تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

أحمد الكجي

أحمد بن محمود بن محمد بن محمد بن جانبك الكجي العصروني الحنفي الدمشقي الأديب كان بارعاً لطيف الطبع والذات ويتولى بدمشق نيابات الحكم كالكبرى والميدان

وترجمه خاتمة البلغاء السيد محمد أمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه روح الفؤاد وانسان الطرف وظرف الرشاقة المملوء من الظرف فظرفه من لب اللباب ولطفه يكيد نشطات الشباب يجتلي أوقاته غرا صقلة فلو تجسمت لكأنت حسناً عقيله فإذا حل بنادي صحب تلقاه قلباً واسعاً وصدراً رحب فتتضاحك له الحدائق والأزهار ويجذل به الجديد ان الليل والنهار وطبعه الربيع في نضارته وعهد الشبيبة في غضارته وهو على الحرص على الشهاب يستر شمس الشيب بالضباب مع أن روض صباه أخلق برده واستعار ثيابه من لا يرده وهو صحيبي منذ عرفت الصحبة وعقيدي في العشرة التي تمحضت للمحبة لم يزل بيتنا عيش حلو غير أن كلامنا من سجو صاحبه خلو فهو في عشق الجمال متفضح وسمته بحسب الغريزة جلي متوضح فلهذا تغلب عليه القلق حتى استعاذ برب القلق وله في صبوته موشحات وشحت بها النوادي وحثت بها المدامة في الحانات والاظعان في البوادي وشعره وان كان قليلاً الا أنه يروي غليلاً فمنه قوله

عدنا بوصل عسى تجدي المواعيدوأحسن لنا فبهذا تعرف الصيد
وأرفق بنفس قضت في راحتيك أسىمذ نابها منك تسويف وتنكيد
يا ظالماً صدنا من بعد وصلتناالحب ذنب لنا أم هكذا الغيد
ان كنت أضمرت تجفونا وليس لناخل وقد عمناهم وتسهيد
فأي ليل إذا وافى نسر بهوبدرتا فيه محجوب ومفقود
وأي يوم من الأيام نشكرهوما به وقفة تشفي ولا عيد
وأي باب من الأبواب نسلكهإلى منانا وباب الوصل مسدود
وأي دخل من الأصحاب كنت لهعوناً أتتني إذا منه الأناشيد
علاء لم يأتنا من نحوكم خبرولم يكن بيننا بيد أباعيد
ولم أراك بحال لا أسر بهترعاك من دوننا بيد رعاديد
فإن منك صلات كنت أعدهافي كل يوم لها للوصل تجديد
وإن منك حديث كنت أسمعهأرق مما راقته العناقيد
يا من إذا ماس من تيه ومن هيفتغار من قده الغصن الاماليد
ويا غز الأغز أنا من لواحظهبمرهف قد نضته الأعين السعود
ان كنت أقسمت حتماً لا تواصلناعدنا بوصل عسى تجدي المواعيد

وقوله يمدح بعض امراء دمشق

الخير فيك وفي رجالكوالدهر يفخر في مثالكوكذاك يروى عن أبي

ك وجدك السامي وخالكولك المودة والفتوةوالحجي شكراً لذلك

يتلوهم الفضل الذيما ذال يخبر عن كمالكمنح الآله وذاك من

حسن اعتقادك واتكالكيا فخر آل الترجمانوعزهم وأنعم بذلك

أنت المذهب والمحببوالتأدب من خصالكوالناس طرا يمدحون

ويشهدون بحسن حالكهذا وأنك في الوغىتخف الكواسر من نزالك

ما سرت خلف قبيلةوقناك أسبق من نبالكألا أسرت كبيرها

والحيش أصبح في اعتقالكوالجود فيك سجيةوالشح لم يخطر ببالك

والمجد قد أورثتهمن قومك النجبا وآلكمن رام مجدك فليكن

يا واحد الدنيا كذلك

وطلب منه امضاء حجة نظماً حين كان نائب الشرع بمحكمة الميدان فكتب

لما تأملت ما تحويه أسطرهوصح عندي ما في طيه وقعا
أنفذته واثقاً بالله معتمداًعليه دون الورى راض بما صنعا
فإنني أحمد الكنجي ابن أبي الثناء الذي بحبال الله مدرعا
وانني النائب الشرعي بمحكمة الميدان والحر في دنياه من قنعا
يا رب فاختم بخير لي وخذ بيديما طاف بالبيت عبد صالح ودعا

ومن شعره ما قاله مخمساً

دعوني من مكائدكم دعونيفما نظرت مثالكم عيوني
فيا تيساً تعمم بالقرونتقول أنا لكبير فعظموني

ألا ثكلتك أمك من كبير

جهلتم نسائر الأشياء جمعاًوفيكم صار جل اللوم طبعا
فيا لردى الورى جوزيت صنعاإذا كان الصغير أعم نفعا

فما فضل الكبير على الصغير

وله قسماً ومن بالحب قد أبلانياني لغيرك ما لويت عناني
يا أيها الظبي الذي ألحاظهمن غنجهن السقم قد وافاني
مالي أراك اضعتني وتركتنيفي حر نار بعضها أضناني
وصبوت عني بعد كنت مواصليوأمرت عندي بالجلوس مكاني
فلك البقاء فالرب يوم ان تسلعني تراجعني فلا تلقاني
ان المحب إذا تناهى عمرهفالدهر لا يعطيه عمراً ثاني

ومن مقطعاته قوله مضمناً

كن حليماً ما تستطيع وأحسنلجميع الأخوان والخلان
ان من كان محسناً قابلتهبجميل عوائد الاحسان

وقال مداعباً لابن المليحي

يا سيد أو حبيباًبالخبر لا زلت تذكر
تدعى بابن المليحيوأنت أبلوج سكر

وكأنت وفاته في سابع وعشرين رمضان ليلة القدر سنة سبع ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح وسيأتي ذكر ولده محمد ان شاء الله تعالى ورثاه جماعة من الفضلاء الاعلام منهم الاستاذ الأعظم الشيخ عبد الغني النابلسي فقال مؤرخاً

أحمد النجي قد مات فاصبر واصطبر
قد أتى تاريخهليلة القدر قبر

وقال أيضاً

أحمد الكنجي أحمد خلفاضل خلقه احتمال وصبر
مات شهر الصيام ليلة قدروله من الهه كان جبر
يا لميت مبارك كنت حتىلك أرخه ليلة القدر قبر

ومنهم نابغة الأدباء السيد أمين المذكور فقال

يبكيه متى ما بقيتقديم ود لا يحول
ان كان فارق ناظريفله بأحشائي مقيل
خطب الكيجي الجليليولي به الصبر الجميل
لو كان يفدي لأفتداهـ الناظر الدامي الكليل
ما للأماقي لا تفيضلحطبه منها سيول
حتى تفيض نفوسناوتضلها منها عقول

رحمه الله تعالى ورحم من مات من أموات المسلمين أجمعين آمين

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.