من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْحَاء الْمُهْملَة (٧)
الصفحة ١ من ٢
قلت لَو كَانَ لي أَمر السلافة مَا رضيت لَهَا هَذَا العكر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى بعد الْألف وَلما بلغ نعيه الشَّيْخ دَاوُد بن أبي شاقين البحراني اسْترْجع وَأنْشد بديها
هلك الصَّقْر يَا حمام فغنىطَربا أعالي الغصون
ورثاه الشَّيْخ جَعْفَر بن مُحَمَّد الخطي البحراني بقصيدة مِنْهَا قَوْله
جد الردى سلب الْإِسْلَام فانجذماوهد شامخ طود الدّين فانهدما
وسام طرف الْعلَا غمضا فأغمضهوفل غرب حسام الْمجد فانثلما
الله أكبر مَا أدهاك من زمنقصمت ظهر التقى وَالَّذين فانقصما
حُسَيْن باشا ابْن حسن بن أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى الْغَزِّي المولد حَاكم عزة كَانَ نبيه الْقدر كَبِير الهمة حسن الشكل وَله آدَاب ومآثر مأثورة يحسن بِمَالِه وجاهه إِلَى قصاده وَكَانَ أُمِّيا ويحاكي الخطوط الْحَسَنَة من مهرَة الْكتاب ولي فِي حَيَاة أَبِيه إِمَارَة نابلس وإمارة الْحَاج سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَلما توفّي أَبوهُ صَار مَكَانَهُ حَاكم غَزَّة وَكَانَ لَهُ حزم وَسعد فكبرت دولته وأطاعته العربان وَصَارَ ركنا ركيناً ثمَّ انتشأ لَهُ ولد اسْمه إِبْرَاهِيم فولي حُكُومَة الْقُدس ثمَّ نزل لَهُ أَبوهُ عَن حُكُومَة غَزَّة وَصَارَ هُوَ حَاكم نابلس وأمير الْحَاج وسافر إِلَى الْحَج سنتَيْن وَلما مَاتَ وَلَده الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف بالبقاع العزيزي وَقد كَانَ تعين للسَّفر على الدروز فِي خدمَة الْوَزير أَحْمد باشا عَاد حُسَيْن باشا إِلَى حُكُومَة غَزَّة بعده ووشى بِهِ إِلَى جَانب السلطنة بِسَبَب أُمُور يرجع أَكْثَرهَا إِلَى عدم تقيده بِأَمْر الْحجَّاج وحراستهم فَأتى بِهِ من المزيريب إِلَى قلعة دمشق وضبطت أَمْوَاله وَأقَام مُدَّة مسجوناً بالقلعة وَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير المنجكي يسليه بِهَذِهِ الأبيات
جفن الحسام ترى أم مربض الْأسدسجن حللت بِهِ يَا خير مُعْتَمد
أم شمس ذاتك عَن عين الغبى غَدَتْمحجوبة وَهِي فِي الْإِشْرَاق لِلْأَبَد
وَقدر جاهك فِي الْآفَاق مُرْتَفعمَا حط يَوْمًا وَإِن لم يخل من حسد
ثمَّ أَخذ إِلَى الْبَاب السلطاني مُقَيّدا وأحاطت بِهِ المكاره فسجن ثمَّ قتل فِي السجْن وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وأنشدني صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد السمان الدِّمَشْقِي هَذِه الأبيات لنَفسِهِ قَالَهَا فِي رثائه حِين بلغه قَتله وَكَانَ إِذْ ذَاك
بِمصْر قَالَ وَكنت لما مَرَرْت على غَزَّة فِي سنة إِحْدَى وَسبعين قَاصِدا مصر أسدى إِلَيّ مَعْرُوفا وأنعاماً فَقلت أرثيه
أسفي على بَحر النوال وَمن لَهُبَأْس الْمُلُوك وعفة الزهاد
لَو أَن بعض صِفَاته اقتسم الورىلرأيت أَدْنَاهُم كذي الأعواد
لم يجن ذَنبا غير أَن زَمَانهقد فوض الْأَحْكَام للحساد
هابوه وَهُوَ مُقَيّد فِي سجنهوَكَذَا السيوف تهاب فِي الأغماد
ذهب السرُور بفقده فَكَأَنَّمَاأَرْوَاحنَا غَضبى على الأجساد
يَا ثَالِث الحسنين عاجلك الردىوالحتف قد يسرى إِلَى الأطواد
لَك بالكواكب والسحائب أُسْوَةفَاذْهَبْ كَمَا ذهب السَّحَاب الغادي
فسقى ثراءك مِنْهُ صيب رَحْمَةمَا أطرب الركْبَان صَوت الْحَادِي
حُسَيْن باشا بن رستم الْمَعْرُوف بباشا زَاده الرُّومِي نزيل مصر وَاحِد الدَّهْر على الْإِطْلَاق الْمُحَقق الفهامة رَأس الْفُضَلَاء فِي وقته رَأَيْت خَبره فِي كثير من التحريرات والمجاميع وَذكره الشَّيْخ مَدين القوصوني وَقَالَ فِي تَرْجَمته مولده ببلغراد فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر شَوَّال وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل فصل الخريف من سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقدم إِلَى مصر فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحج مِنْهَا إِلَى بَيت الله الْحَرَام ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبِلَاد الرومية وَعَاد إِلَى مصر ثَانِيًا وَأقَام بهَا وَكَانَ وَالِده من موَالِي السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ إِنَّه لم يزل يتنقل فِي الولايات حَتَّى صَار أَمِير الْأُمَرَاء بطمشوار وبودين وَكَانَت وَفَاته بهَا وَأما والدته فَهِيَ بنت إِيَاس باشا الَّذِي كَانَ رَأس الوزراء فِي دولة السطان سليم وَكَانَ من موَالِي السُّلْطَان بايزيد بن مُحَمَّد وَأخذ صَاحب التَّرْجَمَة عَن جمَاعَة من الموَالِي الْعِظَام بالديار الرومية مِنْهُم الْمولى يحيى الَّذِي كَانَ متقاعداً عَن إِحْدَى الْمدَارِس الثمان وَكَانَ أَخا للسُّلْطَان سُلَيْمَان من الرَّضَاع وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور يعظمه ويزوره أَحْيَانًا وَيقبل شَفَاعَته وَمِنْهُم لمولى عبد الْغَنِيّ وَمِنْهُم الْمولى محمدبن بُسْتَان الْمُفْتِي وَمِنْهُم الْمولى فُضَيْل بن الْمُفْتِي عَلَاء الدّين الحمالي وَمِنْهُم الْمولى مُحَمَّد ابْن أخي وَمِنْهُم الْمولى أَبُو السُّعُود الْمُفْتِي الْعِمَادِيّ صَاحب التَّفْسِير وَصَارَ ملازما بمدرسة السُّلْطَان سليم الأول بقسطنطينية ثمَّ ترك ذَلِك وعزم على الْإِقَامَة بِمصْر وَطلب من السُّلْطَان أَن يعين لَهُ من بَيت المَال مَا يَكْفِيهِ هُوَ وَمن مَعَه من الْعِيَال من الدَّرَاهِم والغلال فعين لَهُ ذَلِك ثمَّ قدم إِلَى مصر وَأقَام بهَا بِالْعِزَّةِ والاحترام
مَعَ الْإِحْسَان والشفاعات فِي العلوفات والجرايات للخاص وَالْعَام وَأَنْشَأَ بَيْتا متسعا مطلا على بركَة الْفِيل جعله محلا للجلوس يفه للواردين عَلَيْهِ انْتهى وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي بعض المجاميع وأظنها من إنْشَاء بعض المصريين قَالَ فِيهِ بعد ذكر اسْمه وشهرته غرَّة جبهة الزَّمَان وواسطة عقد الْفَضَائِل المزري بعقود الجمان جر على هَامة المجرة ذيله وأنار بقمر فَضله ليله فاصبح وَهُوَ عَزِيز مصره والفاخر ذُو التَّاج المحجب فِي قصره أجْرى بِمصْر نيله فأخجل نيلها وَمَا زَالَ مانح الْفَضَائِل والفواضل وميلها وَأما أدبه فمادة البراعة وَالْإِحْسَان الْقَاصِر عَن نظمه ونثره سحبان وَحسان وَمَا بَرحت كواكب فَضله مشرقة لائحة وسوا كب أفضاله غادية رَائِحَة حَتَّى وافته بأجله وَفَاته وعفت آثاره وبكت عَلَيْهِ عفاته وَأثبت لَهُ من شعره مَا كتب بِهِ إِلَى القَاضِي مُحَمَّد بن دراز الْمَكِّيّ قَوْله
على ألمعي شاقني بخيالهسَلام يحاكى مِنْهُ طيب خصاله
عشقت وَمَا أبصرته غيراننيسَمِعت من الحاكين وصف كَمَاله
وَكتب إِلَى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي
عِنْدِي لودك فَاعْلَم ذَاك مِيثَاقوللتملي بمرأى مِنْك أشتاق
وللحلول بِأَرْض أَنْت ساكنهاقلبِي بحادي الجوى والوجد ينساق
وظفرت لَهُ بقصيدة اثبتها لَهُ فِي تَرْجَمته فِي كتابي النفحة ومطلعهاأَرَاك تروم الْمجد ثمَّ تساهل ... وزاملة الْعُمر الْيَسِير تناقل
وَهِي قصيدة لَا بَأْس بهَا فَارْجِع إِلَيْهَا فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي آخر يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَدفن يَوْم السبت بِالْقربِ من قبر القَاضِي بكار رَحمَه الله تَعَالَى
الأديب حُسَيْن بن شهَاب الدّين حُسَيْن بن جاندار البقاعي الكركي الأديب الشَّاعِر العائق كَانَ أديبا شَاعِرًا مطبوعا مقتدرا على الشّعْر جيد القريحة سهل اللَّفْظ حسن الإبداع للمعاني ذكره البديعي فِي كِتَابه ذكرى حبيب وَقَالَ فِيهِ هُوَ ثَانِي أبي الْفضل البديع الْهَمدَانِي وثالث ابْن الْحجَّاج والواساني وَقد دون مدائحه وسماها كنز اللآل وَجمع أهاجيه ووسمها بالسلاسل والأغلال فَمن حسن شعره وشعره كُله حسن قَوْله من جملَة قصيدة مطْلعهَا
هُوَ الْحبّ لَا قرب يَدُوم وَلَا بعدوَقد دق معنى أَن يُحِيط بِهِ حد
يحار أولو الْأَلْبَاب فِي كنه ذَاتهفَمن جده هزل وَمن هزله جد
لَك الله قلبِي كم نجن لواعجايذوب لَا دنى حرهَا الْحجر الصلد
نَصَحْتُك جهدي لَو قبلت نصيحتيفَعدل الْهوى جور وحر الْهوى عبد
لقد عالج الْحبّ المحبون قبلنَافَمَا نالهم إِلَّا القطيعة والصد
فَإِن قَالَ قوم أَن الْحبّ لَذَّةفَمَا اتصفوا هَذَا خلاف الَّذِي يَبْدُو
نعيم هُوَ الْبلوى ورى هُوَ الظماوَذَاكَ فنَاء الْجِسْم يجلبه الوجد
على أنني جربته وبلوتهإِذا أَنه كالصاب ديف بِهِ الشهد
وَمَا قلت جهلا بالغرام وَإِنَّمَايصدق قولي من لَهُ بالهوى عهد
لعا العثارى كم أحث عزائميوَهل لنهوضي فِي طلاب العلى حد
أما آن أَن أنضو الركائب بالثرىوَإِن مسني مِمَّا أكايده جهد
وَإِن عايناي عناي بَان طويلعفبشراك يَا قلبِي ألم بك السعد
ولاحت لنا تِلْكَ الْمعَاهد من قباوَبَانَتْ قباب البان وَالْعلم الْفَرد
وَقَوله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
مَا صَاح صاحي الْوَرق فِي أفنانهإِلَّا وأسكره بديع بَيَانه
وَإِذا تنازعه اللوا ثمَّ فِي الْهوىذكر العقيق فسح من أجفانه
كلف إِذا هبت بِهِ نجديةيذكو بهَا مَا أَبَاحَ من أجفانه
معري بِذكر العامرية مغرمظام إِلَى عذب العذيب وبانه
يخفى جوى لَو مس يذبل بعضهدكت هضاب الشم من أَرْكَانه
ويروم أَعْضَاء الجفون على القذىفرقا فيعرب شانه عَن شانه
يالائمى فِي حب أهيف لَو بداللبدر لم تعدده من أقرانه
متمنع يرنو بناظر جؤذرويلاي من وسنانه وسانه
أأذاد عَن مضمار حلبة حبهوَأَنا المجلى ويك خيل ورهانه
أيلوم من أودي بمهجته الْهوىمن لم يذقْ فِي الدَّهْر طعم طعانه
حسبي بِمَا أَلْقَاهُ من ألم الجوىمَا قد ترى والعمر فِي ريعانه
لَو أَن بالفلك الْمُحِيط ذبالةمن حرقتي ألهته عَن دورانه
أوحل وجدي بالكواكب لَا نبريبهرامها يشكو إِلَى كيوانه
أوغال رضوى بعض مَا قد غالنيلرأينه كالعهن قبل أَوَانه
أَو كَانَ يسعدني على قدر الْهوىدمعي لعم الأَرْض من طوفانه
وَلَقَد سلكت الْحبّ لَا غرا بِهِوَعرفت كنه خفيه وعيانه
وَعلمت إِذْ ذقت الغرام بأننيحاس بكأس جميله وحسانه
وَقَوله من قصيدة مطْلعهَا
مَا لَاحَ برق من رَبِّي حاجرإِلَّا اسْتهلّ الدمع من ناظري
وَلَا تذكرت عهود الْحمىإِلَّا وَسَار الْقلب عَن سائري
أوّاه كم أحمل جور الْهوىمَا أشبه الأوّل بِالْآخرِ
يَا هَل ترى يدْرِي نؤوم الضُّحَىبِحَال ساه فِي الدجى ساهر
تهب إِن هبت يَمَانِيةأشواقه للرّشأ النافر
يضْرب فِي الْآفَاق لَا يأتليفِي جوبها مثل السائر
طوراً تهامياً وطوراً لَهُشوق إِلَى من حل فِي الحائر
كأنّ مِمَّا رابه قلبهعلق فِي قادمتي طَائِر
أصل هَذَا الْمَعْنى لعروة بن حرَام
كَأَن قطاة علقت بجناحهاعلى كَبِدِي من شدّة الخفقان
وَذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه طودرسي فِي مقرّ الْعلم ورسخ وَنسخ خطة الْجَهْل بِمَا خطّ وَنسخ رَأَيْته فَرَأَيْت مِنْهُ فَردا فِي الْعُلُوم وحيداً وكاملاً لَا يجد الْكَمَال عَنهُ محيداً تحل لَهُ الحبى وتعقد عَلَيْهِ الخناصر أوفى على من قبله واعترف بفضله المعاصر يستوعب شَوَاهِد الْعلم حفظا بَين مقروء ومسموع وَيجمع شوارد الْفضل جمعا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مُنْتَهى الجموع حَتَّى لم ير مثله فِي الْجد على نشر الْعلم وإحياء مواته وحرصه على جمع أَسبَابه وَتَحْصِيل أدواته وَقد كتب بِخَطِّهِ مايكل لِسَان الْقَلَم عَن ضَبطه واشتغل بِعلم الطِّبّ فِي آخر عمره فتحكم بالأرواح والأجسام نهية وَأمره غير أَنه كَانَ فِيهِ كثير الدَّعْوَى قَلِيل الْفَائِدَة والجدوى لَا تزَال سِهَام رَأْيه فِيهِ طائشة عَن الْغَرَض وَإِن أَصَابَت فَلَا تخطىء نفوس أولى الْمَرَض فكم عليل ذهب وَلم يلف لَدَيْهِ فرج فَأَنْشد أَنا الْقَتِيل بِلَا إِثْم وَلَا حرج
النَّاس يلحون الطَّبِيب وَإِنَّمَاغلط الطَّبِيب أصابة الْمَقْدُور
وَمَعَ ذَلِك فقد طوى أديمه من الْأَدَب على أغر رديمه وَمَتى هَتَفت لهاة قَالَه بالشعر
أرخص من عُقُود اللآلي كل غالي السّعر إِلَى ظرف شيم وشمايل تطيب بأنفاسها الصِّبَا وَالشَّمَائِل والمام بنوادر المجون يحلى حَدِيثه والْحَدِيث شجون وَلم يزل يتنقل فِي الْبِلَاد ويتقلب حَتَّى قدم على وَالِده قدوم أخي الْعَرَب على آل الْمُهلب وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين وَألف فأحله الْوَالِد لَدَيْهِ محلا عقد فِيهِ نواصي الآمال بَين يَدَيْهِ وأمطره سحائب جوده وَكَرمه ورد شباب أمله بعد هرمه فَأَقَامَ بِحَضْرَتِهِ بَين خير وَخير وَتقدم مَا شَاءَ مَا شابه تَأْخِير إِلَى أَن خوى من أفق الْحَيَاة طالعه وأدجت بأفول عمره مطالعه وَمن مصنفاته شرح نهج البلاغة وعقود الدُّرَر فِي حل أَبْيَات المطول والمختصر وهداية الْأَبْرَار فِي أصُول الدّين ومختصر الأغاني والاسعاف وَغير ذَلِك وَأنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة مطْلعهَا
لَك الْخَيْر لَا زيد يَدُوم وَلَا عَمْرووَلَا مَاء يبْقى فِي الدنان وَلَا خمر
فبادر إِلَى اللَّذَّات غير مراقبفمالك أَن قصرت فِي نيلها عذر
فَإِن قيل فِي الشيب الْوَقار لأَهلهفَذَاك كَلَام عَنهُ فِي مسمعي وقر
وَقَالُوا نَذِير الشيب جَاءَ كَمَا ترىفَقلت لَهُم هَيْهَات أَن تغني النّذر
لَئِن كَانَ رَأْسِي غير الشيب لَونهفرقة طبعي لَا يغيرها الدَّهْر
يَقُولُونَ دع عَنْك الغواني فَإِنَّمَاقصاراك لحظ الْعين وَالنَّظَر الشزر
وَهل فِيك للغيد الحسان بَقِيَّةوَقد ظهر الْمكنون وارتفع السّتْر
وَمَا للغواني وَابْن سبعين حجَّةوحلم الْهوى جهل ومعروفه نكر
فَقلت دَعونِي فالهوى ذَلِك الْهوىوَمَا الْعُمر إِلَّا الْعَام وَالْيَوْم والشهر
نشأت أحب الغيد طفْلا ويافعاوكهلا وَلَو أوفي على الْمِائَة الْعُمر
وَهن وَإِن أعرضن عني حبائيلَهُنَّ عَليّ الحكم والنهى وَالْأَمر
أحاشيك بِي مِنْهُم من لَو تعرضتلنوء الثريا لاستهل لَهَا الْقطر
ترقرق مَاء الْحسن فِي نَار خدهافماء وَلَا مَاء وجمر وَلَا جمر
فيا بعد مَا بَين الحسان وَبَينهَالَهُنَّ جَمِيعًا شطرها وَلها الشّطْر
برهرهة صفر الوشاح إِذا مشتتجاذب مِنْهَا الردف والعطف والخصر
من الْبيض لم تغمس يدا فِي لطيمةوَقد مَلأ الْآفَاق من طيبها نشر
تَخِر لَهَا زهر الْكَوَاكِب سجداوتعنو لَهَا الشَّمْس المنيرة والبدر
تخال بجفنيها من النّوم لوثةوتحسبها سكرى وَلَيْسَ بهَا سكر
وَقَالُوا إِلَى هاروت ينْسب سحرهاأَبى الله بل عَن لحظها يُؤْخَذ السحر
تخَالف حَالي فِي الغرام وحالهالَهَا مَحْض ودي فِي الْهوى ولي الهجر
قلت وَهَذِه القصيدة من أمتن شعره وأغلاه وَقد تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ أَشْيَاء من شعره مَا عَلَيْهَا غُبَار وَبِالْجُمْلَةِ فَكل شعره لطيف السبك وَكَانَت وَفَاته على مَا ذكره ابْن مَعْصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ لإحدى عشرَة بقيت من صفر سنة سِتّ وَسبعين وَألف عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
حُسَيْن بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الْحَضْرَمِيّ السَّيِّد الْأَجَل أحد أسخياء الْعَالم ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ ولد بتريم فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة واجتهدوا تبع السّنة النَّبَوِيَّة وَتخرج بوالده وَأخذ عَن أَخِيه شيخ وَغَيره من الْعلمَاء العاملين والأولياء الصَّالِحين وَلبس الْخِرْقَة الشَّرِيفَة مِنْهُم وأجازوه فِي الألباس وانتفع بِهِ كثير من النَّاس وَقصد من الْبِلَاد الْبَعِيدَة وَكَانَ يكرم الوافدين وَيحسن للْفُقَرَاء وَله كرامات ظَاهِرَة وَله جاه عَظِيم عِنْد الأكابر لَا سِيمَا أَرْبَاب السَّيْف يقابلونه بالتعظيم وَكَانَ مَشْغُولًا بِذكر الله حَتَّى مَاتَ فِي سنة ثَمَان بعد الْألف وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الْكَرِيم بن عبد الله الملقب زين الدّين الغزى الْمَعْرُوف بِابْن النخالة الشَّافِعِي مفتي الشَّافِعِيَّة بغزة الْفَقِيه البارع لمتمكن من بَيت ولَايَة وورع وتقوى وَحده عبد الله نطق لَهُ الْحمار كَمَا قراته فِي بعض إجازات حُسَيْن صَاحب التَّرْجَمَة من الشَّيْخ عَامر العزيزي الْآتِي ذكره وَنَشَأ حُسَيْن هَذَا فِي غَزَّة وَقَرَأَ بهَا ثمَّ رَحل إِلَى مصر فِي حُدُود سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ بهَا عَن إِمَام الْفَرَائِض فِي زَمَنه عبد الله الشنشوري الشَّافِعِي الْخَطِيب بِجَامِع الْأَزْهَر وَعَن الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ والنور عَليّ الزيَادي وَأبي بكر بن إِسْمَاعِيل الشنواني وَيحيى ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الهيتمي الأَصْل الأنبابي وَالشَّمْس مُحَمَّد التَّمْر تاشي صَاحب التَّنْوِير والشهاب أَحْمد بن زين الدّين الْخَطِيب الشربيني الشَّافِعِي وَالشَّيْخ عَامر ابْن عبد الله العزيزي الشَّافِعِي وَالشَّيْخ عَليّ بن عمر بن شيخ البير الْغَزِّي وَالشَّيْخ عَليّ ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد أبي العزاين أَحْمد الْعزي الشَّافِعِي الْأنْصَارِيّ الْأَزْهَرِي وَرجع إِلَى عزة وانكب على الإفادة وشاع ذكره واشتهر فَضله وَكَانَ عَالما جَلِيلًا متضلعا من الْعُلُوم وَإِن غلب عَلَيْهِ علم الْفَرَائِض وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف
الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله الْمَعْرُوف بالمملوك نزيل دمشق أحد الْأَفْرَاد الْمجمع على جلالته وتبحره فِي الْعُلُوم وتمكنه فِي التصوف والمعارف الألهية وَالْأَدب وَكَانَ عَالما متجرا زاهدا ورعا عابدا منتسكا متجردا عَن المَال والأهل مُنْفَرد فِي زَوَايَا التَّوَاضُع والمسكنة حكى عَن نَفسه مرَارًا أَنه كَانَ فِي مبدأ أمره رَقِيقا لرجل من أَعْيَان التُّجَّار بِمَدِينَة حلب بمحلة البياضة يُقَال لَهُ قرابكر وَاسْتمرّ مَوْلَاهُ يربيه كولده الَّذِي من صلبه ويعلمه الكمالات ويقرئه بإجتهاد وَطَلَبه من عهد حداثته وَأَيَّام شبابه حَتَّى مَال طبعه إِلَى الْكَمَال وَقَرَأَ على مَشَايِخ حلب مِنْهُم الشَّيْخ عمر العرضي وتلميذه الشَّمْس الْعِمَادِيّ الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والفنون الأدبية وَلم يزل حَتَّى حصل شَيْئا وافراً من الْعُلُوم وَأخذ طَرِيق الْقَوْم عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْعِمَادِيّ وَالِد الشَّمْس وَكَانَ لَهُ قدرَة على تأليف مقامات الصُّوفِيَّة بالألحان الطبية وينشد كَلَام الْقَوْم فِي حَلقَة الشَّيْخ مُحَمَّد الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور ويقرئ الطّلبَة فِي مُقَدمَات الْعُلُوم وَكَانَ أعْتقهُ مَوْلَاهُ من رقّه وَأحسن إِلَيْهِ وَبَالغ فِي إكرامه وَسلم إِلَيْهِ جَمِيع مَاله وَصَارَ يُرْسِلهُ إِلَى الْبِلَاد بأسفار التِّجَارَة ويلاحظه السعد فِي أَسْفَاره إِلَى أَن حصل لسَيِّده شَيْئا كثيرا من المَال ثمَّ توفّي سَيّده بحلب فتجرد من قَيده فِي التِّجَارَة وَفَارق حلب ورحل إِلَى مصر وجاور فِي جَامع الْأَزْهَر وَقَرَأَ على مَشَايِخ ذَلِك الْعَصْر واجتهد فِي التَّحْصِيل إِلَى أَن صَار من أكَابِر الْعلمَاء وصناديد الْفُضَلَاء وَحج وجاور سِنِين وَقدم دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَافر إِلَى حلب وَأخذ الْعَهْد من طريف الخلوتية وتجرد وَترك صُحْبَة النَّاس ومعاشرتهم وَالْتزم السلوك فِي طَرِيق الْحَقِيقَة على دأب مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وبرع فِي الزّهْد وَالصَّلَاح وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب حَظّ وافر وَله التفوق فِي دقائق الألغاز والمعميات ونظم الشّعْر البديع وَجمع لنَفسِهِ فِي آخر أمره ديوانا من شعره وَأحسن فِي جمعه وَضَبطه وَكَذَلِكَ جَمِيع ديوانا من ألغازه ورتبه على حُرُوف المعجم ووسمه بتشحيذ الحجا بألغاز حُرُوف الهجاء وَشرح ألغاز الْأُسْتَاذ عمر بن الفارض فِي نمط بديع وأسلوب عَجِيب وَألف رسائل كَثِيرَة فِي فنون عديدة وَمن شعره قصيدته النونية فِي مدح النَّبِي
ومطلعها
لَاحَ برق من بروق الأربقينأم سنا من نور أهل الرقمتين
حارت الْأَلْبَاب فِي مَعْنَاهُمَاوَمعنى الْوَصْل لَا يدْرِي لاين
بعد الطَّالِب وَالْمَطْلُوب هَلتَنْفَع الشكوى بعيد الهجرتين
لَيْسَ يُدْنِيه معِين إِذْ غَداقاصي الدَّار معبن المقلتين
فَدَعَاهُ بعد بعد رَحمَههَاتِف الْغَيْب لمجلي الحضرتين
ثمَّ نَادَى بِلِسَان طلقصَادِقا فِي قَوْله من غير مين
يَا أَخا الْعَزْم بحزم حَازِموبقلب يقظ مَا فِيهِ رين
قدّم الْقلب وَأخر قالباًوألزم التَّقْوَى بِصدق الْقَدَمَيْنِ
واطلب الشَّرْع ولازم عَرْشهمجمع الْبَحْرين جمع الجسّين
وابق بالأخيار واجمع فَوْقهموَكن ابْن الْوَقْت وأنف العدمين
أَن ترم ترقى على هام العلىسامياً فَوق سَمَاء الفرقدين
فأت من أَبْوَابهَا بوّابهاوتوسل برَسُول الثقلَيْن
أَحْمد الْمُخْتَار كننز الأتقيابهجة الكونين نور المشرقين
قامع الْكفَّار مَا حَيّ شركهمجَامع الْأَنْصَار حامي البلدتين
فاتح الْأَمْصَار بِالسَّيْفِ سوىيمن الْيمن بهَا قرّة عين
بِكِتَاب أسلمت واستسلمتعدن الْخَيْر وصنعا وعدين
لم يكن لَوْلَا وجود الْمُصْطَفىجود غفران وجود الْعَالمين
فجزاه الله أَعلَى مَا جزىمن بني حَاتِم فياض الْيَدَيْنِ
يَا رَسُول الله يَا سؤل الورىيَا جميل الْوَجْه أبهى القمرين
يَا خطيب الْحق لِلْخلقِ وَيَاجَامع الصدْق أَمَام الْقبْلَتَيْنِ
يرتجي الْحسنى حُسَيْن سَيِّدييَا أَبَا الْإِحْسَان جدّ الحسنين
كن لَهُ يَا ذَا الْمَعَالِي شافعاَفِي عماد يَا عماد النشأتين
وأعنه حَيْثُ يَأْتِيهِ القضاوأغثه من سُؤال الْملكَيْنِ
وَتقبل سَعْيه يَا من بِهِشرع الْحَج ومسعى المروتين
فعلى ذاتك من رب السَّمَاءصَلَاة وَسلَامًا دائمين
وعَلى الْآل مَعَ الْأَصْحَاب مَاذكر الْبَدْر ببدر وحنين
وقرأت بِخَطِّهِ على هامشها مَا صورته هَذِه القصيدة عرضت على النَّبِي
أَخْبرنِي بِهِ قطب وقته السَّيِّد صبغة الله القاطن بِالْمَدِينَةِ المنورة والعهدة عَلَيْهِ وقرأت بِخَط بعض النَّاس نقلا عَن صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ ورد سُؤال إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر بِمصْر مُشْتَمل على بَيْتَيْنِ قيل أَنَّهُمَا للشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي الْحسن
الشاذلي وهما
عينان عينان لم ترقأ دموعهمالكل عين من الْعَينَيْنِ نونان
نوناّن نوناّن لم يخططهما قلملكل نون من النونين عنان
فَأجَاب من أجَاب عَنهُ بِمَا ناسب قدره لكنه ضل فِي غيهب ليل فكرة وَمَا صَادِق قدره وألهمني الله عَنهُ مَا يقرب من الْجَواب فَلَعَلَّهُ أَن يكون قَاضِيا بِهِ لَا قاصيا عَن الصَّوَاب فَقلت
جَوَابه سُورَة الرَّحْمَن ناطفةبِهِ أيا روح ذاتي عين إنساني
فَكل عين لَهَا نون عَلَيْك بهَالَكِنَّهَا بإعتبار الْبسط نونان
هَذَا ونونان أَن تطلب بيانهمافأسماهما مِنْهُمَا لَا رسم قُرْآن
فاسم على سمك وأسم على ملكيرى لكل من الأسمين عنان
هاك الْبَيَان بتقرير اللِّسَان بِهِتَحْرِير سر جناه كنز عرفان
وَمن شعره قَوْله مقتبسا
كم من جهول فِي الْغَنِيّ سارحوَمن عليم فِي عناء مُقيم
قد حارت الْأَلْبَاب فِي سرذاوطاشت النَّاس فَقَالَ الْحَكِيم
لَا يسئل الخلاق عَن فعلهذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم
وَقَوله
يَا رَاضِيا بِعُلُومِهِ بَين الورىإياك فيا أَن يشينك قَادِح
لتَكون مرضياً بهَا عِنْد الندىيأيها الْإِنْسَان أَنَّك كَادِح
وَقَوله
يَا من يروم إِلَى الْحَقَائِق مسلكاًإِن شِئْت فِيهَا أَن تصبر بَصيرًا
فَعَلَيْك بالهادي النصير كِفَايَةوَكفى بِرَبِّك هادياً ونصيراً
وَقَوله
ألهي تناجيك السَّمَاء وَأَهْلهَاوترجوك أهل الأَرْض حَقًا وتقصد
تَبَارَكت يَا رَحْمَن أَنْت رحيمناوَمَالك يَوْم الدّين أياك نعْبد
وَبِالْجُمْلَةِ فَلهُ آثَار كَثِيرَة وَاسْتقر آخر أمره بِدِمَشْق وَسكن فِي الْمدرسَة الكلاسة فِي حجرَة صَغِيرَة تجاه الْجَامِع الْأمَوِي فِي جوَار مرقد السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن أَيُّوب وَقَرَأَ عَلَيْهِ الجم الْغَفِير من أهل دمشق أَنْوَاع الْعُلُوم وَبِه انتفعوا فِي فنون الْأَدَب وَفِي حل الْكَلَام ابْن الفارض وَكَانَ عيشه بِدِمَشْق أمرا غَرِيبا لَا يعرف لَهُ أحد وَجه معاش وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا مَا وَلَو كَانَ على سَبِيل الْهَدِيَّة وَكَانَ لَا يعاشر بِلَا الْفُقَرَاء وأرباب الطَّرِيق من الصُّوفِيَّة وَكَانَ ملازما لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء والأولياء ومشايخ الْعلم مِمَّن لَهُم مَرَاتِب مَعْلُومَة وَكَانَ فِي أَكثر أوقاته يُوجد منتزها فِي بساتين
دمشق وغياضها وَيجْلس على جَانب الْأَنْهَار مَعَ طلبة الْعلم والفقراء المترددين إِلَيْهِ وَعمر كثيرا حَتَّى بلغ رُتْبَة الثَّمَانِينَ وحظى فِي زَمَانه بشرف صُحْبَة أَئِمَّة كبار جالسهم وعاشرهم وَأخذ الْعلم عَن أساطين عالية الْمَقَادِير وساح كثيرا فِي الْبِلَاد حَتَّى انْتَهَت سياحته إِلَى استقراره بِدِمَشْق وَبهَا توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَ مَرضه الاسهال وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ شيخ الْأَدَب الْمُقدم ذكره فِي تَارِيخ وَفَاته
مذ عَالم عصره أَمَام التَّوْحِيدقد حل برمسه غَرِيبا ووحيد
قَالُوا أشهادة لَهُ قد حصلتأرخت بلَى حُسَيْن قد مَاتَ شَهِيد
الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد النَّبِي بن عمر الْحلَبِي الأَصْل الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الشعال أَمَام السُّلْطَان الْعَالم الْمَشْهُور وَكَانَ أَبوهُ عبد النَّبِي خَادِم نَبِي الله يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ وكبير الشعالين بِجَامِع مَعَ بني أُميَّة وَنَشَأ حُسَيْن هَذَا وَلزِمَ الِاشْتِغَال حَتَّى برع فِي الْفُنُون خُصُوصا القرآت وَكَانَت قِرَاءَته جَيِّدَة وصوته حسنا وَكَانَ رجل رومي ورد إِلَى دمشق فأحدث لَهُ بعض قُضَاة الشَّام إِمَامَة بِجَامِع بني أُميَّة فَكَانَ يقْرَأ الْفَاتِحَة وَيَقُول وَلَا الضَّالّين بِفَتْح اللَّام على صِيغَة التَّثْنِيَة وَكَانَ يَقُول أَيْضا غير المغضوب بِفَتْح الضَّاد وَسُكُون الْوَاو فَأنْكر النَّاس عَلَيْهِ ففرغ لحسين هَذَا عَن وَظِيفَة الْإِمَامَة الْمَذْكُورَة وباشر هامدة وَكَانَ إِذْ ذَاك مَعَ حَدَاثَة سنه متصنعاً فِي أسلوبه متعظماً جدا وَله دَعْوَى عريضة وَدخُول فِي أَبْوَاب لم يحم حولهَا وَمِنْهَا الشّعْر حَتَّى نظم قصيدته الْمَشْهُورَة فِي مدح السَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن السَّيِّد برهَان الدّين قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام وَهِي من أعجب مَا سمع من القَوْل وتعرف فِي هَذِه الْبِلَاد بالقصيدة القرمحشدية وأثبتها هُنَا لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْعجب العجاب وَهِي قَوْله مُحَمَّد قرم حشد مُحدث نجل حبر طهر حدث جزر مصدر الحكم مسبار سطاع سعدك سلع سماك سمحك شرح سكال سرك سهم سماط سحلك مدرار نجاف نجدك نجح نطاف نسلك نهر نجار نهجك نور نقاط نجلك مكثار نقاب نعتك نشر نُحَاس نجرك نقع نبال مدحك نظم نِفَاس مدحك مدكار شعاب شرك شقص شمال شهمك شرح شعار شجك شكد شقاب شهدك ممهار صدار صمدك صوف صنار صبرك صدع صِرَاط صدقك صنم صِحَاب صفقك مِقْدَار مُطَاع مرضك مَحْض مَخَاض معقك مخض ملاك ملكك ملك ملاع محرك مضمار
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع