من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن الحسن بن محمد
الخطيب كمال الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الإمام العلامة نجم الدين أبي محمد ابن الشيخ كمال الدين القرشي الأموي القرطبي الأصل الصفدي الخطيب بن الخطيب بن الخطيب، الدمشقي المولد.
كان خطيباً مصقعا، وأديباً ترك ربع البلاغة بعده بلقعا، كم أسال الدموع وفضها على الخدود من الخشوع، وكم علا ذروة المنبر واستقبل الناس فقالوا: هذا بدر قد بدا في سماء من العنبر. ليس للحمائم مثل أسجاعه إذا غردت، ولا للفصحاء مثل عبارته التي جمعت أنواع البيان فتفردت.
وكان ممن ينظم وينثر، ويجري قلمه في ميدان البلاغة ولا يعثر، يأتي فكره بقصائد كأنها قلائد، ونثره برسائل كلها فرائد:
لا تطلبن كلامه متشبهاًفالدر ممتنع على طلابه
كلم كنظم العقد يحسن تحتهمعناه حسن الماء تحت حبابه
خطب في حياة والده، وهو خالي الوجنة من النبات، وحير العقول بماله من الإقدام والثبات، وكان وهو أمرد يفتن القلوب بنظره، ويقسم الأفق أنه أحسن من قمره.
ومات والده وهو عار من حلي الآداب سار في ميعة الصبا والشباب، فلما مات والده - رحمه الله تعالى اجتهد ودأب، وتمسك بعرا الفضل والأدب، فنظم ونثر وكتب.
ولم يزل على حاله إلى أن خاطبه الخطب فجاءه، ولم يدفع الطبيب داءه.
وتوفي رحمه الله تعالى - يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده بدمشق، تقريباً سنة تسع وسبع مئة.
صلى الظهر بالناس يوم الاثنين، وجاء إليه المؤقت فقال له: إن بعض المؤذنين ما يلازم التأذين، فأحضره وأنكر عليه، وحصل له منه غيظ، دخل بعد ذلك إلى بيته ونام فجأة على فراشه. وكذلك توفي والده رحمه الله تعالى - فجأة بصفد أيضاً، وقد تقدم ذكره في حرف الحاء مكانه.
وكان الخطيب كمال الدين يكتب خطاً حسناً وهو من بيت بلاغة وكتابة، وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات، ذكرت أكثرها في كتابي " ألحان السواجع بين البادي والمراجع "، وكنت أود ما يوده، وأختار ما يختاره من مسكنه دمشق - رحمه الله تعالى - وما اتفق له ذلك.
وكان قد كتب هو إلي من صفد في أواخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
سلام كنشر المسك يسري ويعبقعلى معهد كالبدر يعلو فيشرق
ومشهد أنس حله من أحبتيموال لهم في شاهد المجد مشرق
وسادات عز قيدوا القلب في الهوىعلى حبهم والدمع في الخد أطلقوا
يذكرنيهم كل شيء يروقنيفلي بهم مع كل حسن تعلق
ويذكي فؤادي هجرهم وبعادهمولي نحوهم في كل حين تشوق
يردده سار ينم به الشذاويخبر عن جار من الدمع يسبق
ويتلو على سمع التعطف منهمحديثي عسى يوماً يرق ويشفق
ويرفع حالاً نكرت وصف لمتىبعطف ابتداء لي على الود ينسق
وينسخ أشواقي بريحان قربهويرقمه حقاً دنوي المحقق
أأحبابنا إن لم أفز بلقائكمفمنوا بطيف في الكرى وتصدقوا
فقد طال هذا البعد والزمن انقضىبأحلام قرب لا تتم فتصدق
وإن كان مع بعدي صحيحاً ودادكمأكيد ولكن التداني أوفق
سقى دوحةً كنا نلوذ بظلهامن القرب سحاح الندى متدفق
وحيا زماناً كان فيه بوصلكملسان حبوري بالمسرات ينطق
فما كان أهنا عيشنا وألذهوما راعنا بعد ولا شاب مفرق
ولا فرقت أيدي الحوادي شملناولا بات قلبي من لقا البين مورق
فواهاً على أوقات قرب قطعتهابكم وشبابي مائس الغصن مورق
ووصلكم داني الجنى في ربا المنىوصافي التصافي بيننا يترقرق
مضت بسلام ثم أعقبت الأسىفؤاداً سوى إعراضكم ليس يفرق
فما ذات طوق راعها فقد إلفهاوأشجى حشاها بينه والتفرق
وأنطقها بالنوح في الدوح والبكاغريم غرام شفها والتحرق
بأشجى فؤاداً أو أشد تشوقاًوأحرى لعبرات بها العين تشرق
وأبرح مني أو بأذكى تلهباًعلى قرب إلف أو على الطيف يطرق
لعمري لقد كنت البعيد مزارهفحبك في سوداء قلبي ملصق
وإن تنكر الأيام ما لي عندهافأنت على دعوى ودادي مصدق
فديتك كن لي في ودادي معاضداًفأنت بإسعادي أحق وأخلق
ورأيك مسعود فكن لي مساعداًفإنك ذو الرأي السعيد الموفق
وإن أنت لم تسمع لقول شكايتيفعش سالماً مما يسوء ويرهق
فشكري أياديك الجميلة واجبأقوم به ما دمت أحيا وأرزق
وأسجع من مدحي بكل غريبةلأني بعقد المن منك مطوق
فدم في بقاء ينبت العز والغنىفأنت لنا الكنز الذي منه ننفق
يقبل الأرض التي يسأل الله تعالى أن يحمي حماها من الغير، ويجعلها كعبة تطوف بها الآمال والفكر، وأن يمنح ربها من مزيد النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينهي أشواقه التي أصبح من حرها على خطر، ويذكره الذي كم له فيه من وطر، فلا يخلو منه أين كان ولا أنى نظر، وصحيح وده الذي هو بنقل الثقات معتبر، وحديث حبه المستطر، وقديم ولائه الذي هو للسان الملأ سمر.
وتلك نسبة رق قد عرفت بهاحفظ الولا منكم حق لها يجب
يا مالكي أين إسعافي بما طمعتنفسي به من بعيد الدار يقترب
فقد سئمت حياتي مع بعادكموقد خشيت الردى تأتي به النوب
وإن قضيت ولم يقض اللقاء لنافكم مضى بحزازات الحشا وصب
فلا تعينوا على قلبي بقسوتكمفقد كفاه الجفا والشوق والنصب
وإن تباخل أحبابي بقربهمفالرسل والطيف يكفي الصب والكتب
وإن تجنوا برفع الود من خبرفالعبد للحب في الحالين ينتصب
فكتبت أنا الجواب إليه من رأس القلم ارتجالاً:
تحية ذي ود براه التشوقوأضناه بل أفناه وجد مؤرق
تروق كم راقت معاني حديقةإليها عيون الناظرين تحدق
وتأتي بلطف من تخص ربوعهكدمعة صب ودقها يترقرق
إلى مجدك السامي البنا الغامر الثناتروح وتغدو دائماً تتأنق
بعثت كمال الدين نحوي مشرفاًعقود لآليه لجيدي تطوق
تنزهت منه في رياض بلاغةبها أدب أنهاره تتدفق
كأن قوافيه كؤوس يديرهاعلى السمع مني البابلي المعتق
قوى في قوافيه التي قد تمكنتيخور لها عند البيان الخورنق
به ألفات كالغصون تقومتمن الهمز يعلوها الحمام المطوق
ولا عين إلا مثل عين مريضةيهيم بها في الناس من يتعشق
ولا ميم إلا مبسم من رضابهرضاب يحاكيه المدام المروق
وأين البها أعني زهيراً فلو رأىأزاهر هذا كان في الحال يطرق
وذلك شعر ليس للناس مثلهولكن ذا أندى وأحلى وأرشق
وذاك قريض قد سما للسما وذاعلى أذن الجوزاء قرط معلق
وذاك إمام في البلاغة شاملوهذا موشى بالبديع موشق
فأذكرتني عهد الصبا بقدومهوذلك عهد الصبا معرق
إذا ذكرت نفسي زماناً قطعتهوغصن الصبا ريان باللهو مورق
تصوب على خدب سحائب أدمعفلولا زفيري كنت بالدمع أغرق
ولو كان لي صبر لقيت به الأسىولكن ثوب الصبر عني ممزق
فيازمني بالغت في عكس مقصديفما لي بالحرمان أرزى وأرزق
فلا وطني يدنو ولا وطري أرىومن دون ما أبغيه هام تفلق
أمولاي مدت بيننا حجب النوىوما رفعت والعمر من ذاك أضيق
فإن كان مولانا صفد صفتفإنك قد جلت بقربك جلق
وهبك خطيباً قد علا فوق منبرأما في دمشق منبر بك أليق
أدم شق لج البين في عرصاتهافكم من أناس أفلحوا مذ تدمشقوا
وجدد لباس العز في غير ربعهافطول مقام المرء في الحي مخلق
وضم بنا شمل التآلف واللقابأسحم داج عوض لا نتفرق
فكل مكان ينبت العز طيبوفي كل أفق للسعادة مشرق
فلو وضحت لي من مرادك لمحةلكنت لوفد الريح والبرق أسبق
فما أنا في حفظ الوفا متاصنعاًولا أنا للزور القبيح منمق
وأنت فتدري ما قضته جبلتيفما أدعي إلا وأنت تصدق
ولكن دهراً قد بلينا بأهلهأباعوا به ثوب النفاق ونفقوا
أناس تنازلنا إلى أن ترفعواعلينا ألا يا ليتهم لو ترفقوا
فكانوا أصولاً في صحائف عزهمونحن على بعض الهوامش ملحق
فثق بقضاء الله وارض بحكمهفلي أمل لا بد فيك يحقق
يقبل الأرض وينهي ورود المثال الكريم الذي فضح كماله القمر، وسلب بسحره الألباب وقمر، وأحيا رسم البلاغة، فساد بما شاد وعمر، وهمى غمام فضله وسقى رياض الفصاحة وهمر، وقسم نظمه ونثره فهذا للندامى غناء، وهذا للمحدثين سمر، وخالف العادة لأنه جاء بستاناً في ورقه، إلا أن جميعه زهر وثمر، وأمر ونهى في سلطان فضله، فأذعن الفصحاء له وقالوا له: السمع والطاعة فيما نهى وأمر، وأطرب
المسامع فعلم أن من أنشأه لو شاء بالطرس طبل وزمر، فوقف المملوك على أبياته وآمن بآياته وعلم أنه يقصر عن مباراة مباديه وهو في غاياته، وتصور عتبه فتضور وتفكر في أمره الأمر فتكفر، وتربض لما يدبره في معناه فما تصبر، وترفق للحيلة فما رأى لها دليلاً تقرر، وتحرى فيما يعتمده فما وجد فيه بحثاً تحرر:
سوى حضورك في أمن وفي دعةليقضي الله ما نرجو ونرتقب
أو فالتصبر أولى ما ادرعت لهفالسول يقضى به والقصد والأرب
فلي أماني خير فيك أرقبهاأرى بعيد مداها وهو مقترب
فلا يضيق لك صدر من أذى زمنأيامه تمنح الحسنى وتستلب
وربما كان مكروه الأمور إليمعروفها سبباً ما مثله سبب
وكنت قد كتبت له توقيعاً من الفخري لما كان بدمشق، على أن يكون موقعاً بصفد في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، ونسخته:
رسم بالأمر العالي، لا زال يزيد بدور أوليائه كمالا، ويفيد سفور نعمائه جمالاً، ويعيد وفور آلائه على من بهر بفوائده التي غدا سحر بيانها حلالا، أن يرتب المجلس السامي القضائي الكمالي في كذا، لأنه الأصيل الذي ثبت في البيت الأموي ركنه، وتفرع في الدوحة العثمانية غصنه، وكمل قبل بلوغ الحلم حلمه، فلم يكن في هضبات الأبرقين وزنه، وألف حين أشبل غاب المجد حتى كأنه كنه، والبليغ الذي تساوى في البديع نظمه ونثره، وخلب العقول من كلامه سحره، وفاق زهر الليالي لآليه
ودراريها دره، والفاضل الذي ألقى إليه العلم فضل الرسن ومج السهاد فم جفنه وغيره قد ذر الكسل فيها فترة الوسن، وبهر في مذهبه فللشافعية به كما للحنفية
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع