من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد
الشيخ الإمام الفاضل بهاء الدين بن تاج الدين أبي الخير الموصلي الحنبلي، شيخ الحديث بالعساكرية، وأحد العدول بمركز المسمارية.
كان شيخاً طوالا، وفاضلاً لا يتمارى ولا يتمالا، ذكي الفطره، زكي العشره، جيد الذهن صافيه، وافي ظل الأدب ضافيه، ينظم جيدا، ولا يدع الكلام يخرج من فيه إلا مفيداً مقيدا. له قدرة على حل الألغاز ونظمها، وقوة على الإصابة في مرامي سهمها.
لم يزل على حاله في الارتزاق بالشهادة إلى أن مات على الشهادة، وأحسن الله إليه معاجه ومعاده، فسكنت شقاشقه، وأصابته من الحمام رواشقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة تسعين وست مئة.
قدم الشام قبل الثلاثين وسبع مئة، وأقام بدمشق إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وتوجه إلى الديار المصرية، وأقام بها دون الشهرين، وعاد، وكان بيده خطابة قرية دومة قريباً من سنة، ثم انفصل منها، وكان يكتب جيداً ويحب المؤاخذة والمناقضة، وقل من سلم منه من أهل عصره. وكتب بخطه كتابي فض الختام عن التورية والاستخدام وقرأه علي.
وكان يروي جامع الأصول عن رجل عن المصنف، كما قال رحمه الله تعالى.
وبيني وبينه مكاتبات ومحاورات ومراجعات ذكرت منها جانباً في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع.
وكان يحب نظم الضوابط، وكتب هو إلي ملغزا:
وما اسمٌ إذا فكرت فيه وجدتهيحلّ بتصحيفٍ محلاًّ مستّرا
بديع فعالٍ ليس يدرك صنعهاإذا فكّر الإنسان فيه تحيّرا
ويزري به معكوسه مطلقاً فإنأتى فيه تصحيف فلا تسأل القرى
فتصحيفه فيه دقيقٌ وبعضهقصيرٌ وبعضٌ قد علا وتجبّرا
وإن صحّف التصحيف من عين فعلهفذلك محبوبٌ إلى سائر الورى
فقد جمع الضدّين نفعاً وضرّةًوجمعاً وتفريقاً وحلواً ممرّرا
وقد جاء في التنزيل آيٌ بذكرهوذلك أمرٌ ظاهرٌ للّذي قرا
وجملته في الليل يمكن حصرهاوإن سيم عدّا في النهار تعذّرا
فكتبت أنا الجواب عنه، وهو في نحل:
قريضك فينا قد غدا شامخ الذّرىنرى طرسه عند البيان مزهّرا
تغوص على المعنى الخفيّ بقدرةٍتريك دجى الإشكال في الحال نيّرا
أحاشيك من عكس الذي قد أردتهوألغزته يا فاضلاً بهر الورى
وحاشاك من تصحيفه فهو خلّةٌغدا بغضها في الناس شيئاً تقرّرا
فلا زلت تهدي للأنام بدائعاًمن النظم ما انهلّ الغمام على الثرى
وكتب هو إلي أيضاً ملغزاً:
وصاحبٌ مستحسنٌ فعلهليس له ثقلٌ على صاحب
فتىً ولكن سنّه ربّمازادت على السبعين في الغالب
قلت وقد قالوا أبن ما اسمهليعلم الشاهد للغائب
ظننتم تصحيف معكوسهيخفى وليس الظّنّ بالكاذب
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في مشط:
أفدي بهاء الدين من فاضلٍفي النّظم لم يخرج عن الواجب
ألغز في شيء غدا حملهعلى رؤوس الناس في الغالب
تراه لا تضحك أسنانهيا حسنه من أصفرٍ شاحب
كم غاص في ليل شبابٍ وكمقد لاح في صبح من الشايب
وكتب هو إلي ملغزاً:
وصاحب مكرّمٍينعته من وصفه
يجود بالنّفع علىمن دهره ما عرفه
وليس يكسى حلّةًإلاّ بها قد أتحفه
ولا يزال عارياًوبرده قد أنجفه
وعكسه مصحّفاًتقبيل ثغرٍ بشفه
فكتبت أنا الجواب، وهو في ميل:
هذا بهاء الدين لايزال يبدي طرفه
ألغز في شيءٍ حكىمن كلّ قدٍّ هيفه
وفيه من ذاك الذيحوشيته بعض الصّفه
بطول شبرٍ رأسهأملس رابي الهدفه
إن غاص في شقّ فمايبلّ إلا طرفه
وكتب إلي كثيراً من الألغاز والأحاجي وغير ذلك، وأثبت بعض ذلك في ألحان السواجع.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع