من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
محمد بن يوسف الحلبي التادفي
الشافعي محمد بن يوسف بن عبد الرحمن قاضي القضاة، أبو اللطف كمال الدين الربعي، الحلبي، التادفي، الشافعي، ذكره شيخ الإسلام الوالد في الرحلة وقال في وصفه: الشيخ الأوحد، والأصيل الأمجد، ذو النسب الذي طارت مناقب نزاهته كل مطار، وانتظمت أسلاك إصالته في أجياد الأسطار، وسرت سمات فضيلته مسار نسمات باسمات الأزهار، إلى أن قال: تصطفيه الرتب العليه السنية، وتستأنس به الخطط الشرعية السنية، فطوراً مقدماً في أندية الأمراء والأعيان، وتارة صدراً في قضاة العدل والإحسان، القضائي الكمالي التادفي قاضي حلب، ثم مكة كان صحبني من حلب إلى البلاد الرومية، فأسفر عن أعذب أخلق، وكرم أعراق، وأحسن طوية، وأنشدني من نظمه قصيدة تائية ومقامه أكبر من الشعر، وأعلى في القيمة وأغلى في السعر انتهى.
وولد كما قال ابن أخيه ابن الحنبلي في تاريخه في ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتفقه على الفخري عثمان الكردي، والجلال النصيبي وغيرهما، وأجاز له باستدعاء والده المحب أبو الفضل بن الشحنة، وولده الأثير محمد، والسري عبد البر بن الشحنة الحنفيون، وقضاة القضاة الشافعية مشايخ الإسلام زكريا الأنصاري، والجمال إبراهيم بن علي القلقشندي، والقطب محمد الخيضري، والحافظ فخر الدين عثمان الديمي الشافعي، والجمال يوسف بن شاهين الشافعي، في آخرين ولبس الخرقة القادرية من الشيخ عبد الرزاق الحموي الشافعي الكيلاني، وتاب في القضاء عن شيخه القاضي حسين بن الشحنة الشافعي وغيره، ثم ترك مخالطة الناس ولف المئزر على رأسه، وأقدم على خشونة اللباس، وأخذ في مخالطة الفقراء والصوفية، فلما بلغ السلطان الغوري ذلك أرسل له توقيعاً بأن يكون شيخ الشيوخ بحلب، ثم ولي قضاء الشافعية بطرابلس، ثم عزل عنه، ثم ولاه الغوري قضاء حلب عن
القاضي جلال الدين النصيبي، ولما قرىء توقيعه بجامع حلب وتفرق الناس توجه إلى القاضي جلال الدين، واعتذر إليه وفوض إليه الجمال القلقشندي قاضي القضاة بالممالك الإسلامية نيابة الحكم بالديار المصرية، ومضافاتها مضافاً إلى قاضي حلب بسؤاله، ثم ولي في الدولة العثمانية تدريس العصرونية بحلب، ثم أضيف إليه نظر أوقاف الشافعية بحلب، ثمتدريس الحاجبية، ثم ولاه خير بك المظفري حين كان كافل الديار المصرية، ثم في الدولة العثمانية قضاء الشافعية بمكة وجدة وسائر أعمالها، ونظر الحرمين عن المحب بن الظهيرة والخدمة، كان مأذوناً له في ذلك، فتوجه إلى محل ولايته وكان أول قاض ولي ذلك من غير أهل مكة في الدولة العثمانية، وبقي في وظيفة القضاء حتى مات خير بك واستقر مكانه محمد باشا فنوزع في الوظيفتين بمساعدة أمير مكة لابن ظهيرة، ثم استقر فيها بعناية محمد باشا حين ولي قاسم باشا مكان محمد باشا، فعزله بعد أمور جرت بينه وبين أميرها، ولم يمكنه الله منة، ثم لما خرج القاضي كمال الدين من مكة معزولاً سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة كتب للشريف أمير مكة أبياتاً سماها السهم المهلكة الباري، في الشريف بركات وأتباعه والذراري، ومن جملتها:
يا واليا قطن الحجاز تعسفاًعزلي بموتك منذر قد عز لي
فاشرب بكأس حمام موتك جرعةلمرورها أبداً بعمرك تصطلي
أو ما علمت بأنني شهم لهسهم مصيب من نأى في المقتل
فابشر بحتفك مع ديارك والتيسحب المنايا عنهم لا تنجلي
فمات الشريف بركات في تلك السنة، وهو من الاتفاق الغريب، ومن شعر القاضي كمال الدين:
ترى بعد هذا البين والبعد أسمعبأن ليتلات المواصل ترجع
ويهدا فؤاد لا يقر قرارهوجفن قريح بالبكا ليس يهجع
بدور الحمى يا من سرور حماتهممقيم له بين الأضالع أربع
فميتكم هلا وقفتم سويعةأزود طرفي نظرة وأودع
أعلل قلبي بالسلام عليهموأطمع فيما ليس لي فيه مطمع
وله أيضاً:
لولا رجائي أن الشمل يجتمعما كان لي في حياتي بعدكم طمع
يا جيرة قطعوا رسلي وما رحمواقلباً تقطع وجداً عندما قطعوا
أواه وأطول شوقي للأولى سكنوافي الصرح ياليت شعري ما الذي صنعوا
لا عشت إن كنت يوماً بعد بعدكمأملت أني بطيب العيش أنتفع
هم أطلقوا أدمعي والنار في كبديكذاك نومي وصبري والهوى منعوا
دع يفعلوا ما أرادوا في عبيدهملا وأخذ الله أحبابي بما صنعوا
وقد امتدحه جماعة من أعيان عصره، ولو لم يمدح إلا بالأرجوزة التي نظمها شيخ الإسلام السيد الشريف عبد الرحيم العباسي، الإسلام حين قدم عليهم من بلاد الرومية لكفى وهي:
سعد قدوم مجدك السنيمؤيد بالصمد العلي
كان له في رتب العلياءمحل عز شاسع السناء
روى حديث قدره الثقاتوأثبتت آثاره الأثبات
طوى نسيم جوده الموصوفحديث حاتم السخا المعروف
آراؤه على الصواب وقفليس لها من نحو ذاك صرف
أبت معاني مجده إن نولاإلا ممهدة السماك في العلا
تبت يدا حساده الأرذالفالنقص لا يدنو من الكمال
بينهما ظاهر فرق يعلمليس على صاحب عقل يبهم
يا من له السؤدد والمجد العليوالحلم والخلق المذهب الرضي
مقدمك المبارك الآثارتجمل بهذه الديار
تاهت بمجده السني الرفيعوافتخرت بزهده البديع
تم لها منه لدون فخرنور تميد منه شمس الفجر
ناب سنا ضيائه الوهاجعن قمر السماء والسراج
هنأت السراء للعلياءبما أتاها من حبا النعماء
بروحة.... النجاحوغرة تحكي سنا الصباح
أكرم به من قدم ميمونمحقق الرجاء والظنون
أهدته للروم يد الآلاءفالجود من تلك اليد البيضاء
حل به كريم أصل سيدله السخاء خلق والسؤدد
ليس له في سلخه عديلولا يرى لمجده مثيل
جمله الله من الصفاتله سنا يسمو على الندات
ضرائب يعقلها التنبيهليس لها في كرم تشبيه
بدمعة سارت كما الأمثاللما بدت في حلية الكمال
أثبت في محدح سنا علياهبيتين تعلو بهما الجباه
رمزهما كالدر في الأسلاكأو النجوم الزهر في الأفلاك
شم برق أول ثالث يتمما كان من فحواه عنك بالكتم
بخامس ثانيهما إن عداأوفاك ما قد كان منه بدا
تاها بما جاء من المديحوأعجزا ذا اللسن الفصيح
رواهما من خص بالإعياءمنتحل الفطنة والذكاء
هان بما حاز من الكلامجواهر الجوهر في النظام
أقبل عليهما بوجه كالقبسوأقرأ ألم نشرح ولا تقرأ عبس
يا خير قادم بخير طارفوتالد منسحب المطارف
أنت الذي عندك دون العرضمالك ما اسخى امرؤ في الأرض
ليس عن الإتقان فيه تلهوولا عن الراجي نداك تسهو
ظن لك الحمد ذوو البأساءمعاد في ملابس النعماء
نولك الله من العلياءفوق الذي تروم من رجاء
مهنئاً بنعم الخلاقمجملا بأحسن الأخلاق
لا تشتكي من حادث يضجرولا على صفوك ما يكدر
بدولة مصحوبة الآلاءبأحسن المدح مع الثناء
لا ينقضي لدورها أزمانولا كمالها له نقصان
ليس لها في سعدها مثيلولا يرى لغيرها عديل
وقد التزم السيد عبد الرحيم - رحمه الله تعالى - في هذه الأرجوزة التزاماً عجيباً، ورمزها رمزاً غريباً، وهو أنه تبدأ من أول بيت فيها فتعد ثلاثة أبيات وتأخذ أول البيت الثالث، ثم تعد كذلك ثلاثة وتأخذ أول الثالث، حتى تنتهي إلى آخر الأبيات وتكرر مرة ثانية عليها في العدد كذلك، ثم تجمع الحروف، فيخرج منها هذا البيت:
رأيت بحضرة الملك ابتهاجاًبه انبسطت من البشرى ظلال
ثم تبدأ من أول بيت منها فتعد خمسة أبيات وتأخذ آخر البيت الخامس، ثم تعد كذلك خمسة وتأخذ آخر الخامس وهكذا كما تقدم وتجمع الحروف فيخرج منها هذا البيت:
فرحت مسايلاً عنها فقالوالحضرة مجدها وافي الكمال
قال ابن الحنبلي: وهذان البيتان كان غير السيد قد مدح الممدوح بهما بالقاهرة، فاطلع عليهما السيد فأدرجهما في أبياته قلت: لكن في قول السيد رحمه الله تعالى في الأرجوزة:
أثبت في مدح سنا علياهبيتين تعلو بهما الجباه
ما يشير إلى أن البيتين المشار إليهما من نظم السيد أيضاً: ثم كانت وفاة صاحب الترجمة في أواسط الحجة سنة ست وخمسين وتسعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع