من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْمِيم (٢٧)
الصفحة ١ من ٢
بعض الاطباء فى وصف رَئِيس صفراوى الذكاء سوداوى الرأى دموى المزاج لَوْلَا مَا فى لفظ البلغم من الْكَرَاهَة لَقلت بلغمى الاناة وَلما كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة هوائى المشرب نارى الطبيعة مائى الطمع صَاحب نفس عامية لَا ترابية غلب عنصر المَاء فى ايام حكومته واشتعلت النَّار فى زمن ولَايَته وَوَقع السَّيْل الْعَظِيم الْمَشْهُور بِهَذِهِ الْبِقَاع حَتَّى علا المَاء على حجر التَّارِيخ الذى تَحت قلعة دمشق مِقْدَار ذِرَاع وَقد وَقع أَمْثَاله لَكِن هَذَا أربى بِهَذَا الْمِقْدَار كَمَا وجدت الْآثَار فى جَامع بلبغا بالجدار وَكَانَ الْفَصْل أواسط فصل الرّبيع بل مضى مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلم يؤذ نفس الْمَدِينَة بالجدار وانما كَانَ فى الْخَارِج كمان شَاهَدْنَاهُ وَأخذ بعض الرِّجَال وَالنِّسَاء والاطفال حَتَّى رؤى من الاطفال الصغار حِصَّة وهم فى المهاد وأظن ان الَّذين غرفوا مِنْهُم جاوزوا التعداد وَتلف للنَّاس من الْعَسَل والارز وَالسمن وَبَقِيَّة الْمُؤَن شئ كثير لَان أَكثر بقالة دمشق فى نَاحيَة الزِّيَادَة وخصوصا سوق المؤيدية الشهير وبقى المَاء من بعد الظّهْر الى نَحْو نصف اللَّيْل ثمَّ غاض باذن رب الارض وَالسَّمَاء الْملك الْفَيَّاض وَكَانَ ذَلِك نَهَار الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر جُمَادَى الاولى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف ثمَّ وَقع أَيْضا الْحَرِيق بسوقى الطواقية والذراع الْعَتِيق لصيق الْجَامِع الاموى وَسبب ذَلِك ان بعض أهل الصِّنَاعَة من أهل السُّوق غفل عَن اطفاء النَّار بحانوته المغلوق فشبت النَّار فى صَبِيحَة النَّهَار وَوَقع التَّنْبِيه على الْمُبَادرَة لاطفائها وامتحن النَّاس ساعتئذ بكر بهَا وبلائها ثمَّ جَاءَ الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة وَمَعَهُ غَالب الْعَسْكَر والسقائين والبنائين والقصارين الى مَحل الْحَرِيق ووقف بِنَفسِهِ وأطفاه وَذهب للنَّاس من القماش والامتعة مَا لَا يُمكن ضَبطه واحصاه وَكَانَ ذَلِك نَهَار السبت الْعشْرين من رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ جملَة مَا حرق من الحوانيت مائَة وَثَلَاثَة وَعشْرين حانوتا وَاتفقَ ان صَاحب التَّرْجَمَة تجَاوز الْحَد فى الظُّلم وابتدع مظالم كَثِيرَة وانتهك محارم غزيره فَاجْتمع الْعَسْكَر الشامى وتحزبوا لمصادمته وصمموا على محاربته ومقاتلته وجاؤا الى الْجَامِع الاموى بجمعية عَظِيمَة وأحضروا عُلَمَاء الْبَلدة وَذكروا مَا أَخذه من الاموال على سَبِيل الجريمة ونقموا عَلَيْهِ أَخذ الْبَقر من أَصْحَابهَا بِدُونِ أَثمَان ليطعم مِنْهَا رِجَاله من الصارجية والسكبان وَقد كَانَ شدد فى ذَلِك كبنى اسرائيل لما شَدَّدُوا شدد عَلَيْهِم فَأرْسل اليهم صَاحب التَّرْجَمَة الْمَرَاسِيل العديدة فى تهميدهم فَلم يفد إرْسَاله اليهم ثمَّ نهبوا
غَالب اتِّبَاعه وهمدت الْفِتْنَة وزالت بعون الله تَعَالَى تِلْكَ المحنة وَكَانَ جَاءَ ختم الوزارة الْعُظْمَى فى تِلْكَ الاثناء للوزير أبشير محافظ حلب الشَّهْبَاء وَكَانَ بَينه وَبَين منافرة كليه وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يتجلد فى أمره مَعَه خُصُوصا بعد صُدُور القضيه فاتفق انه عز لَهُ وَورد متسلم الكافل الْجَدِيد غازى باشا الى دمشق فَخرج المترجم مِنْهَا فى أول ربيع الاول سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَبعد وُصُوله الى دَار السلطنة قتل الوزيرا بشير باشا فَصَارَ دفتردارا ثمَّ قتل أَيْضا قَرِيبا من صيروريته فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف كَمَا قتل أَبوهُ وَهود فتردار أَيْضا
مُحَمَّد بن مصلح بن اسماعيل الرومى نزيل الْقُدس الشريف كَانَ من الصلحاء خَادِمًا لكتب الْعلم وَالْقُرْآن الْعَظِيم كِتَابَة وَوَقع لَهُ أَنه كتب ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ على أرزة وَكتب سُورَة يس فى حُرُوف الْبَسْمَلَة وَالْقُرْآن جَمِيعه فى حُرُوف سُورَة يس وَكَانَ لَا يتَعَلَّق بشر من أُمُور الدُّنْيَا مهما جَاءَهُ أنفقهُ فَلَا يجمع شَيْئا وتصبر اذا لم يجئه شئ وَعمر زَمَانا طَويلا وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن فى بَابا الرَّحْمَة ﵀ ورحم أنامله آمين
مُحَمَّد بن الْفَقِيه مَعْرُوف بن عبد الله بن أَحْمد العقيبى باجمال أحد عباد الله الصَّالِحين المواظبين على طَاعَة الله تَعَالَى كَانَ ورعا زاهدا قانعا يحب الخمول وَيكرهُ الشُّهْرَة يحب الصَّالِحين حسن الظَّن باخوانه صحب خَاله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد بن عمر باجمال وحصلت لَهُ نظرات ولحظات ودعوات ظهر عَلَيْهِ بركتها وَله صدقَات كَثِيرَة مِنْهَا بِنَاء الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بالحمام فى وسط مَدِينَة الغرفة وآبار كَثِيرَة وَقفهَا على الْمُسلمين وَله أوقاف على مَسَاجِد بِمَدِينَة هنيز وأوقاف على قرَابَته وصدقات تقسم على الْفُقَرَاء يَوْم عَاشُورَاء وَحصل كتبا كَثِيرَة ووقفها ووقف على عمارتها مَعَ قلَّة مَاله وَلَيْسَ لَهُ صَنْعَة وَلَا تِجَارَة وَكَانَ محبوبا عِنْد النَّاس مُعْتَقدًا مَقْبُولًا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت منتصف صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين والف
مُحَمَّد أَبُو سِرين بن المقبول بن عُثْمَان بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عِيسَى ابْن القطب صفى الدّين أَحْمد بن عمر الزيلعى العقيلى صَاحب اللِّحْيَة رضى الله عَنهُ رَأَيْت تَرْجَمته بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله وَلست أدرى أهى لَهُ ام لغيره قَالَ فِيهَا لَيست تحضرنى عبارَة تنبئ عَن مَحَله وعلو مرتبته فى الْعلم وَالْولَايَة
والقدم الثَّابِت فى مراقبة الله تَعَالَى وَالرِّعَايَة سَارَتْ بِذكرِهِ الركْبَان وَبلغ الشرق والغرب مَاله من علو الْمَكَان وَكَانَ فى عصره مرجع اللِّحْيَة وَمَا والاها من اقرى وَالْعرب مطيعون لَهُ اطاعة الامرا وَكَانَت دولة الاتراك لَا تصدر الا عَن رَأْيه واشارته وَلَا تخرج جَمِيع الْحُكَّام عَن طَاعَته وَكَانَ رَئِيسا عالى الهمة آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر صَاحب عبَادَة وزهاده مُمِدًّا من الله تَعَالَى سُبْحَانَهُ بالسعاده وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ على ظهر قلبه كثير التِّلَاوَة لَهُ عَظِيم الْقيام بِهِ وَكَانَت اللِّحْيَة فى زَمَنه كالحديقة المزهره ووجوه بنى الزيلعى بِنور وَجهه ضاحكة مستبشره وَهُوَ مرجعهم فى الْمُهِمَّات والمدار عَلَيْهِ من بَينهم فى الملمات وَله المهابة فى الْقُلُوب وَالْجَلالَة فى النُّفُوس بِرُؤْيَتِهِ ينجلى كل هم وبوس وَكَانَ من الْكَرم فى ذروته الْعَالِيَة وَمن التَّوَاضُع بمكانة غَالِيَة مقدما فى قومه مُعظما فى عشيرته نَشأ على خير وفى خير وكنى بابى سِرين لانه كَانَ لَهُ سرتين وَلما ولد وَاجْتمعَ النَّاس من أَصْحَاب وَالِده لتسميته فى سابعه أَتَى بِهِ أَبوهُ وَوَضعه بَينهم وَقَالَ لَهُم من يقدر مِنْكُم يرفع رَأسه من الارض فَأخذ كل مِنْهُم بِرَأْسِهِ فَلم يقدروا على رَفعه فَقَالَ لَهُم وَالِده هَذَا صَاحب المنصب بعدى وَكَانَ لَهُ اخوة كبار أمّهم عَرَبِيَّة وَصَاحب التَّرْجَمَة أمه ام ولد فَأَرَادَ وَالِده تنبيههم على ذَلِك وَأَنه الاحق بِمَا هُنَالك وَفضل الله يؤتيه من يَشَاء وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مَعَ الاتراك وقائع كَثِيرَة وكرامات شهيرة وَكَانَ لَا يتَعَرَّض لَهُ أحد بِسوء الاعطب وتصرفه فى عصره مَشْهُور وَعند النَّاس مَذْكُور وَمن كراماته انه وشى بِهِ بعض الحساد الى السَّيِّد الْحسن ابْن الامام الْقَاسِم وَمن جملَة مَا رَمَوْهُ بِهِ انه يعين الاتراك ويمدهم بِمَال من عِنْده وَيقدم لَهُم الْهَدَايَا ويحثهم على الْمُحَاربَة للائمة فارسل اليه جمَاعَة من أَتْبَاعه يَأْمُرهُ بالوصول اليه فاتوا بِهِ اليه وَهُوَ مَرِيض مَحْمُول على سَرِير وَكَانَ اراد قَتله بِمُجَرَّد وُصُوله فَلَمَّا أَتَوا اليه وَرَآهُ أَجله وأكرمه وَاعْتذر لَهُ من فعله وَأمر بار جاعه الى بَلَده مجللا مكرما ثمَّ اشْتغل عَن ذَلِك فاتى اليه وَقَالَ لَهُ انى مَرِيض ومرادى أَمُوت ببلدى فجهزنى سَرِيعا وَاعْلَم انك ميت على أثرى فجهزه لوقته وَسَار الى بَلَده اللِّحْيَة فَلَمَّا وصل اليها جلس أَيَّامًا قَليلَة وَمَات وَكَانَت وِلَادَته فى سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى ثانى شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَمَات فى اثره السَّيِّد الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم ﵀
الامير مُحَمَّد بن منجك بن أَبى بكر بن عبد الْقَادِر بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن
منجك الْكَبِير اليوسفى الذى اشْتهر فى الدُّنْيَا وتناقلت أَحَادِيثه النَّاس فى الْعليا وَصَاحب التَّرْجَمَة نبع فى الدوحة المنجكية نبيلا وسما قدره فى دمشق جَلِيلًا وارتقى الى اعلى ذرْوَة وَلم يحذ أحد فى المعلوات حذوه كَانَ أَمِيرا جليل الْقدر سامى الهضبة سخى الطَّبْع كَبِير الشان الا انه مغال فى الْكبر والتيه بذى اللِّسَان كثير الوقيعة فى النَّاس مفرط فى أذيتهم وَلِهَذَا خافه النَّاس وَكَبرت دولته وعظمت صولته ومدحه الشُّعَرَاء واتقادت اليه الْفُضَلَاء سلك اولا طَرِيق الْعَسْكَر فَصَارَ من آحَاد الْجند الشامى ثمَّ زعيما ثمَّ مُتَوَلِّيًا على عمَارَة السُّلْطَان سُلَيْمَان بالميدان الاخضر وَصَارَ بعْدهَا أَمِيرا بتدمر مَعَ التَّوْلِيَة الْمَذْكُورَة ثمَّ صَار متقاعدا على قانون آل عُثْمَان عَن دفتر دارية دمشق ثمَّ عرض لَهُ الْوَزير مُحَمَّد باشا ابْن سِنَان باشا فى أَن يكون أَمِير الامراء بمدينتى الرقة والرها فَنَهَضَ بِهَذِهِ الرُّتْبَة وسما وتقلبت بِهِ الاحوال وطافت بِهِ الاهوال حَتَّى سَافر مَرَّات الى دَار السلطنة وخالط الوزراء حَتَّى علا فى الْمقَام وَولى انظارا وقافهم عَن عَمه الامير عبد اللَّطِيف بن أَبى بكر لما مَاتَ فى ثانى عشر شَوَّال سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ الامير عبد اللَّطِيف وَليهَا عَن عَمه الامير ابراهيم بن عبد الْقَادِر فى حَيَاته وَلم يتم لَهُ التصريف حَتَّى مَاتَ عَمه فى شهر ربيع الاول سنة موت عبد اللَّطِيف واما وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة الامير منجك فانه لم يتول الانظار الْمَذْكُورَة وَمَات فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَالْحق انه لم يصل مِنْهُم أحد الى مَا وصل اليه المترجم فانه بلغ من نُفُوذ القَوْل الى مرتبَة عَظِيمَة وَعمر العمارات الفائقة مِنْهَا القاعة الْمَشْهُورَة فى دَارهم بَين بَاب جيرون وَبَاب السلسلة فانه أنق فى عمارتها بالقاشان والرخام وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَعمر الْقصر الْمَعْرُوف بِهِ فى الوادى الاخضر أحد منتزهات دمشق وانتهت عِمَارَته فى سنة احدى عشرَة وَألف وَفِيه يَقُول الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى الْمُفْتى مؤرخا بناءه ومخاطبا بانيه بقوله
بنيت فصرا ام الْجنان جرىمن تحتهَا النَّهر فَوْقه الغرف
جَاوَرت فى سَمَكَة السماك مَعَالْجَوْز اولم ينْتَه لَهُ طرف
بدر الدجا من سناه ممتحقشمس الضُّحَى من سناه تنكسف
بنيت مجدا وسوددا وَعلاظَهرت فِيهَا والحاسدون خفوا
بِنَاء من لَا يمل من كلفمتيم بالعطا بِهِ كلف
يضيق للوفد مَعَ توسعهفبعضهم تَحت ظله يقف
قد جَاوز الواصفون حَدهمْفى وَصفه وَهُوَ فَوق مَا وصفوا
فَحسن ذَات العمادا خَلفهعماد هَذَا وحبذا الْخلف
ان سَالَ الْوَارِد دون عَن شرفأَعلَى ومروا بِهِ وَمَا عرفُوا
فاصدقهم الامر واهدهم كرماوَقل وارخه قصرى الشّرف
وَقَالَ أَبُو بكر بن مَنْصُور الْعُمْرَى
(وَقصر تود قُصُور الْجنان لَو أَنَّهَا بَابه تخْدم ...)
وكوثرها دائر حولهوأشجارها تربه تلثم
بناه الامير فَتى منجكمُحَمَّد الْفَارِس الْمعلم
وشرفه فغدا قدرهعَظِيما وتاريخه أعظم
قلت وَكَانَ الامير منجك ابْن المترجم الآتى ذكره وهب الْقصر الْمَذْكُور لاحمد باشا الْمَعْرُوف بالكوجك لما كَانَ كافل دمشق فادرجه الكوجك فى وَقفه وَهُوَ الْآن من جملَة وَقفه غير انه لعبت بِهِ أيدى الحادثات فَذَهَبت برونقه وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَحْوَال ووقائع وَمَا جريات وفظائع تجاوزت الْحَد وكل عَنْهَا الْعد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كَمَا تلقيناه وأخذناه من الافواه رجل اساءته أَكثر من احسانه فانه قل من سلم من يَده وَلسَانه ولعمرى لقد أنصف ابْنه المرحوم الامير منجك سقى الله ثراه صيب الرحمه فِيمَا قَالَ مُشِيرا لما فعله أَبوهُ من الظلامات الْمَدّ لهمه
اساء كبارنا فى النَّاس حَتَّىجرى هَذَا الاساء على الصغار
لقد شرب الاوائل كاس خمرغَدَتْ مِنْهَا الاواخر فى خمار
وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع وعشرى شهر ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِجَامِع جده بالميدان وجده الاعلى صَاحب الاوقاف مَذْكُور فى كتب التواريخ مِنْهَا المنهل الصافى لِابْنِ ثغرى بردى وذكرانه تنقل فى نيابات الشَّام كحلب وطرابلس ودمشق وصفد وطرسوس وَولى قبل ذَلِك الوزارة فى زمن النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاون وَجرى عَلَيْهِ امور وَقبض عَلَيْهِ مَرَّات
مُحَمَّد بن مَنْصُور بن ابراهيم بن سَلامَة محب الدّين الملقب شمس الدّين الشهير بالمحبى الدمشقى الحنفى الْفَقِيه الْمُحدث المقرى المعمر الْبركَة مُلْحق الاحفاد بالاجداد حفظ الْقُرْآن وجوده وَأخذ القراآت عَن الشهَاب الطيبى وَالشَّيْخ حسن الصلتى وغبرهما وَالْفِقْه عَن النَّجْم البهنسى الْخَطِيب بِجَامِع دمشق وَغَيره والْحَدِيث عَن
وَالِده الْمسند الْكَبِير عَن القاضى زَكَرِيَّا والبرهان القلقنشدى والحافظ عبد الْحق السنباطى المصريين وَالتَّقوى بن قاضى عجلون وَالسَّيِّد كَمَا الدّين بن حَمْزَة الدمشقيين وأتقن وَضبط وانتفع بِهِ وَلَده ابراهيم وَمَات فى حَيَاته فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة عَن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ نبل جدا وَلم أَقف على وَفَاته وانتفع بِهِ شيخ الاسلام عبد الرَّحْمَن العمادى وَتزَوج بوالدة العمادى آخرا وَحصل لَهُ ثقل فى سَمعه آخر عمره وَكَانَ مُنْقَطِعًا فى بَيته يَتْلُو كَلَام الله تَعَالَى وَألف وَمن تآليفه شرح على الْهِدَايَة على مَا سَمِعت وَمَا رَأَيْته وَرَأَيْت لَهُ من شعره هذَيْن الْبَيْتَيْنِ منسوبين اليه فاثبتهما لَهُ وهما
يَا قَارِئًا خطا لمن لم يجدحظا مدى الايام من دهره
عساك ان تَدْعُو بغفران مَاجنى من الآثام فى عمره
وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ التغفل وَالصَّلَاح قَالَ النَّجْم الغزى ميلاده فى سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا نقلته من خطّ المحيوى الشَّيْخ عبد الْقَادِر النعيمى وَتوفى سنة ثَلَاثِينَ بعد الالف قلت فَيكون بلغ من الْعُمر مائَة سنة وَقَالَ الشهَاب العمادى فى تَارِيخ وَفَاته
مَاتَ المحبى شيخىوَكَانَ نعم الْمُحب
بدر الْفَضَائِل لماهوى تخلف شهب
وأشرقت شمس علممِنْهُ لَهَا الْقَبْر غرب
سُلْطَان فضل حمتهكتائب هن كتب
قطب الْوُجُود تسامىفِيهِ صَلَاح وجذب
فَقلت يَا صَاح أرخبِالشَّام قدمات قطب
قلت وَبَيت محب الدّين هَؤُلَاءِ غير بيتنا بِدِمَشْق وهم أقدم منا فِيهَا وَيُقَال لَهُم بَيت نَاظر الْجَيْش لَان جدهم الاعلى القاضى محب الدّين كَانَ نَاظر الْجَيْش أَيَّام السطلان الغورى واما جد صَاحب التَّرْجَمَة ابراهيم الْمَذْكُور فَكَانَ بِسَبَب مَوته الْفِتْنَة الْمَشْهُورَة بِدِمَشْق وَأخذ الْعلمَاء مِنْهَا الى مصر تَحت الترسيم وَذَلِكَ انه مَاتَ وَله ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ أَبوهُ بِمصْر عِنْد الاشرف الغورى فَلَمَّا دفن بنيت عَلَيْهِ قبَّة فى ملاصقة قبَّة القطب الولى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سيدنَا الشَّيْخ ارسلان قدس الله سره الْعَزِيز فَأفْتى السَّيِّد كَمَال الدّين مفتى دَار الْعدْل بهدم الْقبَّة الْمَذْكُورَة لكَونهَا بنيت فى مَقْبرَة
مسبلة وَأفْتى التَّقْوَى ابْن قاضى عجلون بِعَدَمِ هدمها وَقَالَ هَذِه الْقبَّة كَانَت مَوْجُودَة وَلها أساس وَمَا بنيت الثَّانِيَة الا على أساس الاولى والاولى كَانَت عامرة مُدَّة طَوِيلَة من غير تعرض لَهَا والاصل وضع الشئ بِحَق وَكَانَ القاضى الْحَاكِم بهدمها قاضى الْقُضَاة خير الدّين المالكى وَكَانَ الامير سيباى أَمِير الامراء بِدِمَشْق حَاضرا على هدمها فَلَمَّا صدر ذَلِك ذهب الْخَبَر الى وَالِد الْمَيِّت القاضى محب الدّين فَقدم الى دمشق وَاسْتمرّ من الطَّرِيق عَازِمًا الى قبر وَلَده وَعَزاهُ النَّاس فِيهِ هُنَاكَ ثمَّ انه أَخذ عظاما من التربة وَضعهَا فى وعَاء وَذهب الى مصر وَألقى الْعِظَام بَين يدى الْملك الاشرف قانصوه الغورى فَقَالَ لَهُ مَا هَذِه قَالَ هَذِه عِظَام ولدى الَّتِي أخرجتها أكَابِر دمشق من قَبره وَمَا فعلوا ذَلِك الا لانتسابى اليك وَقَالَ للسُّلْطَان عندى كنز يحْتَاج الى البخور فَقَالَ عندى بخوره فَكتب لَهُ عِنْد ذَلِك أَسمَاء الْجَمَاعَة الَّذين كَانُوا داخلين فى الْقِصَّة مِنْهُم التَّقْوَى ابْن قاضى عجلون مَعَ انه أفتى بِعَدَمِ هدم الْقبَّة وَلَكِن كَأَنَّهُ أَخذه ليستشهده على من أفتى بهدمها وَمِنْهُم السَّيِّد كَمَال الدّين مفتى دَار الْعدْل والشهاب أَحْمد الرملى امام الْجَامِع الاموى والقاضى خير الدّين المالكى وَجَمَاعَة وَكتب حكم سلطانى بأسماء هَؤُلَاءِ وَأرْسل خاصكى الى دمشق بِطَلَب هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة فَذَهَبُوا مُتَفَرّقين ودخلوا الى السُّلْطَان بِمصْر فرسم عَلَيْهِم الا التَّقْوَى فانه أبقاه فى بعض الْمدَارِس غير مرسم عَلَيْهِ وَلما حَضَرُوا فى الْجمع الى السُّلْطَان زجر الْجَمَاعَة وَلم يزل الامر يزِيد وَينْقص الى أَن وَقعت الدَّعْوَى على القاضى المالكى الذى حكم بهدم الْقبَّة وَحكم قاضى حنبلى بِمصْر بِأَن الحكم الصَّادِر بهدمها لم يَقع موقعه وخسر الْقَوْم بِسَبَب هَذِه الْقِصَّة مَا يزِيد على عشْرين ألف دِينَار وَرَجَعُوا بمناصب زَالَت بعد قَلِيل وَالله أعلم
مُحَمَّد بن مُوسَى بن عفيف الدّين المنعوت شمس الدّين بن شرف الدّين القابونى الدمشقى الشافعى ذكره الغزى وَقَالَ هُوَ سبط الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد بن بدر الدّين الطيبى عرف بجدى لانه كَانَ يلازم جده الطيبى فَيَقُول لَهُ جدى جدى فغلب عَلَيْهِ ذَلِك كَانَ خطيب جَامع منجك الْمَعْرُوف بِمَسْجِد الاقصاب خَارج دمشق كأبيه ثمَّ ولى امامة الْمَقْصُورَة من الْجَامِع الاموى شركَة شَيخنَا يعْنى بِهِ العيثاوى بعد موت خَاله الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد فى منتصف شهر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة بِمَعْرِِفَة قريبهم الشَّيْخ أَحْمد بن النعمى خطيب ايا صوفيه وَكَانَ ورد دمشق
حَاجا فى صُحْبَة الْمولى عبد الْغنى قاضى قُضَاة الشَّام وَقد وَليهَا ثَانِيًا ثمَّ قَالَ وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن وختمه فى الْمِحْرَاب مَرَّات وَكَانَ يلازم فى جُمُعَة شَيخنَا أَيْضا وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة فى القراآت وَيقْرَأ مجودا ولى نصف وَظِيفَة الْوَعْظ فى يَوْم الاربعاء من الثَّلَاثَة الاشهر عَن ابْن قنديل شركَة التَّاج القرعونى فباشره وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ التأدية من الْوَرق لضعف نَصره وَعبارَته فَكَانَ يتصحف عَلَيْهِ أَلْفَاظ ويتكرر مِنْهُ تصحيفها وتحريفها حَتَّى سمعته بورد هَذَا الحَدِيث غير مرّة لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة فيقرؤه فى سنّ شَاة كَلِمَتَيْنِ وَسن بِالتَّشْدِيدِ يُرِيد وَاحِد الاسنان وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاحد خَامِس عشر صفر سنة تسع عشرَة وَألف وَدفن من الْغَد بمقبرة الفراديس عِنْد قبر جده وخاله الطيبيين قلت وَالشَّيْخ أَحْمد النعيمى الذى ذكره هُوَ الشَّيْخ بهاء الدّين أَحْمد بن عبد الْقَادِر النعيمى الدمشقى تقلبت بِهِ الاحوال بِدِمَشْق فسافر الى الرّوم فَصَارَ خطيب السليمانية وامام ياصوفيه بقسطنيطينية وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة
مُحَمَّد بن مُوسَى بن عَلَاء الدّين الْمَعْرُوف بالعسيلى القدسى ولد الشَّيْخ كَمَال الدّين الْمُقدم ذكره كَانَ من كبار الْفُضَلَاء أَصْحَاب التصانيف أَخذ الْفَرَائِض عَن الولى الْبركَة الشَّيْخ مُحَمَّد الدجانى وَأَجَازَهُ وَأخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن الشَّيْخ يحيى ابْن قاضى الصَّلْت القدسى والتصوف والعقائد عَن الشَّيْخ مُحَمَّد العلمى وَكَانَ مغرما بِهِ وقارئ درسه وَأخذ الْمعَانى وَالْبَيَان عَن شيخ الاسلام رضى الدّين اللطفى وَالشَّيْخ مَحْمُود البيلونى وَقَرَأَ البيضاوى بِتَمَامِهِ على المنلا على الكردى واجازه شيخ الاسلام التمرتاشى الغزى صَاحب التَّنْوِير رَحمَه الله تَعَالَى بِمَا لَهُ من مروياته نظما ووقفت على الاجازة وَأرْسل لَهُ النُّور الزيادى اجازة من مصر لما سَأَلَهُ عَن أسئلة عديدة وَطلب مِنْهُ الاجازة وَلم يره وَمن مؤلفاته حَاشِيَة على الفاكهى وَقطعَة كَبِيرَة على الجلالين اخترمته الْمنية قبل اكمالها ونظم الْقطر وَشَرحه ونظم خَصَائِص النبى
وَشرح النّظم شرحا لطيفا لم يسْبق اليه مَعَ زيادات على انموذج اللبيب فى خَصَائِص الحبيب وَسَماهُ النّظم الْقَرِيب فى خَصَائِص الحبيب وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِمَا من الله
مُحَمَّد بن مُوسَى بن مُحَمَّد الجمازى نِسْبَة الى الامير عز الدّين جماز شَيْخه بن هَاشم بن قَاسم بن مهنا بن حُسَيْن بن مهنا بن دَاوُد بن قَاسم بن عبد الله بن طَاهِر بن
يحيى بن جَعْفَر بن عبيد الله بن الْحُسَيْن الاصغر بن على زين العابدين بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه ورضى الله عَنْهُم الحسينى المالكى أحد الْفُضَلَاء الاعيان وَاحِد أَئِمَّة الْبَيَان أخر زمن الادب طرفا وحوى مِنْهُ جانبا مستظرفا وَكَانَ لَهُ بِمصْر منزلَة ومكانه وَقدر شرف بِهِ زَمَانه ومكانه وَولى الْقَضَاء بمحكمة ابْن طولون وَمن شُيُوخه مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغزى الحنفى لَازمه سِنِين عديدة واختص بِصُحْبَتِهِ وَأخذ عَن عبد الْوَاحِد الرشيدى امام برج مغزل وَمن مشايخه مرعى الحنبلى وخاتمة الْمُحدثين النُّور الاجهورى وَله مؤلفات مِنْهَا شرح الاندلسية فى الْعرُوض ونظم أم الْبَرَاهِين للسنوسى وَغير ذَلِك من الرسائل وَله شعر مِنْهُ قَوْله فى النَّعْل الشريف
مذ شاهدت عيناى شكل نعالهخطرت على خواطر بمثاله
فَغَدَوْت مَشْغُول الْفُؤَاد مفكرامتمنيا انى شِرَاك نعاله
حَتَّى ألامس أخمصيه ملاطفاقد مَا لمن كشف الدجى بجماله
يَا عين ان شط الحبيب وَلم أجدسَببا الى تقريبه ووصاله
فَلَقَد قنعت برؤيتى آثارهفامرغ الْخَدين فى اطلاله
وَاصل هَذَا قَول عَلَاء الدّين بن سَلام حَيْثُ قَالَ
يَا عين ان بعد الحبيب ودارهونأت مراتعه وشط مزاره
فَلَقَد ظَفرت من الزَّمَان بطائلان لم تريه فَهَذِهِ آثاره
وَمثله قَول لِسَان الدّين بن الْخَطِيب الاندلسى حَيْثُ قَالَ فِيهِ
ابْن بَان منزله وشط مزارهقَامَت مقَام عيانه أخباره
قسم زَمَانك عِبْرَة أَو عسرةهَذَا ثراه وَهَذِه آثاره
وَمن شعر الجمازى أَيْضا قَوْله يمدح السَّيِّد زَكَرِيَّا المقدسى نقيب السَّادة الاشراف بِمصْر من قصيدة مطْلعهَا قَوْله
ان بعدى وغربتى واشتياقىوافتراقى كفرقة الاعتزال
واصطبارى على الْمقَام هوانابَين قوم كعصبة الدَّجَّال
لم يفيدوا علما وَلم يستفيدواان فيهم تهاتها مَعَ جِدَال
وتقضى الزَّمَان فى ترهاتآفَة الْعلم قلَّة الِاشْتِغَال
لَا حَيَاة هنيئة فى عِيَالوارتكاب لَا خبث الاعمال
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن نَاصِر الدّين بن على البلينى الْمصر الاديب الشَّاعِر ذكره الخفاجى فَقَالَ فى وَصفه فَاضل شافعى الْمَذْهَب ولبيب طراز فَضله بالآداب مَذْهَب من الْقَوْم الالى فى طَرِيق الْخيرَات ساعون وَالَّذين هم لاماناتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ وَله شعر أصفى من الرَّحِيق الْمُعْتق وابهى من وشى الرّبيع المنمق الا انه تجَاوز رقة النسيب الى التَّجْنِيس والغريب ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة
اهلا بِهِ ملكا فى زى انسانأَهلا بِهِ قادما فى شهر نيسان
مِنْهَا قَوْله فى الْمَدْح
ابكى على حِين مرغوس على جنىوَمن تلافى فِيهِ قد تلافانى
الْحِين الْهَلَاك والرغس النِّعْمَة
واننا شنى بِالْيَدِ الْبَيْضَاء سوددهمن أسود الْخطب لما أَن تخاطانى
قد كنت غصان بِالْمَاءِ الزلَال وَهليجرى سوى المَاء فى حلقوم غصان
(صديان أَشْكُو فَلَا اشكى كَأَن خرس الصدا وصم فَلَا يجرى بميدان ...)
يَا جَامعا شَمل اشتات الْفَضَائِل فىجثمانه عز عَن جمع وجثمان
وَمن تفرد فى هضبات عزمتهألية مَا لفرد مِنْك من ثَان
حجبت غَيْرك عَمَّا ظلت تملكهارثا من الْفضل حجبا حجب حرمَان
قَوْله قد كنت غصان معنى مطروق كَقَوْلِه
من غص داوى بِشرب المَاء غصتهفَكيف يصنع من قد غص بِالْمَاءِ
وَقَوله
لَو بِغَيْر المَاء حلقى شَرقكنت كالغصان بِالْمَاءِ اعتصارى
وَهُوَ فى معنى قَوْله
كنت من محنتى أفر اليهموهم محنتى فَأَيْنَ الْفِرَار
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع