من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
سليمان بن إبراهيم بن سليمان
القاضي علم الدين أبو الربيع، المعروف بابن كاتب قرا سنقر، في الديار المصرية.
وكان في الشام يعرف بالمستوفي، وورد من الديار المصرية أولاً مستوفي النظر بدمشق، ثم عزل في أيام الصاحب أمين الدين، وصودر، وذلك في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن، ثم إنه باشر نظر البيوت والخاص.
ثم إنه في أيام قطلوبغا باشر صحابة الديوان، وكان في مصر أولاً في زكاة الكارم، ثم إنه باشر عند الأمير سيف الدين منكلي بغا الناصري السلاح دار. وكان أولاً مع والده عند قرا سنقر، وهو خصيص به، وتوجه معه إلى البرية، وعاد منها.
وكان من ذوي المروءات، وأولي الرغبة في الفتوات، يخدم الناس بجاهه وماله، ويولي الإحسان قبل سؤاله.
وكان النظم عنده أهون من التنفس، وأسرع من القطر عند التبجس، فكنت أتعجب من أمره، ويحصل لي نشوة من كؤوس خمره، مع أنه نظم عذب أمضى من عضب، قد خلا من التعقيد والتعاظل المكروه، وانسجم فلا يظهر عليه كلف تكلف، ولا يعروه.
وكان فصيحاً في اللغة التركيه، وما يورده من عباراتها المحكيه، وكان للكتب جماعه، ونفسه في الاستكثار منها طماعه، حصل منها شيئاً كثيرا، واقتنى منها أمراً كبيرا.
وكان خطه أبهى من الرياض، وأبهج من ترقرق المياه في الحياض. وكتب بخطه كثيراً من المجلدات، وجمع مجاميع هي بين الأدباء مخلدات.
وكان في صناعة الحساب بارعا، وفي عقد الجمل للبرق مسارعا.
وصحب الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وجمع شعره ودونه ورواه عنه. وروى من شعر ابن سيد الناس وأكثر منه.
ولم يزل على حاله إلى أن زال من الحياة ملك سليمان، وراح ولم ينفعه مما جمع غير التوحيد والإيمان.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد سابع عشري جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده ثامن عشر المحرم سنة سبع وسبعين وست مئة.
كتب هو إلي وأنا بالقاهرة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة:
يا غائباً غاب عن عيني فلم تنموذاهباً فضله قد شاع في الأُمم
سافرت عنا فطال الليل في سهدٍفنحن بعدك في ظلم وفي ظلم
آنست مصر وأوحشت الشآم فياخلوّه من حلى الآداب والكرم
ليهن مصر صلاح الدين كونك فيأرجائها كاتباً في أشرف الخدم
جمّلت ديوان إنشاءٍ حللت بهيا خير حبر يوشّي الطّرس بالقلم
فما محيّاك إلا بدر داجيةٍوما يمينك إلاّ ركن مستلم
سقياً لأيام أنسٍ كان رونقهابفضل أنسك فينا وافر القسم
نجني فضائلك الغرّ الحسان ولانعبا بروضٍ سقاه وابل الدّيم
أقسمت لا فرق ما بين الجواهر فيعقدٍ وبين الذي تبدي من الكلم
فالله يبقيك ما ناحت مطوّقةٌفيما نرجّيه من سعد ومن نعم
فكتبت أنا الجواب إليه:
بالغت في الجود والإحسان والكرموزدت في شرف الأخلاق والشيم
وما رضيت بغايات الأولى سبقواإلى المعالي ولا ترضى بعزمهم
حتى تحوز على الجوزاء مرتقياًإلى معاني لم تخطر بفكرهم
وتدرك المجد سبّاقا وشغلهمفي عثرة القول أو في عثرة الكلم
كم اجتهدت لعليّ أن أفوز فلمأفز سوى مرةٍ في الدهر بالخدم
وأبعدتني الليالي بعد ذاك وفيقلبي حلاوة ذاك اللطف والشيم
فكنت كالمتمنّي أن يرى فلقامن الصباح فلما أن رآه عمي
فليت دهري يسخو لي بثانيةٍحتى أعود إليها عود مغتنم
وأجتلي أوجه اللذات سافرةًعن كل مغنىً حوى صنفاً من النّعم
فما خلائقك الحسنى التي بهرتعقلي سوى زهرٍ في الروض مبتسم
أو نسمةٍ خطرت بالبان نفحتهاولا أقول سرت بالضّال والسّلم
وما عبارتك المثلى سوى دررٍوالناس تحسبها ضرباً من الكلم
كم التقطت ومولانا يسامرنيجواهر الفضل والآداب والحكم
وكم معانٍ كأنّ السحر نضّدّهالم تبق عندي عقابيلا من السقم
نعم وأبيات شعرٍ راق موردهالم أنسهنّ وما بالعهد من قدم
آها لأيّامنا بالخيف لو بقيتعشراً وواهاً عليها كيف لم تدم
يا سيداً بندى يمناه صحّ لناأنّ الغمام بخيلٌ غير منسجم
وماجداً جدّ في كسب العلى فغداتخشى الصوارم منه صولة القلم
شوقي إلى لثم ذاك زاد علىشوق الرياض إذا جفّت إلى الديم
ووحشتي لمحياك الجميل هل استوحشت قطّ لبدر التم في الظلم
ووحشتي لفوات القرب منك كماتجسّر الساهد المضنى إلى الحلم
فهذه بعض أشواقٍ أكابدهافي وصفها قلمي ساوى لنطق فمي
أظهرت وجدي ولم أكتم لواعجهومن يطيق خفا نار على علم
وأنشدني غالب نظمه من لفظه لنفسه، فمما أنشدني لنفسه قوله ينحو فيه ما نحاه الشيخ تقي الدين السروجي في أبياته المشهورة:
قصّة الشوق سر بها يا رسولينحو من قربه مناي وسولي
عند باب الفتوح حارةٌ بها الدين تحت الساباط قف يا رسولي
وإذا ما حللت تلك المغانيقف بتلك الطلول غير مطيل
وتأمّل هناك تلق غرير الطرف أحوى يرنو بطرفٍ كحيل
من بني الترك فاتر الطرف يرميبنبال الجفون كل نبيل
ألفيّ القوام قد ألف الهجر دلالاً على المحبّ الذليل
فإذا قال أُوزي نجك در سلام بركيف حال المضنى الكئيب العليل
قبّل الأرض ثم قدّم إليهقصةً قدّمت بشرح طويل
فإذا قال أُوزي نجك در سلام بركيف حال المضنى الكئيب العليل
قل قلن خش دا كل تلاماس دنادن إلاّ سني بلا تطويل
كال سني كرمسكين كشي شفّه الوجد فأضحى حلف الضنى والنحول
وأما أبيات الشيخ تقي الدين عبد الله بن علي السروجي فأنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين أبو الفتح اليعمري والقاضي الرئيس عماد الدين إسماعيل بن القيسراني،
كلاهما قال: أنشدنا من لفظه لنفسه الشيخ تقي الدين السروجي، وأكثر الأبيات أنشدنيها القاضي عماد الدين:
يا ساعي الشوق الذي مذ جرىجرت دموعي فهي أعوانه
خذ لي جواباً عن كتابي الذيإلى الحسينيّة عنوانه
فهي كما قد قيل وادي الحمىوأهلها في الحسن غزلانه
امش قليلاً وانعطف يسرةًيلقاك درب طال بنيانه
واقصد بصدر الدرب دار الذيبحسنه يحسن جيرانه
سلّم وقل يخس من كي مناشت حديثاً طال كتمانه
كنكم كرم ساوم اشي أط كبيفحبّه أنت وأشجانه
واسأل لي الوصل فإن قال يقفقل أُوت قد طال هجرانه
وكن صديقي واقض لي حاجةفشكر ذا عندي وشكرانه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غرامي فيك قد أضحى غريميوهجرك والتجني مستطاب
وبلواي ملالك لا لذنبوقولك ساعة التسليم طابو
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أيا من قد رمى بسهممن الأجفان فهو أشدّ أقجي
أيحسن منك أن أشكو غراميفتعرض نافراً وتقول يقجي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قلت له كم تشتكيوتشتهي خذ واتكي
فقال: لا قلت: لهلا تشتهي وتشتكي
وأنشدني من لفظه لنفسه، وقد توفيت زوجته:
إنّي لأعجب لاصطباري بعدماقد غيّبت بعد التنعّم في الثرى
هذا وكنت أغار حال حياتهامن مرّ عاطفة النسيم إذا سرى
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أقول لقلبي حين غيّبها الثرىتسلّ فكلٌّ للمنية صائر
وفي كل شيء للفتى ألف حيلةولا حيلةٌ فيمن حوته المقابر
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تقول بحقّ ودّك عدّ عنّيودعني ما الكؤوس وما العقار
وهاريقي وكاسات الحمّياوذق هذا وذا ولك الخيار
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا تقل قد قبلت عقد نكاحٍوبصدق الصّداق لا تك راضي
وإذا ما عجزت قل بالتسرّيلم، وإلاّ بغير علم القاضي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قالت وقد راودتها عن حالةيا جارتي لا تسألي عمّا جرى
إني بليت بعاشق في أيرهكبرٌ فلا فلسٌ ويطلب من ورا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع