تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الألقاب والأنساب (٥) (٢)

أيدمُر الأمير عز الدين دُقْماق نقيب العساكر المصرية.

كان محبوباً إلى الناس، فيه خيرٌ ورحمة.

توفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رجب سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.

أيدمُر الأمير عز الدين المَرْقبي.

كان من خواصّ الأشرف، وأقام أميراً بدمشق مدة، ثم إنه نُقل إلى طرابلس على إقطاع إمرة، فأقام بها إلى أن توفي هناك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة رحمه الله تعالى.

وكان شكلاً مليحاً.

أيدمُر ابن عبد الله عز الدين السَّنَائي.

كان جندياً، كم اعتقل للغزاة رمحاً وتقلّد هندياً، وله معرفة بالتعبير، وكلامه في ذلك ألطفُ من نسمة عبير، وله معارف أدبية، وصَوارف إلى النكت العربية، ولم يزل يصوغ شعره إلى أن أظلم الوجود في عين السَّنائي، وقَرّب إليه من الحتف ما هو نائي.

وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في أول جمادى الأولى سنة سبع مئة، على ما ذكره الأُدْفُوي في تاريخه البدر السافر.

وكان عتيقَ أَقْطُوان الحاجبي والي قَلْيوب، ووَرِثه ابنه إبراهيم بالولاء.

ومن شعره:

تَخِذَ النسيمَ إلى الحبيبِ رسولاًدنفٌ حَكاه رقّةً ونُحولا
يُجري العيون من العيون صبابةفَتَسيل في أثر الغريق سُيولا
ويقول من حَسد له: يا ليتنيكنت اتخذت مع الرسول سبيلا

ومنه:

بعلبكُ دارٌ ولكنهادارٌ بلا أهل وجيران
كأنها ليلةُ وَصْلٍ مضتوأهلها ليلة هجران

وأنشدني من لفظه العلامة أبو حيان قال: أنشدنا المذكور لنفسه:

سَفَرت فخلتُ الصبحَ حين تَبَلَّجافي جنح فَوْدٍ كالظلام إذا سجا
فتانةٌ فتّاكة من طرفهاكم حاول القلبُ النجاة فما نجا
نَحَلتْ نضيرَ قامَةَ قدِّهاوحَبَتْ مهاة الجزع طرفاً أدُعَجا
تفترُّ عن بَرَدٍ تقيٍّ بَرْدُهبالرَّشف حَرَّ حُشاشتي قد أثْلَجا
ما إن دخلتُ رياض جنّةِ وجههافرأيت عنها الدهر يوماً مَخْرَجا
ولَمَا رشفت رحيق فيها ظامياًفازددت إلا حُرقَة وتوهجا
تعطو برخص طَرَّفته بعَنْدموتُريك ثغراً كالأقاح مُفَلّجا
أنّى نظرتَ إلى رياض جمالهاعاينت ثَمَّ مُفَوَّفاً ومُدَبَّجا
زارت وعُمر الليل في غُلَوائهفغدا من الشمس البهيّة أبهجا
وسرى نسيم الروض ينكر إثرهافتعرَّفَت آثاره وتأرَّجا

وأنشدني أيضاً قال: أنشدني المذكور لنفسه:

وَرَدَ الوَرْدُ فأوْرِدْنا المداماوأرِحْ بالراح أرواحاً هُيامى
واجْلُها بِكْراً على خُطّابهابنت كَرْم قد أبَت ألاّ كراما
ذات ثغرٍ لؤلؤي وَصْفُهفي رحيقٍ رَشْفُه يَشْفي الأُواما
بُرقِعت باللؤلؤ الرطب علىوَجْنَةٍ كالنار لا تألو ضِراما
أقبلت تسعى بها شمس الضحىتُخجل البدرَ إذا يبدو تَماما
بجفون بابليّ سِحرُهاسُقمُها أبدى إلى جسمي السَّقاما
ونضيرُ الورد في وجنتهانَبْتُه أنْبَت في قلبي الغراما
ودّت الأغصانُ لمّا خَطَرتلو حكت منها التثني والقَواما
قال لي خالٌ على وجنتهاحين نادَيْتُ: أمَا تخشى الضِّراما
منذ ألقيتُ بنفسي في لَظىخدِّها ألفيتُ بَرْداً وسَلاما

قلت: شعر متوسط.

أيْدمُر الأمير عز الدين الخطيري.

حَبَسه السلطان بعد مجيئه من الكرك، فسعى له مملوكه بدر الدين بيلبك أستاذ داره مع الأمير سيف الدين طغاي الكبير - الآتي ذكره في حرف الطاء مكانه - ولما خرج طلب حسابه من مملوكه المذكور، فقال له: سعيتُ لم به إلى أن خُلِّصْت. ثم إنه عظم شأنه عند السلطان، وكان يجلس رأس الميسرة، وأعطاه إقطاع مئة وعشرين فارساً، وكان لا يمكنه السلطان من المبيت في داره بالقاهرة، ولد دار مليحة في رُحَيبة العيد فينزل أيها بكرة، ويطلع إلى القلعة بعد العصر، كذا أبدا، وكانوا يرون ذلك تعظيماً له.

وكان في الأصل مملوك شرف الدين أوحد بن الخطير والد الأمير بدر الدين مسعود الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - مكانه، وكان لا يلبس قِباءً مطرّزاً، ولا يدع أحداً عنده يلبس ذلك. وكان يُخرج الزكاة.

وكنت يوماً عند أستاذ داره هذا بدر الدين بيلبك وقد زوّج السلطان ابنته بالأمير سيف الدين قوصون وقد ضربوا لدور الأمير عز الدين الخطيري دينارين وزْنُهما أربع مئة دينار وعشرة آلاف درهم برسم النقوط خارجاً عن عشرة تفاصيل قماش حرير ملونة، وقالوا له: يا خوند هذا السكّر الذي يعمل في الطعام ما يضر أن نعمله غير مكرر؟ فقال: لا، فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرر.

وعمّر الجامع المشهور في رَمْلَة بولاق على البحر وإلى جانبه الربع المشهور، يُقال إنه غرم عليهما نحواً من أربع مئة ألف درهم، وأكله البحر في حياته، ثم إنه رمَّه وأصْلحه بجملة من المال.

ولم يزل على حاله إلى أن وقع الخطيري من الموت في خَطَر، وراح كأنه لم يفز بأمنية ولا وطر.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن.

وخلّف ولدين أميرين: علياً ومحمداً.

وكان ذا شيبة مبيّضة، كأنها في النقاء تجسّدت من دموع مرفضّة، أو تكوّنت من أزاهر روضةٍ غضّة، بوجه يُقطَفُ الورد من وَجَناته، والجلّنار من خمائله وجَنّاته، كريم الكف إذا نوّل، كبير النفس إذا أعطى أحداً أو خَوَّل، فيه تجمّل وحِشمة، وله همة وعزمة.

أَيْدمُر الأمير عز الدين أحد الأمراء بالديار المصرية.

ولاّه الملك الصالح نيابة غَزّة، فتوجّه إليها وأقام بها مُدّة، ثم إنه استعفى بعد موت الصالح وعاد إلى القاهرة.

ولمّا كانت الكائنة على يلبُغا اليحيوي في الأيام المظفريّة رُسم له أن يتوجّه إلى دمشق للحَوْطة على موجود يلبغا والأمراء الذين كانوا معه من إخوته وغيرهم، فحضر إليها ومعه الأمير نجم الدين بن الزيبق في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأقام بدمشق مدة تزيد على الثلاثة أشهر إلى أن أباع موجودهم، وتوجّه بالأموال جميعها إلى مصر هو والأمير شمس الدين آقسنقر أمير جاندار الذي أحضر أرغون شاه إلى نيابة دمشق، ولمّا وصلا بالمال إلى المظفر لم يلبثا إلا قليلاً، قريباً من الشهر، وخرجوا على المظفر، ولم يكن معه أحد من الأمراء إلا الأمير عز الدين الزرّاق وآقسنقر وأيدمر الشمسي، فنقم الخاصكية عليهم ذلك، وأخرجوهم إلى الشام، فوصلوا إلى دمشق نهار العيد أول شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. ورُسم للزرّاق بالمقام في دمشق، ثم ورد مرسوم الملك الناصر حَسَن بتوجهه إلى حلب، فتوجّه إليها في العشر الأوسط من شوال وَرَدَ منشوره إليه فيما بعد بإقطاع الأمير سيف الدين أَسَنْدَمُر الحسني.

وكان ديّناً، وطيء الجانب ليّناً، فيه خير وبرّ، وحِفظٌ لما عنده وسِرّ.

ولم يزل على حاله إلى أن فرغ أجل الزَّرَّاق ورِزقه، واتّسع عليه من الموت خَرْقُهُ، وتوفي رحمه الله تعالى.

وكنت أنا بالقاهرة - في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وكتبتُ تقليده بنيابة غزة ارتجالاً من رأس القلم وهو: الحمد لله الذي زاد أولياء دولتنا القاهرة عزّاً، وجعل أصفياء أيامنا الزاهرة كُفاة تعود الممالك بهم حِرزاً، وجرّد مِنْ أنصارنا كلّ نَصْل راعَ حَداً وراق هزّاً، ووفّق آراءنا الشريفة لأن يكون مَنْ نعتمد عليه يُسنَد إليه العز ويُعزى. نحمده على نَعَمه التي عَمَّت، ومِننه التي طَلَعت أقمارها وتمّت، وأياديه التي قادت الألطاف إلى حَرَمنا وزَمَّت.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مهدّ الإيمان قَصْدها، وجدّد الإيقان عَهْدَها، وشيّد الإدمان مَجْدَها، وأيّد البرهانُ رُشدها.

ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي هدى به الأمة، وبدا به الأمور المهمّة، وجلا بأنوار بعْثَته من الكفر الدياجي المُدْلهمّة، ونفى بإبلاغ رسالاته ثبوت كلّ ثبور، وألَم كلّ ملمّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تلألأت أنوارهم، وتوضحت في آفاق المعالي أقمارهم وتوشّحت بلآلي السيادة أزهارهم، وتفتحت للسعادة بصائرهم وأبصارهم، صلاةً ظلالُ رُضوانها مديدة، وخِلالُ غفرانها عَديدة، ما افترّ ثغْرُ صْبح في لَعَس ظلام، واهتز في الحرب قَدُّ رمحٍ، وتورد بالدم خَدّ حسام، وسلم، وبعد:

فإن ممالكنا الشريفة منها ما هو عالي المكانة، داني المكان مُوَفّر الاستكانة، موفَّى النعمة بالسكان، مُوَطَّأ الأكناف، مُوَطَّد الأركان، موسَّع الأفنية، موشَّع الأفنان، وقد جاوز الأرض المقدّسة، وبَرَزَ رافلاً من خمائله في حلله المقدسة، ونوّه الذكر مَحاسنه لما نوّع الاعتدال خيره وجنّسه. كم فيه من كثيب رمل أوعَسْ، وحديقة إذا بكى الغمام عليها تبسم ثغر زهرها الألعس، وروضٍ حكى القدّ الأملدَ قضيبه الأملس، قد اكْتنفه البَرّ والبحر، وأحاطت به المحاسن إحاطة القلائد بالنحر، وبرز بين مصر والشام برزخاً، وكثرت خيراته فهو لا يزال مَهَبّ رُخاء الرَّخا، وإلى غزة ترجع هذه الضمائر، وعلى سرها تدل هذه الأمائر، كاد النجم ينزل إلى أرضها ليتنزه، وقصّر وصف الواصف عنها ولو أنه كُثَيّر وهي عَزّه، وكانت غُرّة في وجه الشام فنقّطها سواد العين بإنسانه فصارت غَزّه، وكفاها فخراً بما يُروى عنها أن الإمام الشافعي ﵁ منها.

ولما كان المجلس العالي الأميري وألقابه ونُعوته من أعيان هذه الدولة، وأعوان هذه الأيام التي زانها الصَّون والصّولة، قد اتصف بالحلم والباس، والأناة والإيناس، والمهابة التي طَوْدُها راسخ راس، والشجاعة التي مرامها صَعْبُ المِراس، طالما جُرّد منه حسام حُمِدت مضاربه، وجُهّز في جيشٍ نَصَره الله على مَنْ يحاربه، وأطلع في أفق مهمٍّ شريف أحدقت به كواكبه اقتضت آراؤنا الشريفة إعلاء رتبته وإدامة بهجته وسرور مهجته وتوفير حركته، وأنْ نُفَوّض إليه تقدمة العسكر المنصور بغزّة المحروسة،

فلذلك رُسم بالأمر العالي. المولوي السلطاني الملكي الصالحي العمادي أن يستقر فيما أشرنا إليه من ذلك، اعتماداً على ما قلناه من همّته، واستناداً إلى ما جرّبناه من شيمته، واجتهاداً في وقوع اختيارنا الشريف لِمَا أحمدَنا في الإخلاص من ثبوت قدمه، واعتقاداً في نهوضه بهذا الأمر الذي ألبسناه حُلَلَ نِعَمه، وارتياداً لاحتفاله بهذا المهم الذي لا يزال طائعاً طائفاً بحَرَمه، فليستقر فيما فوّضناه إليه مجتهداً في رضى الله تعالى، فإن ذلك أَوْلى ما نطق به اللسان، ورضى خواطرنا الشريفة، وهو مغدوق برضى الله الذي أمر بالعدل والإحسان، معتمداً على طلب الحق الجلي، والإقبال على المُستغيث به بوجه وَضِيّ، خُلُق رضيّ وعزم مَلِيّ، حتى يُنصف المظلوم من ظالمه ويُرشد الضالّ عن الصواب إلى معالمه، ويَبْسُطُ العدل في رعايانا، ويُجريهم على ما ألِفوه من الأمن والمَنّ من سجايانا؛ لأن العدل يُعمِّر البلاد، والجَوْر يُدمِّر العباد، والحاكم العادل من المطر الوابل، والأسَد إذا حَطَم خير من الوالي إذا ظَلَم، وهو يعلم أمر هذه الدنيا وما إليه تَؤول، ويتحقق أنه راعٍ وكل راع مسؤول. والشرع الشريف فليتقدم برفع مَناره، وتعظيم شِعاره، فإنه المحجّة السَّويّة والحجة القَويّة، فما شددنا السيف إلاّ لنُصرة الشرع، ولا نعتقد إلاّ أنه الأصل وبقية السياسات فَرْع. والعَسكر المنصور، فهم منا بمرأى ومسمع، وعنايتُنا بهم تامّة تمنحهم الخير وللشرّ تدفع، فليُراع حالهم ويَرْعَها، ويتّبعْ أصول أمورهم وفَرْعَها: إقطاع من مات منهم إلى رحمة الله تعالى لولده أو لقريبه، وكبيرهم وصغيرهم معامل بتوقيره وتوفير نصيبه

وليُلزمُهُم بعمل الأيزاك المهمّة، والركوب في كل موكبٍ، والنزول في كل خدمة، حتى يكونوا على أهُبّة لورود المهمّات الشريفة والحركات التي هي بهم في كل وقت مُطيفة، والوصايا كثيرة، وتقوى الله تعالى ملاك الأمور، وفِكاك الأعناق من الأوزار وشِباك الأجور، فلا يبرح مِنْ حَرَمها المنيع ولا يسرح في سوى روضها المَريع، فإنّ مَن لازمها سَعِدَ دنيا وأخرى، وحاز في الدارين مَنْقَبة وفخراً، والله يزيده ممّا أولاه، ويُفيده الإعانة على ما ولاّه. والخطّ الشريف - أعلاه الله تعالى - أعلاه حجةً في ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.

إيْرَنْجي بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، وراء بعدها نون ساكنة وجيمٌ وياء آخر الحروف: النُّوَيْن التتري خال القان بوسعيد.

لمّا تبرّم من نائبة جوبان واستيلائه على الأمور واحتجاره عليه، تنفس إلى مقدمين يكرهون جوبان منهم أيْرنجي هذا وقُرْمُشي ودقماق، فقالوا له: إن أردت قتلناه. واتفقوا على أن يبيّتوه، وذلك في جمادى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ووافقهم على ذلك أخو دقماق ومحمد هريرة ويوسف ويعقوب

المسخر، فهيّأ قُرمشي دَعوةً، ودعا جوبان إليها فأجاب ونفّذ له تَقْدمة سنيّة فقبلها، فنصحه تتريّ، فتحفّظ في الهروب، وترك خيامه، وأقبل قُرمشي في عشرة آلاف، وسأل عن جوبان، فقيل: في مخيّمه، فهجم عليه، وثار أجناد جوبان في السلاح، والتحم القتال، فقُتل نحو ثلاث مئة، ونَهبَ قُرمشي حَواصل جوبان، وساق في طلبه، وهرب إلى مَرَنْد معه ولدُه حسن وابنان، فأكرمه صاحب مَرَنْد، وأمَدّه بخيل ورجال، وأتى تبريز، فتلقاه علي شاه وزيّن البلد له، وجاء في خدمته إلى بوسعيد، وأثنى على جوبان وعلى شفقته وأنه والد، ثم دخل جوبان وبيجه كَفَنٌ وهو باكٍ وقال: يا خوند قُتلَتْ رجالي ونُهبَت أموالي، فإن كنت تريد قتلي فها أنا قد حضرت، وقد صرت في تصرفك، فتنصّل القان وتبرّى مما جرى، وقال له: حاربهم فهؤلاء أعداؤنا قال: فيساعدني القان، فجهز له جيشاً مع طاز بن النوين كتبغا ومع قراسنقر، وركب القان مع خواصه مع العسكر، وأما إيرنجي فإنه قصد تبريز في طلب جوبان، فأُغلق البلد في وجهه، وخرج الوالي إليهم، فأهانوه وعلقوه منكوساً حتى وزن أربع مئة ألف درهم، ثم ساروا إلى رَنكان، فالتقى الجمعان، فلما رأى إيرنجي القان وراياته سُقط في يده وقال لأصحابه: السلطان علينا فما الحيلة؟ فقال قرمشي: لا بد من الحرب، فالسلطان معنا، وسيّر قُرمشي إلى جوبان وقال: أنا معك، والتحم القتال وانكسر أيرنجي، وتحوّلت غالب عسكره إلى تحت رايات السلطان، ثم أُسِرَ أيرنجي وقرمشي ودُقماق، وعقد لهم مجلس

بالسلطانية فقالوا: ما تحركنا إلاّ بأمر القان، فأنكر وكذّبهم وأمر بقتلهم، فقال إيرنجي: هذا خَطُّكَ معي أنا، فأنكر وجحد، فضرب إيرنجي بسيخ في فمه فهلك، وطيف برأسه في خراسان والعراق، وذلك في سنة تسع عشرة وسبع مئة، وقُتل قُرمشي ودُقماق مسلماً يُحبّ العرب ويكثر الصدقة، فحلقوا ذَقْنه وطِيف به، ثم رموه بالنُّشَّاب، وباد من المُغْل خَلْقٌ كثير في تلك الواقعة.

وكان إيرنجي هذا في حشمته فريداً، وفي عَظَمته وحيداً، وفي أصله مجيداً، وفي إحسانه مُجيداً، وله مهابة في السياسة، وقُدْرَه على اتّباع الياسه، ولكن البغي على جوبان صَرَعَه، وضَرَب بابَ هلاكِه وقَرعَه، ودخل السيخ فَمَه قال له البغي: قد زدتَ فَمه.

الأيكي: الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر.

أيمن بن محمد البُزولي بالباء الموحدة والزاي والواو واللام: الأندلسي الأصل، التونسي أبو البركات.

أخبرني العلامة أثير الدين قال: هو جندي، أنشدنا له بعضُ أصحابنا يهجو أبا سلامة ناجي بن الطوّاح التونسي أحد الطلبة الأدباء بتونس، وكان طويلاً رقيقاً، فيه انحناء:

ناجٍ من النَّجْو مُشْتَقّ وما العَذِرَهْيوماً بأنْجَسَ مِنْ أرهاطه القَذِرَهْ
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
جِنْس الخراء طويلٌ رقّ منحنياًكبائلٍ قائمٍ والأرض منحَدرَهْ
غَذَتْهُ ألبان فِسق أمُّه وأبىأبوه إلاّ الخنا والفَرْعُ للشجرهْ
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة

قلت: أظن أيمن هذا أبا البركات المعروف بعاشق النبي، وهو أيمن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد، أربعة عشرة محمداً، أتى إلى المدينة الشريفة، وأقام بها.

وأخبرني غير واحد أنه كان أوّلاً كثير الهجو والوقيعة في الناس، لكنه تاب إلى الله تعالى بعد ذلك وأقلعَ وأناب، وألزم نفسه أنه ينظم كل يوم قصيدةً يمدح بها سيّدنا رسول الله ﷺ، وأنه قي وقتِ عَزَم على العود لزيارة أهله بالمغرب؛ فرآه النبي ﷺ في النوم وقال له: يا أبا البركات كيف ترضى بفراقنا؟ أو ما هذا معناه، فعاد وبطّل المُضِيّ إلى أهله، وسمى نفسه عاشق النبي.

أنشدني من لفظه الشيخ الإمام الفاضل بهاء الدين محمد بن علي المعروف بابن إمام المشهد، قال: أنشدني أبو البركات أيمن لنفسه:

فَرَرْتُ من الدنيا إلى ساكنِ الحمىفرارَ محبٍّ عائذٍ بحبيب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
لجأتُ إلى هذا الجنَاب وإنمالجأت إلى سامي العمادِ رَحيب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
وناديتُ مولايَ الذي عنده الشِّفالداءٍ عَليلٍ في الديار غريب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
أمولاي دائي في الذُّنوب وليس ليسواك طبيبٌ يا أجلّ طبيب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
تناومتُ في إظلام ليلِ شبيبتيفأيقظني إشراق صبحِ مشيبي
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
وجئتك لمّا ضاق ذَرْعي بزلّتيوأشفقت من جُرْمي مَجيء سليب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
وما أرتجي إلا شفاعتك التيبها يبلُغ الراجي ثواب مُثيب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
فقال: لك البشرى ظفرت من المنىبأسعد حظّ وافرٍ ونصيب
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
فدامت مسرّاتي وزادَت بشائريوطاب حُضوري عنده ومَغيبي
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
أنا اليوم جارٌ للنبيّ بطيبةٍفلا طِيبَ في الدنيا يقاس بطيبي
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة

ومن شعره أيضاً:

حللتُ بدارٍ حلّها أشرفُ الخلقِمحمدٌ المحمودُ بالخَلْق والخُلْق
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
وخلّفتُ خلفي كل شيء يعوقُنيعن القصد إلا ما لديّ مَنْ العشق
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
وما بيْ نُهوضٌ غيرَ أنيَ طائربشوقي وحسنُ العَوْن من واهب الرزق
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
محمد يا أوفى النبيين ذمّةًظمئتُ وقدْ وافيتُ بابك أستسقي
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
تعاظَمَ إجرامي وجلّت خطيئتيوأشفقتُ من فِعلي القبيح من نُطقي
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
وأنت شفيعٌ في الذنوب مشفَّعٌفخذ لي أماناً في القيامة بالعتق
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة
صلاةٌ وتسليمٌ عليك ورحمةٌعلى الآل والصَّحْب الكرام أولي الصدق
للشاعر عاشق النبي الأندلسي، اقرأ القصيدة

وجدت ما هو منسوب إليه من تثمين الأبيات المشهورة:

للعاشقين انكسارُوذلّة وافتقارُ
وللمِلاح افتخارُوعزّةٌ واقتدارُ
وأهل بَدري أشارواوودّعوني وساروا
يا بدرُ أهلُك جارواوعَلّموك التجرّي
كتبت والوجدُ يُمليجدَّ الهوى بعد هَزْلي
وحار ذهني وعقليما بين بدر وأهل
يا بدرُ فاحْكُمْ بعَدْلإذا أتَوك بعَذْلي
وحرّموا لك وَصْليوحَلّلوا لك هَجري
لولا هواك المرادُما كنتُ ممّنْ يُصاد
ولا شَجاني البِعادُيا بدر أهلك جاروا
غلطتُ جاروا وزادوالكنهم بك سادوا
دع يفعلوا ما أرادوافإنهم أهل بدر

وقد سبقه إلى مثل ذلك أبو عبد الله محمد بن جابر، فقال:

لم يبقَ فيّ اصطبارُمذ خلّفوني وساروا
وللحبيب أشارواجارَ الكرامُ فجاروا
لله ذاك الأُوارُبانوا فما الدارُ دارُ
يا بدرُ أهلك جارواوعلموك التجرّي
كانوا من الودّ أهليما عاملوني بعذلي
أَصْموا فؤادي بنبليا بين بيّنت نكلي
يا روح قلبيَ قل ليأهُمْ دعوك لقتلي
وحرّموا لك وصليوحللوا لك هجري
حسبي وماذا عنادهُمُ المنى والمراد
وإن عن الحق حادواأو جاملوني وجادوا
يا من به الكلُّ سادواوالكلُّ عندي سداد
فليفعلوا ما أرادوافإنهم أهلُ بدر

قلت: الأول أحسن وأكثر مناسبة بالأصل.

قلت: وأقام في المدينة الشريفة ينظم كل يوم قصيدة، ويؤم الضريح الشريف ووصيده، فيفوز بالصلات العتيدة، والهبات التي رياح هباتها مديدة، فواصل لله له الرضى من عاشق، وجعل تربته رَوْضاً لناظر ومِسكاً لناشق.

ولم يزل على حاله إلى أن دنا من قبره فتدلّى، وأعرض عن الحياة وولّى.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.

إيوان

الأمير سيف الدين الناصري، أخو الأمير الدين بُشتاك.

لمّا أُمسكَ أخوه وقُتل أُخرج هو إلى حلب فأقام بها أميراً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر صفر في طاعون حلب سنة تسع وأربعين وسبع مئة.

أيوب ابن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن إبراهيم بن طارق بن سالم، الإمام بهاء الدين أبو صابر بن النحاس الأسدي الحلبي الحنفي، مدرس القليجيّة، وشيخ الحديث بها.

قد سمع من مُكَرَّم، والموفّق يعيش، وابن رواحة، وابن خليل، وجماعة بحلب، وقال إنه سمع الصحيح من ابن رُوْزبة، وسمع ببغداد من الكاشْغَري.

لم يزل بمدرسته في الإفادة، وألِف هو هذه العادة، ورآها كما يرى المحبُّ محبوبته الغادَه، إلى أن نَحا النحاس حَيْنَه وتولع به بينه.

وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.

ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.

أيوب بن سليمان بن مظفر الشيخ المقرئُ المعمّر نجم الدين، مؤذن النجيبي.

كبير المؤذنين، كان يخرج بالسَّواد أمام خطباء الجامع الأموي بدمشق، كان صوتُه عالياً، إلاّ أنه في الطرب غالياً، وله أخلاق مرتاضة وحركاتٌ تُداوي من الصاحب أمراضَه، وله عدة أولاد يَجمع شَملهم ويلتزم حَملَهم.

ولم يزل على حاله إلا أن تعيّن النجيب على النجيبي ووجَبْ، وقضى الناس من أمره العَجَبْ.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة، وعاش تسعاً وثمانين سنة.

أيّوب: بن أحمد بن النجم، المعروف بنجم الحطّيني، يأتي ذكره في حرف النون مكانه.

أيوب بن نعمة ابن محمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر، المُعمَّر المسند زين الدين النابلسي المَقْدِسي الكحّال.

اشتغل على طاهر الكَحّال، وبَرَع في الصنعة وتميّز وتكسب بها.

سمع من المُرْسي، والرشيد العراقي، وعثمان بن خطيب القرافة، وعبد الله بن الخُشوعي، وجماعة، وروى الكثير.

وسمع منه الكبير والصغير. وتفرّد في مصر والشام بما رواه، وساد بما عنده مما ضمّه من الرواية وحواه، وانجفل إلى مصر وأقام بها اثنتين وعشرين سنة يعالج الناس بالكحل ويخصّب أنوار العيون بعد المحل، ثم إنه رجع إلى دمشق وعجز وشاخ، وطفئ جَمْر شبابه وباخ.

ولم يزل على حاله إلى أن أغمض الكَحّال عَينَه فما فُتحت، وقيّد العُدْمُ حواسّه فما سَرحت.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة.

ومولده سنة أربعين وست مئة. وخُرّجت له مشيخة، وأجاز لي بخطّه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.

أيوب الملك الصالح ابن الكامل بن الموحَّد بن المعظَّم توران شاه بن الصالح بن الكامل بن العادل صاحب حصن كيفا.

وصل إلى دمشق في شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة قاصداً الحج، وتوجّه إلى خدمة السلطان الملك الناصر، وحجّ وعاد مسرعاً خوفاً على بلده، وجاء الخبر في ذي القعدة أنه حالَ وصوله إلى الحصن تلقّاه أخوه وهيّأ له مَنْ قتله وقَتَل ولده، واستقل أخوه بمُلك حصن كيفا.

أيّوب السعُودي الشيخ المبارك بزاوية الشيخ أبي السعود بباب القنطرة بالقاهرة.

كان يذكر أنه رأى الشيخ أبا السعود، وأنه سَلك ورآه في طريق الصعود. وضَعُف في آخر عمره، وذاق من العجز والكبر وبالَ أمرِه، فكان يُحمَلُ لحضور الجماعة، ويجد لذلك ألَماً أودعه صُحُفَه وما أضاعه.

ولم يزل على حاله إلى أن استوفى أجلَه، وظن أن الموت جاء على عَجَلة.

وتوفي رحمه الله تعالى في أول صفر سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ودفن بالقرافة في زاوية الشيخ أبي السعود. وقال جماعة: إنهم ما رأوا مِثلَ جنازته، وكان قد قارب المئة.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.