تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

علي بن محمد بن خطاب

الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه الأصولي النظار علاء الدين الباجي الشافعي.

سمع بدمشق من أبي العباس التلمساني جزء ابن جوصا.

كان في أهل مصر شامه، ولكل من أم في علم إمامه، قل من جاء بعده مثله ورأى أمامه. طلق العبارة، إذا أرسل سهم بحث لا يخطئ الإشارة. ناظر العلامة

تقي الدين بن تيمية، وفاز دونه بالأولوية. وكان يباحث كل من قل وجل. ويسقي الوبل الغدق لا الطل. ولم يسمع منه بحث نازل، ولا خلت من فوائده ربوع الديار المصرية ولا المنازل.

وكان آية من الآيات، وغاية نأت عن لحاق شأوها من الغايات:

لا تجسر الفصحاء تذكر عندهبحثاً ولو كان الهزبر الباسل

ولم يزل يقرئ الطلبة ويفيد، ويبدي الغرائب لهم ويعيد، إلى أن ناجى الباجي حمامه وبكاه حتى على الأراك حمامه.

وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سادس ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة بالقاهرة.

ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.

صنف وأفتى وناب في الحكم بالشارع خار القاهرة، واشتغل الناس عليه طائفة بعد طائفة. واختصر المحرر في الفقه، والمحصول في الأصول، مختصرين: كبيراً وصغيراً، واختصر كشف الحقائق في المنطق، وصنف في الفرائض والحساب، ورد على ما بيد اليهود من التوراة، ورد على ذلك اليهودي الذي سأل الفتيا نظماً، وقد تقدمت في ترجمة الشيخ علاء الدين القونوي، وعمل رده نظماً.

وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول: العلاء يطلق عليه عالم. وحضر درسه في المدرسة الصالحية، فوقع بحث في كلام الغزالي في الوسيط، فقال

الباجي: الغزالي عدل في العبارة المقتضية كذا، حتى لا يرد عليه كذا. وهذا العبارة التي قالها يرد عليها خمسة عشر سؤالاً، وسردها. فقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: كم سنك؟ فقال: كذا، فقال: وهذا كله حصلته في هذا السن.

وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: قال شيخنا العالم الثقة نجم الدين الأصفوني: حضرت درس الشيخ تقي الدين، فقال: يا فقهاء جاء شخص يهودي، ويطلب المناظرة. فسكت الناس. وقال الباجي: أحضروه، فنحن بحمد الله مليون بدفع هذه الشبه. وقال لي رحمه الله تعالى لما أحضروا ابن تيمية، طلبت في جملة من طلب، فجئت لقيته يتكلم، فلما حضرت قال: هذا شيخ البلاد، فقلت: لا تطرني ما هنا إلا الحق، وحاقته على أربعة عشر موضعاً، وغير ما كان كتب به خطه.

وكان أخيراً قد نسب إليه كلام، واختفى بسببه مدة، وكان له ابنان فاضلان تكلما عنه، ثم إنه تقشف، وصار بفرجية مفتوحة لطيفة، وعمامة بكراثة لطيفة جداً لا تكاد تظهر.

وتولى تدريس السيفية، وكان معيداً بالمنصورية والصالحية.

ورأيت أنا شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يعظمه كثيراً إلى الغاية، ويثني على فضائله المنوعة. وكان قد ولي وكالة بيت المال بالكرك في الأيام الظاهرية.

وقال شيخنا البرزالي: أجاز لنا جميع ماله روايته.

وأنشدني قاضي القضاة تقي الدين السبكي من لفظه أبياتاً رثاه بها، ومنها:

فلا تعذليه أن يبوح بسرهعلى عالم أودى بلحد مقدس
تعطل منه كل درس ومجمعوأقفر منه كل ناد ومجلس
ومات به إذا مات كل فضيلةوبحث وتحقيق وتصفيد مبلس
وإعلاء دين الله إن يبد زائغفيخزيه أو يهدي بعلم مؤسس

وكان شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان يثني عليه كثيراً. أخبرني قال: قرأ عليه يسيراً من مختصره في أصول الفقه، وسمعن عليه دروساً، وأنشدني من لفظه لنفسه:

رثى لي عذلي إذ عاينونيوسحب مدامعي مثل العيون
وراموا كحل عيني، قلت: كفوافأصل بليتي كحل العيون

قلت: كأن الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى نظر في هذا المعنى إلى قول السراج المحار:

شكوت الذي ألقاه من ألم الهوىوقلبي عن وصف الأطباء في شغل
وقالوا اشرب المغلي تجد فيه راحةفقلت: وذا أصل الذي بي من المغل

وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدنا الباجي لنفسه:

بالبلبل والهزار والشحروريسبى طرباً قلب الشجي المهجور
فانهض عجلاً وانهب من اللذة ماجادت كرماً به يد المقدور

وأنشدني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي إجازة، قال: أنشدنا لنفسه:

حياة وعلم قدرة وإرادةوسمع وإبصار كلام مع البقا
صفات لذات الله، جل، قديمةكذا الأشعري الحبر ذو العلم والتقى

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.