من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
يونس بن عبد المجيد
ابن علي بن داود الهذلي، القاضي سراج الدين الأرمنتي.
كان من الفقهاء الفضلاء، الأدباء الشعراء، المحمودين السيرة في القضاء.
سمع من الشيخ مجد الدين بن أبي الحسن بن علي بن وهب القشيري، والحافظ أبي الحسين يحيى بن علي العطار، وعمر بن موسى العامري، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة.
وحدث بقوص وغيرها، واشتغل على مجد الدين القشيري، وأجازه بالفتوى، وورد مصر للاشتغال، وأعاد بالمدرسة المعروفة بزين التجار، كان هو والفقيه نجم الدين بن الرفعة معيدين بها، قال نجم الدين بن الرفعة: كنت مرة في الإعادة، فصار الطلبة يأتون إليّ، ولا يجلسون إليه، حتى وصلت الحلقة إليه، فقام، وأخذ سجادته على كتفه، ونظر إليّ، وقال: أروح الى الجامع، آخذاً دروساً في الأصول والنحو، يعني أنك ما تدري هذا.
وكان حسن المحاضرة، مليح المحاورة، صنّف المسائل المهمة في اختلاف الأئمة، وكتاب الجمع والفرق.
ولاه قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز القضاء بإخميم، وعملها، ثم أقره الشيخ تقي الدين مدة، ونقله الى البهنسا، فأقام بها فوق عشرين سنة، ثم ولاه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بلبيس والشرقية، ونقله الى قوص بعد كمال الدين السبكي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص من لسعة ثعبان في خامس عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده بأرمنت سنة أربع وأربعين وست مئة.
وكان لأبيه نظم وأدب.
قال كمال الدين الأدفوي: أنشدته ارتجالاً حين خرج من عند ابن جماعة:
سراج الدين سر في طيب عيشقرير العين محمود الفعال
وقد كملت مسرّتكم وتمّتوقيت النّقص من عين الكمال
قال: ورأيت بخطه على كتاب:
الحال مني يا فتىتغني عن الخبر المفيد
وبغير سكين ذبحت وأدرجوني في الصعيد
وكان كذلك لم يخرج من قوص، وكان يروي التنبيه والمهذّب بالسند.
قال: وأنشدني لنفسه في شروط الكفاءة:
شرط الكفاءة حرّرت في ستّةينبيك عنها بيت شعر مفردُ
نسبٌ، ودينٌ، صنعة، حريةفقد العيوب، وفي اليسار تردّدُ
قلت: الكفاءة عند الشافعي واجبة، فلا يجوز لأحد من الأولياء أن يزوج المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء، فإن رضوا بإسقاط الكفاءة، صحّ النكاح، خلافاً للإمام أحمد بن حنبل ﵁، حيث ذهب الى أن الكفاءة شرط في الصحة، وسبيل من سلك الطريق القطعي في بطلان مذهبه أن يقول: فقد تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة ﵄، وأبوها سيّد البشر.
والكفاءة سبعة أمور: وهي الدين، والنسب، والصنعة، والحرية، والتنقي من العيوب، واليسار على أحد الوجهين، وأن لا يكون الزوج مولىً للزوجة أو أهلها، فموالي قريش ليسوا أكفّاء لقريش، وفي وجه أنهم أكفاء لأن موالي القوم منهم.
وقال كمال الدين الأدفوي: وأنشدني لنفسه في التعارض بين الاحتمالات، وتقديم بعضها على بعض:
مجازٌ وإضمارٌ ونقل وبعده اشتراك، وقبل الكل رتبة تخصيص
متى ما يكن إثنان منها تعارضافقدم ما قدمت واحظ بتلخيص
قال: وأنشدني له:
إن ترمك الأقدار في أزمةٍأوجبها أجرامك السالفه
فافزع الى ربك في كشفهاليس لها من دونه كاشفه
ومن شعره:
وشادن زار بعد يأسٍكالغيث وافى على قنوط
وبات يجلو عليّ كأساًجاءت بحلّ الدم العبيط
ولم نثلّث إذا ختلسناإلا بإثم بنا محيط
فقلت والليل في شبابٍعاجله الصبح بالوخوط
مشمّر ذيله لسيرتشمير ذي الرحلة النشيط
بالله يا صبح لا تزرناوالصبح حربٌ لقوم لوط
ومن شعره:
يا أهل ودي وما أهلاً دعوتكمُبالحقّ لكنها العادات والدرب
أبدعة ظهرت في الحب حادثةبالغدر أم رجعت عن دينها العرب
ومنه:
أيا ميُّ إن البين أعمى بصيرتيفلم أدر بعد اليوم رَشداً ولا غيّا
وإني لأسقي حيّكم من مدامعيوأعجبُ من ذا ميت قد سقى الحيّا
وقلبه موالياً فقال:
لما بدت بين أتراب لها من طيْخودٌ طوت ثوب صبري بعد نشره طيْ
قلت سقيتُ بدمعي حيّكم يا ميْقالت: عجب ما رأينا ميت يسقي الحيْ
ومنه:
يا صاحبيّ ديار عَلوهْظهر الهوى الخافي المموّهْ
والصبّ يوثقه الجوىوتخلّف الرفقاء جفوه
فقفا وإلا فالهوىيستوقف المشتاق عنوه
وسلا على قدريكمافأعزُّ ما في الحب سلوهْ
لا بأس أن يشكو المعاهدَ، أو يبثّ الدار شجوه
يا سطوة البين المشتّ وهل لغير البين سطوه
خلّفتني أشكو الصفاشكوى الخليل خليل صفوه
بتأوهٍ أعيا الصدالو كان ينجو من تأوّه
بأبي أُوَيْطان تسقّيتُ الهوى فيهنّ قهوه
بلواحظ شهدت سراها بقلبي ألف غزوه
وأنا المطيع الحب إلافي تأمّره بخلوه
سافرت في العلياء حتىصرت شهوة كل شهوه
لا أستجيب لغير مدح الشيخ شمس الدين دعوه
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع