسه بالصبر تردّ ناب النوائب، عقله أكبر من سنّه، وأمره يأتي إليه على ما يغلب في ظنه.
وكان أستاذ له يتذلل، وهو يجفو عليه ويتدلل، وبجناحه طار طاجار، وأصبح وهو دوادار، ولكن خانه الزمان، ولم يؤخذ له من الحوادث أمان: وقلت أنا لما بلغتني وفاته:
خُذ من العيش ما أتاك بتقوىواغتنمُه من قَبل صَرف الزمان
وتأمّل بعين فِكركَ لمّامارَ داني الفنا إلى المارداني
ألطنبغا الأمير علاء الدين بُرناق - بالباء الموحدة والراء والنون والألف والقاف - الجاشنكير نائب صفد.
لما خرج أحمد الساقي وهو بصفد على الملك الناصر حسن وعصي بقلعتها رُسم لهذا الأمير علاء الدين بنيابة صفد، فوصل إليها وهو نائب عزّة - على ما تقدم في ترجمة
أحمد - واستقل بالنيابة من أوائل المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن ورد عليه المرسوم بأن يحضر إلى دمشق، ويكون مع نائبها الأمير سيف الدين أرغون الكاملي في واقعة بيبغاروس، فوصل إلى سعسع بالعسكر الصفدي، وكان نائب دمشق قد خرج منها ونزل على الكسوة، وجهز إليه طلبه، فوعده بالوصول إليه، لكنه استحوذ عليه جماعة ثنوا عزمه عن ذلك، سوَّلوا له التوجّه إلى بيبغاروس، فدخل دمشق، وشقَّها، وتوجّه إليه، واجتمع على خان لاجين، وجاء معه، ونزلوا على قبة يلبغا، وأقاموا هناك مدة أربعة وعشرين يوماً، ولما هرب بييُغا هرب ألطنبغا المذكور معه في جملة من هرب، ووصلوا إلى حلب، وحاصروا أهلها، فأسر الحلبيون منهم جماعة وفيهم ألطنبغا بُرناق وعلاء الدين ألطنبغا مُشدّ الشراب خاناه والأمير سيف الدين حاجي أخو أحمد الساقي والأمير سيف الدين أسنبغا الرسولي نائب جعبر وعز الدين مهدي مشدّ حلب، وأسن بك بن خليل الطُّرقي وبهادر الجاموس فيما أظن، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وتسلّمهم الأمير فارس الدين ألبكي أحد مقدَّمي الألوف المصريين، وأحضرهم إلى دمشق، واعتقلوا بقلعتها.
ولما كان ثالث شوال طلع السلطان الملك الصالح من القصر إلى قلعة دمشق وجلس في الطارمة، واستقبل سوق الخيل، وأحضر ألطنبغا بُرناق، وعُصر، وقرر على أمور، ثم إن الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز وسائر أمراء مصر والشام ونزلوا ووقفوا على باب خان الملك الظاهر، واستقبلوا السلطان، وقُدِّم هؤلاء السبعة المذكورون وفيهم برناق، ووسَّط الجميع، وعلّقوا على نهر بردى في ثالث
شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وكان ذلك في يوم الاثنين، فسبحان الدائم الباقي بلا زوال، مقدّر الآجال.
وكان الأمير علاء الدين برناق رجلاً عاقلاً، ساكناً لا يرى قدمه إلى الشرّ ناقلاً، بعيداً من الظلم، مفيداً للأناة والحلم، لم يشكُ منه أحد من رعايا صفد.
وكان يتخوَّل بعضهم بالعطاء والصفد، وعمّر بصفد عمارة، تطل على بحر طبرية كان يستروح فيها ويصعد بمن يؤثره، ويحبُّ قُرْبَه إلى أعاليها.
وكانت له ابنة يحبها حباً زاد حَدّه، ويودّ أن يفرش لها إذا خطت دون الأرض خدّه، لا يزال قلبه بها معلَّقاً، وخدّه إذا غاب عنها بالدموع مخلّقاً، يجلس وهي في صدره، ويُعيذها من الزمان وغدره، ويجمع لها الذين يعملون الحلق تحت القلعة، ويصرف لهم لأجلها الخلعة بعد الخلعة.
ولما خرج من صفد ضمّها إلى صدره وودّعها، وكاد من الرِّقة عليها أن يخرج كبده ويقطّعها، وأذرى الدموع دماء وأجراها من الحرقة عندما فارقها عَنْدَما، وكان ذلك أخر عهدها به، ولم تشاهده والسيف قد جدَّ في تمزيق إهابه.
وقلت أنا فيه:
لا تقرَبِ الشَّرَّ إذا ما بَدافهُوَ لنارِ الموتِ حَرّاقُ
فالسيف قد فرَّق ألطنبغاولد يفِدْ بُرناق تِرياقُ
ألطُنْبُغا علاء الدين الجاوُلي.
هو مملوك ابن باخِل. كان عند الأمير علم الدين سَنْجَر الجاوْلي دواداراً لما كان في غزة أولاً نائباً، وكان يحبّه ويدنيه ويقرِّبه، ويبالغ في الإنعام عليه، والإحسان إليه.
وكان إقطاعه عنده يعمل عشرين ألف درهم خارجاً عمّا يبرّه، ويعطيه ويأخذه هو من منفوع الدوادارية.
قال لي: امتدحت الأمين الأمير مرة بقصيدة كانت ستين بيتاً، فأمر لي لكل بيت بدينار. وقال لي: لو كانت مئة ألف كانت مئة.
أخبرني من أثق بقوله: أنه كان في إصطبله تسعة سَرْجاً زرجونيّاً.
ولما شُنِّع على الجاولي أن إقطاعات مماليكه ثلاثون ألفاً وعشرون ألفاً راكَ الأخباز، وأعطى ألطنبغا المذكور إقطاعاً دون ما كان بيده أولاً، فتركه ومضى إلى مصر بغير رضى الأمير علم الدين، فراعى الناس خاطر مخدومه ولم يجسر أحد على أن يستخدمه، فأقام في مصر مدة زمانية ينفق من حاصله، ثم حضر إلى صفد، فأقبل عليه الحاج أرقطاي نائبها إقبالاً كثيراً، وكتب له مُرَبَّعة بإقطاع، وتوجّه بها إلى
مصر، فخرج عنه، فعاد وجاء إلى دمشق وامتدح الأمير سيف الدين تنكز، ومدح ناصر الدين الدوادار وناصر الدين الخزندار بقصيدة أولها:
قد أيّد الرحمنُ ملَّةَ أحمدبالناصريْن محمدٍ ومحمدِ
فتوسَّطا له عند مخدومهما فأعطاه إقطاعاً في حلقة دمشق، وكان أمره أحد الأسباب التي أوقعت بين تنكز والجاوليّ، وبقي ألطنبغا بدمشق مقيماً، وأُمسك الجاوْليّ، وأقام في الاعتقال مدة، ولمّا أُفرِج عنه توجّه إليه ألطنبغا وخدمه مدة، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وجعله من جهته مشداً على الوقف المنصوري.
واجتمعتُ به كثيراً والقاهرة ودمشق، وبيني وبينه مكاتبات ومجاراة ومطارحات ومباراة؛ لأنه كان ينظم الدُّرّ شعراً، ويُباهي به النَّثْرة والشعْرى، قد جوَّد المقاطيع، وأبرزها كأزهار الربيع، ولكن قصائده دوَّنها في الطبقة، وبروقها ليست في سماء الإجادة مؤتلقة.
وكان يتمذهب للشافعي، وله اجتماع بالشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل وغيره من فضلاء العصر، ويبحث جيّداً، ولم يكن عن طرائق الفضل متحيداً. وعقيدته للأشعري منسوبة وفي عداد أصحابه محسوبة.
ولما توجه معي إلى الشيخ تقي الدين بن تيميه سال ذهنه إليه، وأقبل بجملته عليه، ومال إلى قوله، ودار من حوله. ثم إنه بعد فراقه تراجع عنه إلا بقايا، وادكر غدوات قربه والعشايا.
وكان وجهاً في حسنه بديعاً، ومحيا يذر قلب ناظره صريعاً، مديد القامة، يرهي على بدر وجهه من شعره ظلامة.
وكان بالكيمياء مغرى، قد أنفق فيها مالاً ودهراً. وخرج من الدنيا رحمة الله تعالى وهو يرى كفه صفراً.
وكان صحيحاً وده، منحك إخلاصه لا يرده، قل من صحبته فأنصفني مثله في الحضور والغيبة، لا أسمع منه كلمة جفاء، ولا يبلغني عنه غيبة. ولم يزل شملي به مجموعاً، وقولي عنده، كنا أمره عندي مسموعاً. إلى أن استقى على غير ظما. وصافحه في قبره الحور وملائكة السَّما.
وتوفي رحمه الله تعالى بعلة الاستسقاء في شهر ربيع الأول، ثامنه، سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
كتب إلي وقد وردت القاهرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة:
إليكَ صلاح الدين أُهدي تحيّةًكنشرِ عبيرٍ في الجُيوب إذا فُضَّا
ومِن عَجَبي أنّ الديارَ قريبةٌوما فُزتُ منكمْ بالوِداد الذي أرضى
فمِنْ بعدكم قلبي تألَّف بالأسىومِنْ بَعْدكم لم أدْرِ نوماً ولا غَمْضا
وإني على العهد الذي تعهدونهمقيماً أرى حفظ الوِداد لكَم فَرْضا
وأقسمَ قلبي لا يقرُّ قرارهُولا يرعوي حتى يرى بعضنّا بعضا
فكتبتُ أنا الجواب إليه ارتجالاً:
أيا جيرةً قد عُوّدوا والإغْضَاوحبُّهُمُ قدْ مازَجَ الروحَ والأعْضَا
وحقّكم ما أهملَ العبدُ خِدمةًلكُمْ وَجَبتْ لكنّها بَعْد ذا تُقْضى
أأنسى جَميلاً منكُم قَدْ ألِفتَهُوحُسْنَ وِدادٍ يُشبّه الزَّهرَ الغَضّا
ولُطفاً يحاكي نَسْمَةَ الروضِ سُحْرةًفإنّ لها في العاشقِ البَسْطَ والقَبْضا
وأيام لهوٍ قَدْ تقضَّتْ بقُربكمنُداوي بها من دَهْرنا أنفُساً مَرْضى
ألا خفّفوا مِنْ عتبكم عن محبِّكمفذاكَ ضعيفٌ لا يُطيق به نَهْضا
فلا بُدَّ أنْ يأتي ويذكُرَ عُذْرَهُفإنْ تقبلوه رحمةً قبَّل الأرضا
وأنشدني يوماً لنفسه:
انهلّ أدمعها دُرّاً وفي فمهادُرٌّ وبينهما فَرْقٌ وتمثالُ
لأنّ ذا جامدٌ في الثغر منتظَموذاك منتثِرٌ في الخدّ سيّالُ
فأنشدته أنا لنفسي:
غانيةً في فمها جَوهرٌبمثله تبكي هوىً هائلا
فراح ذا في نظمه واقفاًولاحَ ذا مع نثره سائلا
وأنشدني لنفسه أيضاً:
وسُودٍ صَيَّرتْها السودُ بيضاًفلا تطلُبْ من الأيام بيْضا
فبعد السود ترجو البيضَ ظلماًوقد سلّتْ عليها السود بيْضَا
وأنشدته أنا لنفسي:
عجبتُ لدهرٍ سرّني زمنَ الصِّباوكدَّرَ عَيْشي بالمشيب انتفاضُهُ
فبيَّض عُمْري من شبابي سوادهوسَوَّد دهري من مشيبي بياضُهُ
وكتبتُ أنا إليه من صفد وهو بدمشق أتشوّق إليه في سنة ثماني عشرة وسبع مئة من جُملة قصيدة:
بالله يا بارقاً من قاسيون بَدَتأعلامُه خافقاتٍ في دَياجيه
قِفْ لي بتلك الربا إن شئت تُسعفنيوأنْشُد فؤادَ شَجٍ قَدْ عَزَّ فاديه
ونبّه الوُرْقَ والظلماءُ عاكِفةٌليلاً لتحكي نُواحي في نواحيه
وخُذ أحاديث ما ترويه من خبرٍوحالُ جسمي ضنىً إن كنت تحكيه
وقُلْ قضى نحبَه العاني أسىً وجوىًوما قضى ما ترجّى من أمانيه
كأنما مرَّ عَيشٌ كان غانيةتُجلى بكم ولآليها لياليه
أحبابَنا إن تمادى البُعد واتّصلتأيّامه واستقلّت في تراخيه
فلا تضُّنوا على المُضْنى بطيفكمففيه للوَالِه المشتاقِ ما فيه
يكفيه أنْ زارهُ طيفُ الخيال ولايكفيه منكم بلى والله يكفيه
فالصَّبُّ إن عاقت الأيام مطلَبهُيَرضى بدون المنى أو ما يدانيه
ألطنبغا الأمير علاء الدين الخازن الشريفي، أحد الأمراء الأقدمين بالقاهرة.
لمّا كان الأمير سيف الدين أرغون الكاملي على لُدّ في واقعة بيبغاروس ورسم السُّلطان الملك الصالح صالح للأمير شهاب الدين بن صبح، نائب غزّة بنيابة صفد رسم للأمير علاء الدين ألطنبغا هذا بنيابة غزة، فحضر إليها في شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبه مئة، وأقام بها نائباً إلى أن تُوُفِّيَ يومَ الأربعاء رابع شهر رجب الفرد سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان ساكناً عاقلاً وادِعاً، لا شرَّ فيه، طلب لبناته راتباً في السنَة على ميناء يافا
بخمسة آلاف درهم تميزت في ضَمانها، فأُنعِم عليهنّ بذلك وما لحق التوقيع يجيء إلى دمشق ويُعلِّم عليه نائب الشام ويجهّزه إلى أن مات رحمه الله تعالى.
ألطنقش الأمير سيف الدين الجَمالي أستاذ الدار.
كان من مماليك الأفرم، ولما توجّه أستاذه إلى بلاد التتار وحضر هو إلى مصر حبسَه السُّلطان الملك الناصر، ثم إنه أخرجه وأمَّره فيما بعد طبلخاناه، ثم جعله أستاذ دار صغيراً وأضاف إليه فيما بعد أستاذ داريّة ابنه آنوك، وأقاك كذلك إلى أن توفي آنوك وتوفي السلطان.
ثم توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في سادس عشري شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
وكان جيداً مشكوراً، وهو خال الأمير صلاح الدين أيدُغْدِي الحاجب بالشام وأخَويه.
أَلِلْمِش بفتح الهمزة، وكسر اللام الأولى، وسكون اللام الثانية، وكسر الميم وبعدها شين معجمة.
الأمير سيف الدين الحاجب، كان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - قد جهّزه إلى جَعْبَر نائباً، ثم إنه كتب فيه وجعله أمير حاجب، فكان حاجباً كبيراً في آخر أيام تنكز، وأمسِك وهو أمير حاجب.
كان حسن الشكل ذا مَهابة، سديد الرأي كثير الإصابة، مُدَوَّر الوجه حُلْواً، مملوءاً من العقل، ومن الكِبْر خِلْواً، فيه سُكون ووقار، وحشمة يشكو الناس منها الافتقار.
ولم يزل على حاله في وظيفته إلى أن حَصَلَ له استسقاء أظمأه إلى الحياه، وأماته بحسرة نظر المياه. وقد كان توجّه إلى حولة بانياس فمات رحمه الله تعالى هناك وحُمِل إلى دمشق وصُلّي عليه في يوم الأربعاء عُشْري ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
أَلْماس بفتح الهمزة، وسكون اللام، وبَعْدَ الميم ألف وسين مهملة، الأمير سيف الدين أمير حاجب الناصري.
كان من أكبر مماليك أستاذه، ولمّا أُخرج الأمير سيف الدين أرغون الدوادار إلى
نيابة حلب - على ما تقدم في ترجمته - وبقي منصب النيابة فارغاً منه عظمت منزلة ألماس، وصار هو في منزلة النيابة، خلا أنه ما يسمّى نائباً، يركب الأمراء كبار والصغار، وينزلون في خدمته، ويجلس في باب القلّة في منزلة النائب، والحُجّابُ وقوفٌ بين يديه. ولم يزل مقدّماً معظماً إلى أن توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، فتركه في القَلْعة هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين أقْبُغا عبد الواحد والأمير سيف الدين طَشْتُمُر حِمّص آخْضَر، هؤلاء الأربعة لا غير، وبقية الأمراء إما معه في الحجاز وإما أنهم في إقطاعاتهم، وأمرَهم أن لا يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز.
ولمّا حضر من الحجاز نقم عليه أمَراً ما صبر عليه، فأمسَكه إمّا في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وإما في أواخر سنة ثلاث وثلاثين، الصحيح أنه في عشر ذي الحجة سنة ثلاث وسبع مئة وأودعه في الاعتقال في بيت أقبغا عبد الواحد، وبقي ثلاثة أيام، ودخل في العَدم، وتخضّب السيفُ منه بدَم.
وأما أخوه الأمير سيف الدين قَرا فإنه قُتل بالسيف لوقته صَبْرَا، فأُخذت أموالُ ألْماس وجميع مَوجوده وموجود أقاربه، وأُخرج أقاربه إلى الشام وفُرِّقوا.
يقال إن السلطان لما مات بَكْتُمر في طريق الحجاز - على ما يأتي ذِكرُهُ إن شاء الله تعالى - احتاط على موجوده، وكان في جُمله ذلك حَرَمْدان، فأخذه السلطان
وأوْدَعَه لبعض الجمدارية، ثم لمّا وصل قلعة الجبل واطمأنّ ذكره السلطان فأحضره فوجد مما فيه جَواب الأمير سيف الدين ألماس إلى الأمير سيف الدين بَكْتُمُر الساقي، وفيه: إنني حافظ القلعة إلى أن يَرِدَ عليَّ مِنك ما أعتمده، فكان ذلك سَببَ قَتله، والله أعلم.
وكان ألماس آسْمَرَ طُوالاً من الرجال، فيه ثبات الشيوخ وخِفّة الشباب العِجال غُتْميّاً لا يفهم شيئاً بالعربي، ساذَجاً يجلس في بيته فوق لُبّاد على ما اعتاد ورَبي. وكان أوّلاً يباري السحاب بكرمه، ويؤوي الناس إلى حَرَمه، ولكنه فهم عن السلطان أن ذلك ما يعجبه ولا يراه، فيقول به ويوجبه، فتظاهر بعد ذلك بالخِسّة، وكابَرَ فيه حِسَّه، إلى أن شاع ذاك وذاع، وملأ به المُدُن والبقاع. إلا أنه كان يَعْمِر المِلْك بخمسة عشر ألف درهم وأكثر، ويهبْه لبعض مماليكه، وهو الذي عمّر الجامع المليح الذي بظاهر القاهرة في الشارع عند حَدَرة البقر، وفيه رخام مليح فائق، وعمّر إلى جانبه هناك قاعة تأنّق فيها، وكان الرخام يُحمل إليه من جزائر البحر وبلاد الروم ومن الشام، ومن كل مكان، ولمّا أُمسِك وجدوا له أموالاً تُكاثر النجوم في الليلة الداجنة البهيمة.
أَلْمِلِك
بفتح الهمزة، وسكون اللام، وفتح الميم، وكَسْر اللام الثانية وبعدها كاف.
الأمير سيف الدين الحاج من كبار الأمراء المشايخ رُؤوس مشايخ المشور في أيام السلطان الملك الناصر، تردّد في الرُّسْلِيّة بين الملك المظفر وبين الملك الناصر وهو في
الكرك، فأعجبه عقله وتأتّيه، وسيّر إليهم يقول: لا يعود يجيء إليّ رسولاً غَيْرُ هذا، فلما قدم مصر عظَّمه.
ولم يزل مُوقراً مُبجَّلاً، عمّر بالحُسينية جامعاً مليحاً إلى الغاية، وله دار عظمى مليحة عند مشهد الحُسين ﵁ داخل القاهرة، ومسجدٌ حَسَنٌ إلى جانبها.
خرّج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي مَشْيَخة، وقرئت عليه مرّاتٍ وهو جالس في شبّاك النيابة بقلعة الجبل.
ولما تولى الملك الناصر أحمد أخْرَجه إلى نيابة حماة، فحضر إليها وأقام بها إلى أن تولّى الملك الصالح إسماعيل، فأقدمه إلى مصر وأقام بها على حاله الأولى.
ولما أُمسك آقسُنقر السَّلاّري - نائب مصر المقدَّم ذِكره - ولاّه النيابة مكانه، فشدّدَ في الخمر إلى الغاية، وحدّ الناس عليها وجنّاهم، وهَدَم خزانة البُنود، وأراق خُمورها وبناها مَسْجِداً وحَكرها للناس فعمّروها دوراً، وأَمْسَك الزمام زَماناً، وكان يجلسُ للحكم في الشبّاك طولَ نهاره لا يَمَلّ من ذلك ولا يسأم، ويَروح أصحابُ الوظائف ولا يبقى عنده إلا النقباء البطّالة.
وكان له في قلوب الناس مهابةٌ وحُرْمَةٌ، إلى أن تولّى السلطان الملك الكامل شعبان فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائباً عِوَضاً عن الأمير سيف الدين طُقُزْتُمر، فلما كان في أول الطريق حَضَر إليه مَنْ قال له: الشام بلا نائب، فسُق لتلحقه.
فخفَّف من جماعته وساق في جماعة قليلة، فحضر إليه مَنْ أخذه وتوجّه به إلى صفد نائباً، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة. ثم إنه باطن الأمير سيف الدين تماري نائب طرابلس على الهروب أو الخروج على السلطان أُرْجَف الناسُ على السلطان، فحضر مِنْ مصر مَنْ كَشَف الأمر، وسأل هو التوجُّه إلى مصر فرُسِم له بذلك، فتوجّه. فلما وصل غزة أمسكه نائبها الأمير سيف الدين أراق، وجُهّز إلى الإسكندرية في أواخر سنة ست وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد به.
وكان خيّراً فيه دينٌ، وعبادة نورها على الجبين، يميل إلى أهل الخير والصلاح، ويتخذ من أدعيتهم السلاح، وكان بَرْكُه مَنْ أحسن ما يكون، وخَيْله تكاد إذا جَرَت ترمي الرياح بالسُّكون، وكان يقول: كل أميرٍ لا يقيمُ رُمحه ويسكب الذهب إلى أن يُساوي السّنان ما هو أمير.
وقلت أنا فيه:
ألَمْلكُ الحاجُّ غدا سعدُهُيملأ ظَهْرَ الأرض مهما سَلكْ
فالأُمرا مِن دونه سوقةوالملك الظاهر لي اَلْمَلكُ
ألْناق الأمير سيف الدين الناصري، كان أميراً من جملة أمراء دمشق يسكن بقرب مسجد الصفيّ بالعُقيْبة.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد منتصف صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
أميران الأمير الشيخ عزّ الدين، مِنْ بيت الشيخ عَدِيّ بن مُسافر.
ورد إلى بلاد الشام فأكْرمت الدولة الناصريّة نُزُلَهُ وعظَّمَتْ مثواه، وأُعطى بدمشق، إمْرةً، فأقام بها مُدّة، ثم أقام بصفد مدة، ثم عاد إلى دمشق وتَرَك الإمرة وآثر الانقطاع، وأقام بالمِزّة، وكانت الأكراد، تأتيه من كل قُطْر، وتَفِدُ عليه مِنْ كلّ فَجٍّ بصفايا أموالها ونفائس ما عِندها تقرُّباً إليه. ثم إن الأكراد المشارقة أرادوا الخروجَ على السلطان، وباعوا أموالهم بالهوان، واشتَرَوا بها أسلحة وخَيْلاً، ووعدوا رجالاً ممن تَبِعَهُم بالنيابات الكبار، وكان هو قد نول بأرض اللَّجُون مِنْ مَرْج بني عامر بصفد، وبلغ السلطان الملك الناصر أنهم لو يُؤْذوا أحداً في نفسٍ ولا مالٍ، فكتب إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بكشف أحوالهم، وأَمسَك السلطان مَنْ كان بالزاوية العَدويّة بالقَرافة منهم، ودَرَّك على أمير طبر، واختلفت الأخبار عنهم، فقيل: إنهم يُريدون سَلطنة مصر، وقيل: بل يريدون مُلْك اليمن. وقلق السلطان من أمرهم وأهمّه ذلك، فتقدم الأمير سيف الدين تنكز بإحضار الأمير عز الدين
أميرَان المذكور، فأُمسِك وأُحضر إليه، فقال له: أيْش هذا الذي يفعله هؤلاء الأكراد؟ فقال: يا خوند هذا شيء تخيّلوه في نفوسهم، فقال له: لأي شيء ما تمْنَعُهم من هذا؟ فقال: يا خوند، هؤلاء يسجدون لي ولغيري من أهل بيتنا، لو قلتُ لهم ما عسى أن أقوله ما يسمعونه، ولكن يا خوند حُطني في هذه القلعة وقد تفلَّل جَمعهم، فعلم تنكز أن الذي يقوله حق، فطلع بع إلى القلعة، وطالع السلطان بأمره فانفلّ أمرهم وتفرقوا شَذَر مذَر، وتمزّقوا أيدي سَبَأ، وكان الأكراد يجيؤون بعد ذلك إلى البُرج الذي فيه الأمير عز الدين ويسجدون له.
ولم يكن لهم بلاغٌ ولا معاش، إلا أنهم يَجلبون المُحمّضات من الأُتُرجّ والليمون والكَبّاد، وغير ذلك من بانياس والأغوار، وأقصاب السكر على ظهورهم، ويَبيعون ذلك بدمشق، فرخُصَ هذا كلّه بدمشق في تلك المدة.
وكان طلبه وحبسُه في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
وكان الأمير عز الدين المذكور من أحسن الأشكال وأتمِّها، وأصبحِ الوجوه وأحلاها.
أمير كاتب ابن أمير عُمَر العميد بن العميد أمير غازي، الشيخ الإمام العلاّمة قوام الدين أبو حنيفة الفارابي الأتْقاني - بهمزة مفتوحة وتاءٍ ثالثة الحروف ساكنة وقافٍ بعدها ألفٌ ونون - الحنفي.
كان قيّماً بمذهب أبي حنيفة شديد التعصّب على الشافعية، متظاهراً بالغَضّ منهم وبالطعن عليهم، يوَدُّ لو حكم فيهم أو حُكّم في تَلافِهم دون تلافيهم، لا تأخذه فيهم لومة لائم، ويتمنى لو ناحت على مدارسهم الحمائم، واجتهد في ذلك بالشام وما أفاد ودخل مِصْر وهو مصرٌّ على ما عنده من العناد، وعمل على قَذْفهم وقَلْعهم بالقَلْع والمِقذاف وطاف عليهم بكؤوس خمرٍ خَمَرها بالسُّم وداف، فكفاهم الله محذوره، وجهل الله واقعتهم معه على مرّ الأيام مأثوره، وبدّل بغيظه فيهم سُروره، وعكس ما دبّره فيهم، " والله متمٌّ نورَه ".
وكان شديد الإعجاب بنفسه، يجيء بالتعظيم من حَسّه وبَسّه، يظن أن إمامه ﵁ لو رآه لجعله أمامه، وأنّ أبا يوسف كان يتأسف إذا سمع كلامه، وأنّ زفر له زفرات على لُقِيّه وأن محمد بن الحسن ما يُحسن الوصول إلى رُقيِّه، إلا أنه شرح الأخْسِيكَثي وعُمْرُه دون الثلاثين شرحاً جيداً يُثني عليه فقهاء مذهبه ويُعظّمونه، وكان عارفاً بالعربية واللغة، قال في آخر شرح الأخسِيكثي إنه فرغ منه بتُسْتَر سنة ست عشرة وسبع مئة، وقال قبل هذا: فلو كان الأسلاف في حياةٍ لقال أبو حنيفة: اجتهدتَ، ولقال أبو يوسف: نارَ البيان أوقدت، ولقال محمد: أحسنت، ولقال زفر: أتقنّت، ولقال الحسن: أمعَنْت، ولقال أبو حفص: أنعمت فيما نظرت،
ولقال أبو منصور: حققت، ولقال الطحاوي: صدقت، ولقال الكرخيّ: بورك فيما نطقت، ولقال الجصّاص: أحكمت. ولقال القاضي أبو زيد: أصبت. ولقال شمس الأئمة: وجَدت ما طَلَبْت، ولقال فخر الإسلام: مهرت، ولقال نجم الدين النَّسفيّ: بهرت. ولقال صاحب الهداية: يا غوّاصُّ، البحر عَبَرتْ، ولقال صاحبُ المحيط: فقت فيما أعلنت وأسررت: إلى غير ذلك من كبرائنا الذين لا يحصى عددهم. ولقال المتنبي: أنتَ من فصحاء عبارتهم:
مسكيّة النفحات إلاّ أنهاوحشيّة بسواهم لا تَعبَقُ
ثم ما قاله.
ولم يزل القوام إلى أنْ مال عليه الحَيْن بكَلكِله، وأصبح الأتقاني وقد تهدّم من الحفر منزله.
وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عُشري شوّال سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان لمّا قَدِم دمشق اجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يَلبُغا - رحمه الله تعالى - وداخَله واختصَّ به وذكر له مَسْألة رفع اليدين في الصلاة، وادّعى بظلام الصلاة، فقام في دفاعه قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وهّى ما قاله وأفسده، واستدل على بطلان دعواه، فرجع الأمير سيف الدين يلبُغا بعد ما كان قد شُرِّبت أعضاؤه ذلك، ثم إنه طُلب إلى مصر وراح، فراج عند الأمير سيف الدين صرغتمش وعظّمه، وبنى له مدرسته بالقاهرة، وولاّه تدريسها، وكان قد قام في
أيام الملك الصالح على الشافعية، وسعى في إبطال المذهب من رأس، وكاد ذلك يتم، إلا أن الله تعالى أعان بلطفه، ومَنّ بإخماد ناره.
وأخبرني من أثق أنه كان يأكل في كل يوم أوقيّة فُوم، وكان يأكل من الزنجبيل شيئاً كثيراً إلى الغاية.
ونقلتُ من خطّه ما صورتُه: تاريخ قدومنا دمشق في الكرّة الثانية في العاشر من شهر رجب سبع وأربعين وسبع مئة، ثم لبثنا ثمّة إلى أن خرجنا منها في ثامن صفر يوم السبت من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وقدمنا مصر يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، قال العبد الفقير إلى الله تعالى أمير كاتب بن أمير عمر المدعوّ بقوام الفارابي الأتقاني: كان تاريخ ولادتي بَأَتْقان ليلة السبت التاسع عشر من شوال سنة خمس وثمانين وستّ مئة، وفاراب مدينة عظيمة من مدائن الترك تسمى بلسان العوام: أوتراد، وأتقان اسمٌ لقصبة من قصَباتها، هذا ما أنشأ في أيام دولة السلطان مالك رقاب الأمم مولى مُلوك العرب والعجم قاهر الكفرة والمشركين، ناصر الإسلام والمسلمين، سلطان ابن السلطان ابن السلطان الملك الناصر بن الناصر ابن الملك المنصور حسن بن محمد بن قلاوون، خلّد الله ملكه ونوّر مرقد آبائه السلاطين في مدح المقَرّ العالي المجاهد المؤيّد المظفّر ذي اليُمن والبركات، والخير والمبرّات، فريد الدهر وحيد العصر سيف الدين سُيرغتمش أدامه الله في عافيةٍ وافية حين تمّ بناء مدرسته المخصوصة بالحنفية بالقاهرة المعزيّة في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وسبع مئة، وكان ابتداء العِمارة في خامس رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، الضعيف أبو حنيفة قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الفارابي الأَتقاني يوم أُجلِسَ فيها مدرِّساً بحضور القضاة الأربعة وجميع أمراء
الدولة مثل المقرّ العالي شيخو، وحاجب الحجاب طشتمر القاسِمي. وتوقاي الدوادار وغيرهم في الساعة الثالثة من يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الأولى من السنة المذكورة، والقمر في السُّنبلة، والزهرة في الأوج، وكان تثليث المشتري والقمر:
أرأيتم مَنْ دَرَأ النُّوَبَاوأتى قُرَباً ونفى رِيَبا
فبدا عَلَماً وسَما كَرَماًونَما قدَماً ولقد غَلَبا
بتُقى وهُدى ونَدى وَجَدافغدا وشَدا وجَبى وحَبا
أبدى سَنَناً أحيا سُنناًحلّى زمناً عند الأُرَبَا
هذاك سُيرغتْمشْ سَكَبتأيامُ أماراته السُّحُبا
وأزال الجَدْبَ إلى خَصْبٍوالضَّنْكَ إلى رَغَدٍ قَلَبا
بإعانةِ جبّارٍ بَرٍّذي العرش وقد بذل النَّشَبا
ملك فَطنٌ ركن لسنٌحَسَن بَسَنٌ ربّى الأدبا
ملكُ الكبرا ملكُ الأمراملكُ العُلما ملكُ الأُدبا
بحرٌ طامٍ طَوْدٌ سامٍغَيثٌ هامٍ حامي الغُرَبا
بسياسته وحَماستِهِوسَماحته جَلّى الكُرَبَا
وصيانته وديانتهوأمانته حاز الرُّتبا
أبهى أصلاً أسنى نَسْلاًأحظى خَصْلاً بذّ العربا
نِعمَ المأوى مصرٌ لمّاشَملت قَوْماً قيلاً نُجُبا
فنَمت نَوْراً وسَمت نُوراًوعَلَت دوراً وأرت طَرَبا
نسقَت دوراً زسقت درراًووعَت غُرَراً وحَوت أرَبا
وخْطَاء به افتخرت ونَمَتوسَمَت وزَرَت وحوت أدبا
خّذْ دُرّ ثنا ثم اجْنِ جنىمنها ومُنىً فتعي طلبا
من كان عَنَى نَسبي علناًفارابُ لنا نِعْمتَ نَسَبا
كنوُّنِ أباً لحنيفة ثُمْمَ قوام الدين بَدا لَقَبا
عِش في رجبٍ تَرَ مِنْ عجبٍمن منتجب عجباً عَجَبا
وأعطاني المقرّ العالي سُيرغتمش أيّده الله جائزة هذه القصيدة يوم أنشدتها عشرة آلاف درهم، ومَلأ يوم الدرس بِرْكة المدرسة بالسُّكّر وماءٍ وماء الليمون فسقى بذلك الناسَ أجمعين، وخلَع عليّ بعد الدرس خلعتين إحداهما فروُ السنجاب، ظَهارته صًوف أبيض وكفْتُه قندز، والأخرى فرجيّ من صُوف زيتي، وخلع على ابني هُمَام الدين أيضاً، ثم لمّا خرجتُ من المدرسة حملني على بغلةٍ شهباء مشتراها ثلاثة آلاف درهم من السَّرج المُفَصَّص واللجام، كان اليوم يوماً يؤرخ، فيا لها قصّةً في شرجها طُول.
تمّ ما نقلتُه من خطه رحمه الله تعالى، وتوفي في التاريخ المذكور، وما أفاده الطالع الذي تخيَّره لجلوس الدرس شيئاً، بل كانت المدّة ستة عشر شهراً.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع