من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
أحمد الكيواني
ماذا روى «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» عن أحمد الكيواني؟
أحمد بن حسين باشا بن مصطفى بن حسين بن محمد بن كيوان الشهير بالكيواني الدمشقي مفد الزمان وحسنته الاديب الشاعر والأديب الماهر كان سميدعا عارفاً بارعاً كاملاً كاتباً فاضلاً له يد طولى في العلوم وفنون الآداب ومهارة تامة خصوصاً بالانشاء والنظم والنثرة براعة في الكناية بحيث تفرد بحسن الخط بوقته مع معارف تامة وخط أخذ من الحسن وافر الحظ فلو رآه ابن مقلة لانبهر من صنائع كتابته وياقوت الوقف قلمه عند بدائع براعته ولد بدمشق ونشأ بها وارتحل إلى مصر واستقام بها مدة سنين وطلب العلم على جماعة أجلاء وحضر على الشيخ محمد الدلجي في النحو وعلى أحمد الاسقاطي الحنفي بالفقه وغيرهما من العلماء ومن مشايخه بدمشق الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري الشافعي الدمشقي وأخذ الخط عن الكاتب الشيخ محمد العمري الدمشقي وأجيز بالكتابة المعروفة عند أرباب الخط وأخذه عنه الناس
ونظم ونثر وسلب برقتهما عقول البشر وكان بدمشق غالب جلوسه في حانوت بسوق الدرويشية يجتمع عنده زمرة الادباء والكمل على لعب الشطرنج وله فيه ارجوزة عجيبة وكان هو أحد أعيان جند أوجاق اليرلية بدمشق والمشار إليه بهم ووالده كان أمير الامراء تولى حكومة القدس وعجلون وغيرها وهذا المترجم كان فيما أعلم وأتحققه درة في جيد دهره وغرة في جبهة عصره ولما وفد إلى دمشق المولى السامي عثمان الشهير بالخلصة صاحب الوقف بدمشق وكتخدا الوزير الأعظم أراد الاجتماع برجل من الأدباء فجىء له بصاحب الترجمة فرآه مستوفي الشروط من جميع أدوات الظرف وطبق مشربه فلما ذهب إلى الروم واصطحبه معه وحصل له منه غايت الأماني والاكرام وصرف كليته إليه واقبل بالتعظيم عليه والذي حصل له منه من الاكرام لم يحصل إلى أحد وكان المولى المذكور يمينه بما يروم وسوداؤه تخيل له أشياء أخر وذهب معه إلى السفر فلما قتل عاد إلى قسطنطينية ومنها عاد إلى الشام وكان ﵀ مع أدبه سوداؤه تنفره عن الناس ومعاشرتهم وتخيل له أشياء غريبة فبسببها كان يندب زمانه ولما ولي حكومة دمشق الشام الوزير الشهير عبد الله باشا المعروف بالشنجي وكان كاتباً فاضلاً له اطلاع في العلوم ومعرفة حتى انه ألف كتاباً سماه أنهار الجنان في آي القرآن رتبه على طريقة ترتيب ذيباً في الآيات القرآنية وزاد أشياء أخر وكان وزيراً شجاعاً مقداماً سخياً لم تكتحل عين الأوقات والزمان برؤيا مثله ولما وفد إلى دمشق كأنت إذ ذاك مشحونة بالفتن وخروج الأشقياء بها فمهد ما كان وأزال الاشقياء ضر بالسيوف ومحامهم وجاء بعسكر غزير إلى دمشق مختلف الأجناس ثم إنه بعد ذلك أصلحت دمشق وطافت غارت إليه الأدباء وأهلها وقابلهم بمزيد الاكرام مع التوقير والاحترام ومدح بالقصائد الغرر وكان ممن مدحه صاحب الترجمة ولما اجتمع به قابله بالاعزاز ومنحه بالاكرام الوافر وصارت عنده الرتبة العظمى والمقام الأكبر وكان الأديب الشيخ سعيد ابن السمان يسمى ديوان المترجم بالملطمة حسد منه لأنه في محل المشكلات لا يصح أن يصير تلميذاً له لأن المترجم نوع وابن السمان نوع أخر وصحيح القول انه في هذا القرن كالأمير منجك المنجكي في القرن الماضي بل أرجح وإن لم يكن أرجح منه فهو مقارن له وعلى كل حال فهو فرد الدهر أدباً وفضلاً ونظماً ونثراً وترجمه ابن السمان المذكور آنفاً في كتابه الذي ترجم به شعراء دمشق وقال في وصفه بقية القوم الذين مضو وسنوا الندى وفرضوا ودان لهم المجد فرضوا احتفل به الكمال احتفال الصاحب بابن هلال وأحاط بأطرافه
إحاطة الهالة بالهلال فتقاسمه عضواً عضواً وأودعه من الاناءة ما يطيش دونه رضوى فأنتدب لإقامة برهانه وإحراز السبق في حومة رهانه فرأى عبا بافخاض واعتاص بالجواهر عن الأعراض منتقياً منها الجياد ومختار ما يهزأ بقلائد الأجياد برقة تحسدها الألطاف وفكاهة خنية القطاف ومحاضرات بها لراغب واله وحديث بالرقة لم يسنج على منواله وطبع يسابق حاتم بالكرم وغيره ينفخ في غير ضرم وقلم بنوادر المعاني ندى ومداد عنبري الفوحة ندى وخط نزهة العاشق والروضة الغنا للمستعبر الناشق أشهى من العارض المزرد إذا استدار بالخد للورد وأما شعره فإنه التبر المذاب والرشفات من الثنايا العذاب استخلصه من حكم هي من جوامع الكلم واستودعه ما هو من قول لو وليت سلم فإذا وصف الرياض أغنى عن إملاء ذات الأطواق
وإذا ترسل في الغرام علم ابن الدمنة الاشواق أو ندب الاطلال انسى قفا نبك أو أنتقل إلى النشيب في الآرام فما أبو عبادة في حسن السبك إلا أنه من الانفة في مناط الثريا قاد حابها من الأوهام زنداً وريا تخيل له سوداؤه آراء شاسعه يسلك منها سبلاً واسعه فلا يرضى من الأيام إلا بالاستحدام وهي تصول على أمانيه صولة إقدام فيعتبها بقصيد ويوسعها من تأنيبه وتفنبدهذا ترسل في الغرام علم ابن الدمنة الاشواق أو ندب الاطلال انسى قفا نبك أو أنتقل إلى النشيب في الآرام فما أبو عبادة في حسن السبك إلا أنه من الانفة في مناط الثريا قاد حابها من الأوهام زنداً وريا تخيل له سوداؤه آراء شاسعه يسلك منها سبلاً واسعه فلا يرضى من الأيام إلا بالاستحدام وهي تصول على أمانيه صولة إقدام فيعتبها بقصيد ويوسعها من تأنيبه وتفنبده من كل معنى تكاد تشربه في كل مغنى مسامع الأدب على أن غالب شعره في ذلك مشحون لا يشوبه على كثرته غش ولا ملحون وهو ممن جاب البلاد وسبر أغواها والأنجاد وكنت وإياه بمصر والشباب به كلف نختلف لمبادرة الأدب ولا نختف وقد أنسيت به الطارف والتليد واستعوضت بصحبته عن الحميم والوليد وحين عصفت بي إلى الروم رياح القدر رأيت هلاله في أفق سمائها بدر وهو في كنف بعض رؤسائها والحظوة تلحظه وشيم المعالي مطمحه وملحظه ترنو إليه الدنيا وهو يرمقها شزراً حتى عادت إلى طبعها فأوسعته ملامة وزجراً فرجع منها بخفي حنين خأوى الراحة صفر اليدين فكأنما ارته أضغاثا وخيلت له الأجادل بغاثا وأراد أن يستقبل من أمره ما استدير فلم يجد ما قدر وما دبر
على المرء أن يسعى لما فيه نفعهوليس عليه أن يساعده الدهر
وعلى أي حال فله في النظم والنثر القدح المعلى وفي الأساليب البديعة الطرار المحلى وناهيك بابن الحسين أحمد الذي جمرة ذكائه متوقة لا تخمد وقد أثبت له ما تستأخر البلغاء عن الحاقه ويفديه اللبيب بعيونه وأحداقه ثم قال فمن ذلك ما ندب به زمانه بقوله
قفوا بالناجيات على زرودتناج دوارس الدمن الهمود
نحى حمى زرود بالقوافيونبك عليه بالدمع البديد
على اطلالها وكف الغواديبعرصتها ودمدمة الرعود
تعرت من بشاشتها وأضحىيسر محولها قلب الحسود
وأخلق ثوب جدتها وكأنتمفوفة الدر انك والبردود
وقد كأنت تهش لزائريهامنازلها وتضحك للوفود
سقى أيامنا بزرود غيثيجود مدى الزمان على زرود
ليالي باللقا بيض أعبضتبأيام من التفريق سود
ولي كبد بذاك الجوحريتلوب بها من الظمأ الشديد
وقلب لا يعنف بالتسليودمع لا يغير بالخمود
وركب أدلجوا والليل مرسبكلكاء على قب وقود
أبادوا العيس مما كلفوهادؤوبا قطع بيد بعد بيد
وما زال الهوى والشوق يرمىبراكبه إلى أمد بعيد
إذا أنوا من الأشواق أنتمن الجهد المبرح والوخيد
ترامى كالسهام بهم وترمىبخوص عيونهن إلى الورود
فقد ألفوا بها قطع الفيافيوقد مرنت على حن القتود
تشف جسومهم عن جمر وجدويبدو عظمهن من الجلود
إلى أن ثار جيش الصبح يسطوعلى الظلماء خفاق البنود
فكفوا الزجر عن عيسى تفايتوخروا كالسجود على الصعيد
فرحت أسائل الركبان عمنأضاعوني ولم يرعوا عهودي
رمى كبدي بثالثة الأثافيزمان حكمه حكم الوليد
زمان أخرق قد راح سكرايجر ذيول جبار عنيد
يريك الباز من خدم الحبارىوأسد الغاب من خول القرود
وأجدل مرقب يمسي غرابيهدده بأنواع الوعيد
وأيام غضاب لا بجرمعلى الأحرار معلنة الحقود
دعا داعي الحمام بعز قوميفوافوه على خيل البريد
وأودعهم لحود ابل جفوناكذا الأسياف تودع في الغمود
مضوا وبقيت بعدهم فريداأقاسي وحشة الفرد الوحيد
أزى عاراً وقد أودوا حياتيفآنف من بقاي ومن وجودي
اكفكف كلما ذكروا دموعيفعصيني وتَأبي غير جود
ترامي همتي في كل مرمىوأرسف من همومي في قيودي
وأطوي أضلعا ملئت غراماًلتقصيري على نفس مديد
اعل بآجن رفق وامرىعفافة بلغة دون الزهيد
ترفق يا زمان فما فؤاديبصلد لا يلين ولا جليد
وليس القلب من حجر فيبقىعلى هذا ولا أنا من حديد
رويدك لا تحأول ماء وجهيوهاك ان اشتهيت دم الوريد
ولا تحسب حياتي فيك منافإني لست أرغب في الخلود
ومن ذلك قوله من قصيدة
وهاتفة تملي حديث صبابةعلى غصن عال من الرند ميال
فنبه أشواقي ووجدي سجعهاولم أك سال عن هواها ولا سالي
كان غليل الشوق بين جوانحيلسان لهيب دب في جسم زبال
فيا حر أشواقي ويا طول غربتيوواكبدي الحري وواجسمي البالي
رمتني الليالي بالغرف فجذذتبسيف النوى قلبي وكفي وأوصالي
فإن تردني الأيام أبقى بحسرتيويبقى الهوى والشوق أسرع قتال
وإن تبقني حيا لحزني والضنااعش كاسفاً بالابهم وأوجال
كفى حزناً طول اغتراب ووحشةوقلة أعوان وإخفاق آمال
فلا بدع إن قل احتمال منكراًتغير حالي بعد خمسة أحوال
تنوع أطوار وفقد موانسوأعواز أوطار وقلة أشكال
وهم بلا حد وطرف بلا كرىوقلب بلا أنس وكف بلا مال
تنكبك الهم الدخيل فإنهإلى الحرا سرى من خيال إلى خال
وأسرع من أودى به الهم والأسىكريم أهأنت نفسه رقة الحال
وغير منه الدم غر خصالهوكلفه الاقلال عادات بخال
وقوله
أرى السحر ما نوحيه أجفانك المرضىولكنه لا يقبل الشرح والعرضا
رموز وأسرار معانات حلهاإلى ما تراه من نحولي بها أفضى
يسل على قلبي الفتور مهندامن السيف أمضى حين يغمد أو ينضى
حمى لحظه السفاح تفاح خدهفلا شم منه يستفاد ولا عضا
ودق عن الادراك والوهم خصرهفلا هصره يرجى ولا ضمه يقضى
ويؤلمني أن لا يزال فم الصبايقبل سراً ورد وجنته الغضا
ألا يأبى من كلما أعرضت لهدموعي بشكوى الشوق أعرض أو أغضى
رضيت تلافي في هواه صبابةويا ليته عني بسفك دمي يرضى
فافي حياتي أو يجود بها سوىعذاب أراه في محبته فرضا
وريح أنت تسري برياه موهناففضت ختام الدمع من مقلتي فضا
وصادحة تشكو الفراق مجانةوتهجع أحياناً ولم أذق الغمضا
وقد لاح من ثغر الصباح ابتسامةأحس بها جفن العمامة فارفضا
فأودعني تغريدها الحزن والأسىوطارت بلبي حيث لم أستطع نهضا
وخيل لي وهمي طروق خيالهفألصقت خدي بالطريق له أرضا
فإن كان لا يرضى مجراً لذيلهبحكم الهوى العذوي الأدما محضا
فقد نفض الدمع المورد صبغهعلى أرض خدي مثل ما يشتهي نفضا
وحيرني دهر يجوز مع الهوىفلم أستطع إبرام أمر ولا نقضا
سأندب عصر الوصل ما ذر شارقفما كان إلا كوكباً لاح وانقضا
وقوله
ظبي على ملك الجمال استحوذافابتز صبري بالنفار وأنفذا
ما فيه من قضو يقول إذعاينته يا ليت خلقة ذا كذا
وملخص الشرح المطول كل منلاقاه راح مسبحاً ومعوذا
ذكراه تنعش مهجتي وتذيبهافهي اتلاف لمهجتي وهي الغذا
ويغيم طرفي بالدموع إذا بدامع انه يجلو من المقل القذا
وأموت من عطشي إليه وقد جرىماء الحياة بثغره العطر الشذا
لا تنطفي حرق الجوى إلا إذاقبلته بل ان صدقت ولا أذا
وقوله
العز لا يشتام إلامن ذرى فلك القناعة
لا تغلطن فليس إلاما أقول أو الوضاعة
رقع سمال الصبر أوفالبس جلأبيب الرقاعة
وإذا اقتنيت سوى التوكلفالبضاعة للاضاعه
وله حين كان في الروم
مشينا في بلاد ليس فيهاسوى وحل يموج ولا يحول
كأنك راكب فلكاً إذا مامشت بك في مجاريه الخيول
أقول لراسب في الوحل يحبوأطلب لك التردد والمقيل
فحول وجهه دون انزعاجوغنى وهو مضطجع يقول
إذا اعتاد الفتى خوض المنايافأهون ما يمر به الوحول
وأشعاره كثيرة والذي أوردناه نبذة منها وديوانه شهير ما بين نظم ونثر وغير ذلك ومن نثره ما كتبه على لسان السيد فتح الله الدفتري بدمشق الفلاقنسي حين عوده من قسطنطينية إلى أوحد الدهر رئيس الكتاب بالدولة المولى مصطفى المعروف بالطأوقجي وهي قوله نبتهل إلى الله ولي كل نعمت وكافي كل مهمه أن يجدد من نفح انسه وفيض قدسه ما تزاد به بهجة الحضرة التي لا يدور إلا عليها فلك المجد ولا تشير الأكف إلا إليها ببنان الاعتبار والحمد فهي الجدير بأن تؤتى من أبوابها وتضمح بغوالي الثناء عوالي أعتابها وهي ساحة جناب افتخار أرباب المجد والأجلال قدوة أصحاب السعادة والاقبال أسوة أهل المقادير والرتب زبدة مخض الدهور والحقب دقيقة قريحة الزمان حقيقة نسخة الفضل والبيان فذلكة جموع المحاسن والاحسان مظهر عناية الرب الأكرم الذي علم بالقلم فله القلم الذي له فعل الأمطار في حسن الآثار وسرعة البرق إذا استطار في الأقمار قد سخره الباري لنفع العباد فلا ترى له رشحة مداد إلا بنفحة امداد ولا تسمع له صره إلا لدفع مضره إلا وهو الذي استرق البلاغة في اللغتين والف بين الضرتين بل جمع بين الاختين وهو كفوء للكريمتين أما العربية الفصيحة والخالصة الصريحة الشهية الضم والالتزام المقصورة في الخيام فهي لديه سافرة اللثام وأما الفارسية الدرية والدرة البهية ذات الحلى والحلل والغنج والكحل فقد التجأت إلى بابه ونشأت تحت حجابه فهذبها بحسن التربية وأولدها أبكارا فتى دعاها اجابته بالتلبية إلا وهو قرارة الفيض الرباني وانموذج شرف النوع الانساني أحسن الله تعالى إليه في الأمور كلها كما أجرى على يديه الاحسان في عقدها وحلها وأدام كفايته لابكار المكارم والمعالي ولا زالت تبلغه المقاصد رواحل الأيام والليالي آمين
أعاذك رب الناس من كل وحشةفإنك في هذا الزمان غريب
ولا كان للمكروه نحوك مقصدولا لصروف الدهر فيك نصيب
هذا وإذا اجنح الخاطر الكريمللسؤال عن حالي الداعي القديم
فالحمد لله الملك المنان الذي أحسن فعم بالاحسان قد وصل الداعي بعونه إلى الوطن
مثقلاً بأعباء التفضلات والمنن فاستحسن بسبب دالة الأنتساب إلى رعاية الجناب أن يقرع باب الاحتمال بعرض صورة الحال ملمعة الجد والامحاض بشيء من الملح والأحماض علماً بأن القصة بهذه الكيفية لا تثقل على السح بالكلية وثقة بأن شافع الوداد وجيه عند السيد الأوحد النبيه يمنعه من الملل كما يحمله على اقالة الزلل وجزماً بأن الجناب المومى إلى عنوان مجده مولع بقبول لطف الأدب هزله وجده فالمنهى أن الداعي بعد تلك الكائنات المقضيه وتلبية الاشارة السنية انصرف عن الاعتاب العلية خلد الله تعالى أيامها وأيد أحكامها وأبد أنعامها ولا زالت القدرة الباهرة لاعدائها قاهره ولانصارها ناصره ولا برح سرادق عدلها على الرعايا بالأمن ممدودا والتوفيق بأرائها وحركاتها معقوداً بحرمة سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين فأشرفنا على بحر الخليج وللريح نئيج والملاحون من أجل ذلك في أمر مريج ونحن على الله متوكلون وإلى حرم حمايته ملتجئون فركبنا ظهر ماخرة الحيزوم وكأنها عقاب يحوم وقد نشرت جناح الشراع وكأنه في الخفقان جنان الجبان إذا ترآءت الفئتان والبحر قد عب عبابه وعلت أعلامه وهضابه ولو شبهناه بغزارة كرم أولياء النعم السابغ على الغنج والمحتاج لما كان لنا دليل عند الاحتجاج ما يستوي البحران هذا عذب سائغ شرابه وهذا ملح اجاج وقد تلاطمت كالعساكر أمواجه وأنتفخت من الحنق أوداجه وتشمخت عرانينه وظهرت من العجب والكبر عجائبه وأفانينه ومرأجل صدره تغلي بالحقد وتفور ولهواته ترمي بالزبد فيمور وكأن متونه مهارق وأدراج وكأن السفن مصاقل من عاج
فلا وصل إلا ان اروح ملججاعلى أسود من فوق أخضر مزيد
شوائل أذناب يخيل أنهاعقارب دبت فوق صرح ممرد
وللموج زفير وهدير وللدسر والألواح صليل وصرير وللريح دوي وصفير وهي بجبال الموج من غير احتشام كما تتلاعب الأيام بالكرام وكأنها حين تعبث به في التمثيل تبحث عن سر في أحشائه دخيل أو تطالبه بذحل وهو يطلبه منها ونحن نطلب سكونه لا سكناه وما كل ما يتمنى فقل في سجن يمشي على زئبق مواج أول مصحوب فيه الارتعاش والانزعاج وأقل مسلوب فيه السكون والرقاد اللذان فيهما راحة الأجساد وكم به من عربيد لا تحمل أخلاقه ولا يستطاع فراقه ولا نفس زمجرة الملاح واستدباره لواقح الرياح واستقباله دوافع الزبد بوجه وقاح والخيزرانة في قبضته كقادمة جناح وكم له من نظرة شزراً ونعرة نكراً وهو يحملق في خطوط
أمامه ضئيله لتستبين بها سبيله المحيله ودليله فيها من الحديدة ابره لو أخذتها في عشقها للمغناطيس فتره لهمنا هيام الشعرا في كل واد ولأضللنا قصد الطريق والرشاد هذا وأمواج متدافعة متقاذفه ترجف الراجفة فتتبعها الرادفة وتذهب الغاشية المضمحلة فتعقبها الناشئة المستقلة وما كفى البحر مرارة طعمه في الأفواه واحتياج ضيقه إلى قطرة من المياه حتى اكفهر وجهه واسود وتجعد وأربد فكأنه مزج بدم الفرصاد أو خلق من مرائر الحساد أو ذابت فيه من أعداء الدين الأكباد يغر الناظر بالسكون ثم يكون منه ما يكون ولا يسمع للشكوى ولا يرثي للبلوى والماء وإن جعل الله منه الحيوان فقد أسند إليه في الجملة الطغيان في قوله سبحانه في الفرقان إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية وما برحت عادته من تجأوز الحد غير عارية وكيف براكبه إذا حلت السحب عز إليها وسيئم المسافر تواليها وهزت البروق سيوفها في كل طريق فاختفت الأبصار بالبريق وأرفضت منه شعل الحريق ومن كابد أخطاره فهو عن استحسان ركوبه يرى وإن استخرج منه الحيلة الفاخرة وأكل اللحم الطري على ان من مزاياه الشريفة حمله عساكر الموحدين إلى غزو أعداء الدين وخلاصة القصة لم تزل السفينة تعلو بنا علو الحق إلى الأفلاك حتى كإننا نمسح وجه السماك ونسبح مع الأملاك وتسفل بنا سفول الباطل إلى الدرك حتى نسبح مع السمك ونحن نرتقص لا من طرب ونرعد والقلوب من الرجف تقوم وتقعد وكأننا في جوفها حب في حوصله ولا نتكلم إلا بالاسترجاع والحوقلة وقد تبرقعت الوجوه بصبغ الورس وثبت المسامع عن الجرس وبطل الحذر والحدس ورب قائل قد كان عمى أوصاني أن لا أركب البحر ولا يراني متهكماً بنفسه بنفس يكاد يتبرأ منه عند خلسه
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحىإذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وما برحنا نبدي إلى الله الخشوع وهو أدرى ونتشبث بذيل الاستغاثة جرا وهلم جرا حتى ألقانا تيار الأقدار على المرفأ وما فينا إلا من لكاء النوتى وما تلكأ ثم صافحنا يمين السلامة ونفحتنا بميامن أولياء النعم كل كرامه ثم أبدلنا الغلك بأفلاك السروج وكأننا في السير نجوم وكأنها لنا بروج وطارت بنا خيول البريد وللفرانق بالهمالج عنف شديد يعتادها من وقع صوته أفكل عجيب ولقلوبها اذا نعر وجيب مريب فلا يده عندها بيضاء ولا وجهه إليها حبيب كم من كميت من خوفه كالميت وكم من ابلق كالعقعق قد مسه من سوطه أولق ثم ان وصل إلى المنزل العامر علك الشكيم إلى انصراف الزائر تصيح وعيونها من كراهة طلعته حول وتتمنى
لو تركها غرق في بحار الوحول أو لو تصدق بها للاحتساب وجعلها طعمة للذباب وهزوة للكلاب لكي تستريح من صب صوت العذاب فكم طوينا بها والليل حالك مهامه فسيحة الارجا والمسالك في سعة الصدر الكريم أو قريب من ذلك حتى أشرفنا على البلد المعروف والوطن المألوف فخرج إلى استقبال الداعي كل كبير وصغير ونحن لهم بصدد التوقير إلى أن غصت أفواه الطرق بالناس وأسفرت وجوه المحبين بالاستيناس
فقلت لصاحبي انعم صباحالعمرك قد تعارفت الوجوه
وأوقد في بعض الأسواق الشموع والشمس في الرابعة والدعوات لأولياء النعم متتابعة والتأمين بالارتفاع حتى من ذوات القناع ولا سيما عند وصول الداعي للدار واجتماعه بمن كان له في الأنتظار من أهل وحرم وأتباع وخدم كان أبكاهم ألم الفراق وتجرعوا مرارة كاسه الدهاق فرب قارة في كنها لم تخرج وطفل من وكنه بعد لم يدرج وكان الارجاف بنا أقعدهم عن النهوض ومنع أجفانهم من لذة الغموض وتخلى عنهم كل صديق كان يعد للمضيق
لا تعدن للزمان صديقاوأعد الزمان للأصدقاء
وبحمد الله تعالى سهام مطاعن الأعداء علينا طاشت وأباطيل الحساد اضمحلت وتلاشت ومودات من قد كانوا دفنوا المعرفة عاشت ومن غضب من غير شيء كان من غير شيء رضاه فلا بلغ حاسد ما يتمناه وبتوفيق الله تعالى قد بذل الداعي ما في طوق الامكان من إكرام كافة الاخوان ولم يبدلا حد منهم صفحة انكار ولا أحوجه إلى مضض الاعتذار
على أنني أقضي الحقوق بطاقتيوأبلغ في رعى الذمام لهم جهدي
وما مثل الداعي ومثل من دبت إليه منهم عقارب النميمة ورموه عن قوس الزور والبهتان بكل عظيمة إلا كما قيل
كل يوم يقول لي لك ذنبيتجنى ولا يرى ذاك منى
فانا الدهر في اعتذار إليهوإذا ما رضى فليس يهنى
ربما جئته لاسلفه العذر لبعض الذنوب قبل التجني
على أن الأكثر فيما تقولوه وازهقه الله فبطل كما قيل في المثل مكره أخاك لا بطل
ورب اشارة عدت كلاماًولفظ لا يعد من الكلام
ونثار المترجم من جزيل وأشعاره كثيرة وكأنت وفاته في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى وبنو كيوان بدمشق طائفة
خرج منها امرآء واعيان اجناد ونسبتهم إلى كيوان ابن عبد الله احد كبراء اجناد الشام كان في الاصل مملوكاً لرضوان باشا نائب غرة ثم صار من الجند الشامي وصدر منهم بغي وتطأول في الظلم جداً وكان قتله في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين من محرم سنة ثلاث وثلاثين والف ودفن عند باب دمشق من ابواب بعلبك وارخ وفاته شيخ الادب بدمشق الاديب ابو بكر الغمري بقوله
ولما طغى كيوان في الشام واعتدىوارجف اهليها وللظلم فصلا
فقلت لهم قرّوا عيواناً وارخواففي بعلبك قتل كيوان اصلا
وله ترجمة طويلة في تاريخ الاعين المحبي الدمشقي والله سبحانه اعلم
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع