من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
أحمد السعيد المرادي
أحمد السعيد ابن علي بن محمد بن مراد بن علي بن دأود وينتهي إلى النبي ﷺ المرادي الحسيني الدمشقي الحنفي أبو المجد رشيد الدين أخي المولى الامام الأجل العالم الفاضل العديم المناظر والمناضل الذكي النبيل النبيه
الأديب الألمعي ولد بدمشق سنة خمسين ومائة وألف وقرأ القرآن على الشيخ سليمان بن محمد أبي الدنيا بن جمال الدين المصري المقري وعلى الشهاب أحمد بن عبد اللطيف التونسي المغربي وتلاه وحفظ بعض المتون وقرأ في الفقه والتفسير والنحو وأخذ علم التفسير الشريف والحديث وبقية العلوم من منطوق ومفهوم عن أجلاء منهم الامام علاء الدين علي بن صادق بن محمد الطاغستاني الحنفي تريل دمشق قرأ عليه الكثير والشيخ أحمد أثير الدين بن عبيد الله بن عبد الله العطار الشافعي وأنتفع به وأبو الفتوح البرهان إبراهيم بن عبد الله السويدي البغدادي وجده لأمه الامام الكبير أبو النجاح أحمد بن علي المنيني الحنفي والشيخ الفاضل محمد ابن حسين الحصاري الحنفي وغيرهم وبرع وتفوق وكان له ذكاء تام وحذق زائد وقوة حافظة وسرعة حفظ ومتانة مع حسن الأخلاق ودماثة الطبع ونظافة الملبوس وحسن المطارحة والصحبة وجودة الخط وسرعته وكثرة العقل وحسن التدبير والادراك التام وكان الوالد يحبه كثيراً ويثني عليه ويجله وصرفه بأملاكه وعقاراته كيف شاء وأذن له بتعاطي أموره وادارة دائرته فتعاطى ذلك وباشره طبق رضاء الوالد وكان لا يخرج عن ارادته بأمر من الامور ويكلفه الوالد إلى أشياء لا يطيق حملها أحد وهو يتلقاها بالبشاشة والقبول ومع ذلك واشتغاله بامور والده الجلائل كان لا يشغله عن المذاكرة والمطالعة شيء ولا يفتر عن تعاطي مطارحات الأدب بين أصحابه واخوانه ولما كان الوالد يقري الهداية في السليمانية كان يعيد له الدروس واشتهر فضله وأدبه ونبله واعطاه الله القبول وأحبه الناس وذهب إلى دار السلطنة قسطنطينية مع والده وجده وإلى القدس والخليل وعمر الدار التي هي بالقرب من دارنا جوار الحمام العقيقي وصرف عليها المال الكثير وزينها أنواع النقوش وأحجار الرخام واتقن صنعها ولما مات استوحش منها الوالد وباعها بأبخس ثمن وكان يحبني ويودني ويبذل جهده في مرضاتي رحمه الله تعالى مع أنه هو الاكبر سناً وقد رأو كان ينظم الشعر وينثر الاسجاع في الرسائل التي تصدر عن والدي وشعره قليل منه هذه الأبيات نقلتها من خطه
لقد كنت أهواها ولم أدر ما الهوىوزاد غرامي الآن والعين تدمع
ومذ علمت أني شغفت بحبهاجفتني صديقي دلني كيف اصنع
وان شئت أن أسلو هواها بغيرهافلا مقلتي ترقا ولا الاذن تسمع
فقل لي خليلي هل إلى الوصل شافعإلى مالكي أم هل إلى القرب مهيع
قوله هل إلى الوصل إلى اخره مأخوذ من قول بعض المتقدمين
ألا ليت شعري هل إلى الوصل شافعإلى أشعري حرت في وصفه الجلي
فنعمان خديه لقلبي مالكولا تعجبوا من ردفه فهو حنبلي
وأحسن منه قول الآخر
قلت وقد لج في معاتبتيوظن ان الملال من قبلي
خدك ذا الاشعري حنفنيوكان من أحمد المذاهب لي
حسنك مازال شافعي أبداًيا مالكي كيف صرت معتزلي
ولما أراد الوالد الحج سنة ثمانين ومائة وألف كتب للأبواب السلطانية ذلك وطلب الاذن فرسم له بالاذن وأن يكتب على مسائل الفتوى ولده أخي المترجم فعزم على الحج وتعاطى لوازم الطريق ثم ان الأخ في غضون تلك الأيام مرض وازداد به المرض حتى مات صباح يوم الاربعاء رابع شوال من السنة المذكورة ودفن داخل دارنا في مدرسة الجد النقشبندية البرانية في محلة سوق صاروجا واجتمع للصلاة عليه وعلى دفنه جميع علماء وكبراء وامراء دمشق ودفنه الوالد بيده وحزن لفقده كثيراً لكنه لم يبد جزعاً وصبر واحتسب وأقام عمي المولي الأجل حسين المرادي مكانه وحج وأنا معه وحزن الناس لفقد الأخ وكثر عليه يوم موته العويل والبكا وكان من نجباء عصره وأفراد مصر، ورثاه جماعة من الادباء أنشدني من لفظه لنفسه صاحبنا الأديب شرف الدين مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد اللوجي الشافعي الدمشقي هذه القصيدة
اجمر الغضا بين الجوانح مضرمام الحزن في الاحشاء جاش له الدم
ام الدهر أودت نائبات صروفهفقلب البرايا بالأسى منه مفعم
يؤلمني الفقد المشت فانثنىوأدمع عيني كالغمائم سجم
ويحسب مسرور الفؤاد من انطوىعلى حرق والقلب منه مقسم
الا في سبيل الله نفس زكيةوراضية مرضية وهي ترحم
هو الدرة العلياء قدراً وقيمةوجوهرة الفضل التي لا تقوم
سأعتب هذا الدهر لو كان يرعويلعتبي أو يصغي لقول ويفهم
لما ذاد هاه بالمنية بغتةوكان التروي واجباً والتلزم
وما هي الا فلتة منه افلتتواحسبه من بعد ذلك يندم
قضى الله أن يقضي لشرخ شبابهفتى وفتى يبقى إلى حين يهرم
وذلك ما لا بد منه وكلنامطيع لأمر الله حقاً مسلم
فأين الورى من عهد حوى وآدمإلى عهدنا بل أين حوى وآدم
فنحن وهم في الموت في حكم واحدولكن تأخرنا وهم قد تقدموا
وانك فيه قد أصبت وان تكنمصيبتك العظمى فاجرك أعظم
فصبراً جميلاً سيدي ولك البقاولا ريب رب الخلق بالخلق ارحم
فأي قلوب لم ينلها تقطعوأي نفوس لم ينلها تألم
وأي عيون لم تفض يوم فقدهتترجم عن حزن وبالدمع ترجم
وعاد مغنى الطير في الجو نائحاًعليه وصار الموج في البحر يلطم
يسومونني الصبر العزيز منالهوأبى يطاق الصبر والصبر علقم
أمولاي لا تحزن لنجل فإنههو اليوم في جنات عدن منعم
إذا كان رب العالمين بذا قضىفصبراً لما يقضي الاله ويحكم
وأنت الذي تهدي الورى وتدلهمعلى الصبر حين الأمر يدهى ويدهم
سقى قبره عفواً وغفراً ورحمةًومن كوثر المختار يسقى ويكرم
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع