من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن الحسن بن سباع
الشيخ الإمام العروضي، شمس الدين الصائغ الدمشقي.
كان من مشيخة الأدب، والناس ينسلون إليه من كل حدب، أقرأ الناس في دكانه بالصاغة زمانا، وأخذوا عنه لشعرهم ميزانا، والعروض أول ما كان يعرف، وينفق من حاصله لمن يقصد ويصرف.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الصائغ في الأحياء ضائعا، وصوح روض الأدب منه، وكان به ضائعا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الثلاثاء ثالث شهر رمضان المعظم سنة عشرين وسبع مئة. والصحيح أنه مات في ثالث شعبان.
ومولده في صفر سنة خمس وأربعين وست مئة.
رأيته غير مرة وكان يتردد إلى القاضي قطب الدين بن شيخ السلامية، وينفق آدابه عليه، وله نظم كثير، ونثر كثير، وشرح " ملحة الإعراب "، و" اختصر صحاح " الجوهري، فجرده من الشواهد، وله قصيدة عارض بها " القصيدة الهيتية " التي لشيطان العراق، فما داناها وشرحها على هوامشها، وملكتها بخطه وأخرجتها عن
يدي، " وشرح الدريدية " في مجلدين من أربعة، ملكتها بخطه، وقد أخرجتها عن يدي لما وقعت على أشياء في الشواهد ضبطها بخطه على غير الصواب، وله " المقامة الشهابية " وضعها للقاضي شهاب الدين بن الخويبي، ملكتها بخطه مشروحة.
ومن شعره:
إن جزت بالموكب يوماً فلاتسأل عن السيارة الكنس
فثم آرام على ضمرلله ما تفعل بالأنفس
بأحمر هذا وذا أصفروأخضر هذا وذا سندسي
فقل لذي الهيئة يا ذا الذيينقل ما ينقل عن هرمسي
قولك هذا خطأ باطلأما ترى الأقمار في الأطلس
قلت: أخذه من سيف الدين بن قزل المشد ونقصه، لأنه قال:
زعم الأوائل أنماتبدو الذوائب للكواكب
وتوهموا الفلك المعظم أطلساً ما فيه ثاقب
أتراهم لم ينظرواما في الزمان من العجائب
كم من هلال قد غدافي أطلس وله ذوائب
وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين أحمد بن عز الدين الفارقي الموقع قال:
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين الصائغ ملغزاً:
ما اسم إذا عكستهرأيته بنفسه
كذاك إن ضاعفتهلم يختلف بعكسه
قلت: هو في سدس وضعفه ثلث، وهذا في اللغز البديع.
وقال الشيخ شمس الدين الصائغ وهو بمصر يتشوق إلى دمشق:
لي نحو ربعك دائماً يا جلقشوق أكاد به جوى أتمزق
وهمول دمع من جوى بأضالعيذا مغرق طرفي وهذا محرق
أشتاق منك منازلاً لم أنسهاأنى وقلبي في ربوعك موثق
طلل به خلقي تكون أولاًوبه عرفت بكل ما أتخلق
وقف عليك لذا التأسف والبكاقلبي الأسير ودمع عيني المطلق
أدمشق لا بعدت ديارك عن فتىأبداً إليك بكله يتشوق
أنفقت في ناديك أيام الصباحباً وذاك أعز شيء ينفق
ورحلت عنك ولي إليك تلفتولكل جمع صدعة وتفرق
فاعتضت عن أنسي بظلك وحشةًمنها وهي جلدي وشاب المفرق
فلبست ثوب الشيب وهو مشهرونزعت ثوب الشرخ وهو معتق
ولكم أسكن عنك قلباً طامعاًبوعود قربك وهو شوقاً يخفق
منها:
والريح تكتب في الجداول أسطراًخط له نسخ النسيم محقق
والطير يقرأ والنسيم مرددوالغصن يرقص والغدير يصفق
ومعاطف الأغصان غنتها الصباطرباً فذا عار وهذا مورق
وكان زهر اللوز أحداق إلى الزوار من خلل الغصون تحدق
وكأن أشجار الغياض سرادقفي ظلها من كل لون نمرق
والورد باللون يجلو منظراًونسيمه عطر كمسك يعبق
فبلابل منها تهيج بلابليولذاك أثواب الشقيق تشقق
وهزاره يصبو إلى شحرورهويجاوب القمري فيه مطوق
فكأنما في كل عود صارخعود حلا مزمومه والمطلق
والورق في الأوراق يشبه شجوهاشجوي وأين من الطليق الموثق
قلت: وهي طويلة جداً، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الأول من " التذكرة " التي لي.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع