من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الحسين بن علي بن عبد الكافي
ابن علي بن يوسف بن تمام: الإمام الفاضل الفقيه النحوي العروضي الناظم، أقضى
القضاة جمال الدين أبو الطيب ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.
كان ذهنه ثاقبا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبا، حفظ التسهيل لابن مالك، وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك، وحفظ التنبيه، وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه، وقرأ غير هذا.
وكان يعرف العروض جيداً، ويبيت لأركان قواعده مشيداً، وينظم الشعر بل الدرر، ويأتي في معانيه بالزهر والزهر، وكانت مكارمه طافحه، وأنامله غيوث سافحه، كثير التواضع في الملتقى، غزير المروءة لا يصل النجم معه فيها إلى مرتقى، عفيف اليد في أحكامه، لم يقبل رشوة أبداً، ولم يسمع بذلك في أيامه، يتصدى لقضاء أشغال الناس، ويعامل من أساء أو أجرم معاملة متغاض متناس، فأحبته القلوب، ومضى حميداً على هذا الأسلوب. إلى أن نغص شبابه، وتقطعت بمن يوده أسبابه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وقلت أرثيه:
رزء الحسين عظيمٌوهو العذاب الأليم
ومالنا فيه إلاّصوب الدموع حميم
والصبر أولى ولكنصبر الفؤاد عديم
ففي العيون دموعٌتنهلّ منها الغيوم
وفي الحشى زفراتٌمنها تشبّ الجحيم
والليل صار حداداًتقمّصته النجوم
وللسحائب خدٌّمن الرّعود لطيم
والجوّ ضاق خناقاًفما يهبّ نسيم
وما تنفّس صبحٌبل راح وهو كظيم
حزناً لقاضٍ قضى ما الذمام منه ذميم
وكان قاضي عدلٍصراطه مستقيم
يقضي بحقٍّ وصدقٍعن الهوى لا يريم
ترى الثناء عليهقد طاب منه الشميم
يلقى الورى منه وجهٌطلق المحيّا وسيم
وثغره في ابتسامبه يسرّ الغريم
وخلقه مثل روضٍوالنبت منه غميم
وجهٌ حييٌّ وخلقٌسهلٌ وصدرٌ سليم
أحبّه الناس حتّىمظلومهم والظّلوم
فلو يجور وحاشىقضى ارتضته الخصوم
إن الزمان أراهبمثله لعقيم
لو كان يفدى لجادتأرواحنا والجسوم
وإنّما الموت أمرٌلم ينج منه عظيم
وذاك فينا وفي منقد فات داءٌ قديم
قاضي القضاة تصبّرفالخطب فيه جسيم
لكنّ مثلك راسٍلمّا تخفّ الحلوم
قد كان درّة عقدٍوالسلك فيه نظيم
فما يضرّ سناهإن زاك منه قسيم
ودرّه في اتّساقٍوالكلّ درٌّ يتيم
إذا بقي أخواهفسوف تؤس الكلوم
فلا تبت في عذابوقد حواه النّعيم
يصافح الحور منهفي الخلد كفٌّ كريم
وأنت تعلم أنّ الذي دعاه رحيم
وما تقاك ضعيفٌولا نهاك سقيم
وكلّنا سوف نمضيوما عليها مقيم
وكنت أنا قد كتبت إليه:
عندي جمال الدين مسألةٌ غدابيانها فيما لديك محرّرا
إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قدفازوا بما حازوا وقد سادوا الورى
إن جاودوا ألفيتهم صوب الحياأو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى
فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقتلا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا
وأعد جوابي عن سؤالي إنّهلك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا
فكّرت والقرآن فيه عجائبٌبهرت لمن أمسى له متدبّرا
في هل أتى لم ذا أتانا شاكراًحتى إذا قال الكفور تغيّرا
فالشكر فاعله أتى في قلّةٍوالكفر فاعله أتى متكثّرا
فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍإن التوازن في البديع تقرّرا
لكنّها حكمٌ يراها كل ذيلبٍّ وما كانت حديثاً يفترى
فأمنه لا زلت الجواد بفضلهلمن استعان به لإشكالٍ طرا
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورىممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا
قد نال في علم البلاغة رتبةًعنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا
وأراد منّي حلّ مشكلة غداتبيانها عندي كصبحٍ أسفرا
وجوابه أنّ الكفور ولو أتىبقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا
بخلاف من شكر الإله فإنّهبكثير شكر لا يكون مكثّرا
فإذاً مراعاة التوازن ههنامحظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا
فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌكظهور ما بين الثّريّا والثّرى
وكتب هو رحمه الله تعالى إلي ملغزا:
يا أيّها البحر علماً والغمام ندىًومن به أضحت الأيام مفتخره
أشكو إليك حبيباً قد كلفت بهمورّد الخدّ سبحان الذي فطره
خمساه قد أصبحا في زيّ عارضهوفيه باسٌ شديدٌ قلّ من مهره
لا ريب فيه وفيه الرّيب أجمعهوفيه يبسٌ ولين البانة النّضره
وفيه كلّ الورى لمّا تصحّفهوضيعةٌ ببلاد الشام مشتهره
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في ريباس.
؟
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع