تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

علي بن محمد البكري

علي بن محمد ابن الشيخ الإمام العلامة، نادرة الزمان، وأعجوبة الدهر، الفقيه، المحدث، الأستاذ الصوفي أبو الحسن ابن القاضي جلال الدين البكري. أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف وغيرهما، وأخذ التصوف عن شيخ الإسلام رضي الدين الغزي جدي، وبلغني أن القطب الكبير سيدي عبد القادر الدشطوطي، كان من معتقديه والد الشيخ أبي الحسن القاضي جلال الدين، وكان قد انكسر عليه مال للغوري جزيل، وكان الغوري عسوفاً، فطالب القاضي جلال الدين بالمال، وأراد أن يعاقبه عليه، فجاء القاضي جلال الدين إلى سيدي عبد القادر، وشكى إليه أمر

الغوري، وسأل منه أن يكون خاطره عليه. فقال له: يا جلال الدين إن رددت عنك الغوري تعطيني ولدك أبا الحسن يخدمني. قال: نعم، وبعث إليه بأبي الحسن، وكان إذ ذاك شاباً بارعاً فاضلاً، له اشتغال على مشايخ الإسلام، فلما جاء دخل أبو الحسن فقال له: يا أبا الحسن لا تقرأ على أحد، واترك الإشتغال حتى يجيء شيخك من الشام، فامتثل أمره، ثم أن سيدي عبد القادر بعث إلى الغوري، وكان له فيه مزيد اعتقاد، وقال له: هبني ما على جلال الدين من الدين ففعل. فقال له سيدي عبد القادر: اعطه مرسوماً بالبراءة، وأن لا يطالبه أحد ففعل الغوري، ثم انقطع القاضي جلال الدين، وولده الشيخ أبو الحسن لخدمة سيدي عبد القادر الدشطوطي، وعمر الجامع المعروف به بالقاهرة، وكلما أراد أبو الحسن أن يعاود المشايخ في الدروس واستأذن سيدي عبد القادر يقول له لا حتى يجيء شيخك من الشام، فلما قدم شيخ الإسلام الجد رضي الدين الغزي القادري في سنة سبع عشرة - بتقديم السين - وتسعمائة جاء مسلماً على سيدي عبد القادر وكان بينه وبينه قبل ذلك محبة وصحبة قال سيدي عبد القادر: للشيخ أبي الحسن قم يا أبا الحسن هذا شيخك قد جاء من الشام، وسلمه للشيخ رضي الدين وقال له: يا سيدي رضي الدين علم أبا الحسن الكيمياء، وأمر أبا الحسن أن يذهب مع الشيخ، ويلازمه فلازم الشيخ رضي الدين في سكنه ليلاً ونهاراً، وكان يذهب هو وشيخ الإسلام الوالد كل يوم يقرآن الدروس على الشيخ رضي الدين، وعلى غيره من علماء مصر إذ ذاك بأمر الشيخ رضي الدين وإشارته قال والدي: كنت أذهب أنا وأبو الحسن البكري إلى شيخ الإسلام زكريا، وشيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف، والشيخ القسطلاني وغيرهم، نقرأ الدروس ونحضر دروسهم، فكان أبو الحسن لا يمكنني من حمل محفظتي، ويحلف علي، ويحملها لمكان شيخ الإسلام الوالد، وكان الشيخ أبو الحسن كلما طالب الشيخ رضي الدين بعلم الكيمياء الذي أمره الدشطوطي بتعليمه يقول له: الشيخ رضي الدين حتى يأتي الأبان وكان الشيخ يربي أبا الحسن، ويهذب أخلاقه، ويعلمه الآداب، ويلقي إليه الفوائد وينهضه في الأحوال، والطاعات، حتى أنس منه الكمال قال له: يوماً يا أبا الحسن أريد منك أن تركب على بغلتك، وتذهب من هذا المنزل إلى جامع الأزهر، وفي إحدى يديك رغيف، وفي الآخرى بصلة، وتأكل من ذلك وأنت راكب حتى تدخل الجامع، ثم تعود إلي ففعل الشيخ أبو الحسن ذلك فلما رجع إلى الشيخ رضي الدين قال له: يا أبا الحسن ما بقت مصر تسعنا وإياك، فمن ثم سافر الشيخ رضي الدين راجعاً إلى الشام واشتهر الشيخ أبو الحسن البكري، وقد تمت فتوحاته، ونمت نفحاته، وصار يتكلم على الناس، ثم صار المدد متصلاً في ذريته إلى الآن، وذكره الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في طبقاته. وقال: أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإسلام، والتصوف على الشيخ رضي الدين الغزي وتبحر في علوم الشريعة، من فقه وتفسير

وحديث وغير ذلك، وكان إذا تكلم في علم منها كأنه بحر زاخر لا يكاد السامع يحصل من كلامه على شيء ينقله عنه لوسعه إلا إن كتبه. قال: وأخبرني بلفظه، ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الإجتهاد المطلق. وقال: إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفاً من الفتنة بسبب ذلك، كما وقع للجلال السيوطي قال: وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين، ثم جاء الفتح من الله، فاشتغل بالتأليف، قلت: ومن مؤلفاته شرح المنهاج وشرح الروض وشرح العباب للمزجد، وحاشيته على شرح المحلى قال الشعرواي: وهو أول من حج من علماء مصر في محفة، ثم تبعه الناس قال: وحججت معه مرة، فما رأيت أوسع خلقاً ولا أكثر صدقة في السر والعلانية، وكان لا يعطي أحداً شيئاً نهاراً إلا نادراً، وأكثر صدقته

ليلية، وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام في مصر والحجاز، وشاع ذكره في أقطار الأرض كالشام والروم - اليمن، وبلاد التكرور، والغرب مع صغر سنه، وله كرامات كثيرة، وخوارق، وكشوفات فما قاله أو وعده لا يخطىء قال: وترجمه الناس بالقطبية العظمى، ويدل على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي. قال: رأيت الشيخ أبا الحسن البكري، وقد تطور، فصار كعبة مكان الكعبة، ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص قال: وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد، وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم، ثم أنه غسلها، وقال: إن أهل زماننا لا يتحملون سماعها لقلة صدقهم في طلب الطريق. انتهى. لية، وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام في مصر والحجاز، وشاع ذكره في أقطار الأرض كالشام والروم - اليمن، وبلاد التكرور، والغرب مع صغر سنه، وله كرامات كثيرة، وخوارق، وكشوفات فما قاله أو وعده لا يخطىء قال: وترجمه الناس بالقطبية العظمى، ويدل على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي. قال: رأيت الشيخ أبا الحسن البكري، وقد تطور، فصار كعبة مكان الكعبة، ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص قال: وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد، وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم، ثم أنه غسلها، وقال: إن أهل زماننا لا يتحملون سماعها لقلة صدقهم في طلب الطريق. انتهى.

ومن شعر الشيخ أبي الحسن وهي قصيدة مشهورة:

بوجودكم تتجمل الأوقاتوبجودكم تتنزل الأقوات
وبسركم تطوي الركائب سيرهاوبنشركم تتعطر النسمات
وبذكركم تطوى أحاديث العلىوبفضلكم تتلى لنا الآيات
وبشكركم تتحدث الركبانوالبلدان والعمران والفلوات
وبرسمكم ينشا السحاب وبإسمكميمحى العقاب وتغفر الزلات
أنتم معاني الكائنات فأينماأنتم حللتم حلت البركات
لله ما أحلى قديم حديثكمذاك الذي هو للقلوب حياة
تحيى قلوب العارفين بذكركموالجاهلون قلوبهم أموات
غنى الزمان بذكركم متهللاًفرحاً فكل جهاته نغمات
طرب الوجود على لذيذ سماعكمفكأنما نسماته نايات
رقت معانيكم فحار أولو النهىواستعجمت برموزها الكلمات
وبدا سناء صباحكم فقلوبناكزجاجة وصدورنا المشكاة
وقع النداء لنا ألست بربكمقلنا بلى وأجابت الذرات
شهد الشهود وأثبت القاضي علىإشهادكم وتسجل الإثبات
وعلى قديم العهد نحن إلى اللقاهيهات أن تتحول الحالات
جعل التعاون بيننا من ذلك العهد القديم وضمنا الميقات
ما في الحمى إلا محب جمالكمحتى حمام الأيك والأثلات
إن كان للأيام أعياد الهناأنتم لنا الأعياد والجمعات
فكلامكم من معدن الوحي الذيظهرت على إثباته الآيات
واهاً على أحوال قوم أعرضواعن بابكم كم فاتهم خيرات
وحياتكم من فاته من أنسكموقت فكل العمر منه فوات
ومن احتمى يوماً بغير حماكمحلت به الآفات والهلكات
لفقيدكم تجري الكنوز من الثرىوبعبدكم تتضامن السادات
يا نائمين تيقظوا من نومكملم يبق من قرب الحبيب سبات
يا معرضين عن الكريم تعرضوافلربكم في دهركم نفحات
خلوا الغرور فكل شيء هالكلا شك إلا الله والطاعات
أين الجبابرة الفراعنة التيضاقت لعظم جيوشها الفلوات
أين الملوك السالفون ومدحهمأين البنود السود والرايات
بل أين ذو القرنين من دانت له مالآفاق والبلدان والظلمات
أين المعارف أين اخوان الصفاوالأخوة والأنساب والأخوات
جز في ديارهم وسائل عنهميخبرك أنهم جميعاً ماتوا
لله كم تحت الثرى من أمةراحت وملء فؤادها حسرات
كانوا وكانت في الحمى أوقاتهمماتوا وماتت معهم الأوقات
يبكي الزمان عليهم متأسفاًوتفيض من أجفانه العبرات
بالأمس كانوا في المنازل كلهمواليوم هم تحت التراب رفات
ثم الصلاة على النبي وآلهما دامت الأزمان والساعات

قرأت بخط الشيخ المحدث العلامة نجم الدين الغيطي المصري، وأخبرنا عنه شيخنا العلامة نور الدين محمود البيلوني الحلبي إجازة أن الشيخ أبا الحسن البكري، توفي في سنة

اثنتين وخمسين وتسعمائة، وكانت جنازته مشهورة ودفن بجوار الإمام الشافعي.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.