من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
سعيد السعسعاني
سعيد بن محمد أمين بن خليل بن عبد الرحيم المعروف بالسعسعاني الحنفي الدمشقي الأديب الناظم الناثر الفاضل اللوذعي ولد بدمشق تقريباً بعد السبعين وألف ونشأ في كنف والده وكان والده من صدور أعيان دمشق له السمو والرفعة والشأن والصولة غير أنه كان من العلم فارغ الاناء وتوفي بدمشق في سنة مائة وألف وجده المولى خليل كان أبوه اماماً بسعسع قرية معروفة من نواحي دمشق كبيرة وأصله من بلدة علائية من نواحي قرمان في الروم وسافر إلى الروم خليل المذكور ولازم على قاعدتهم وتولى قضاء طرابلس الشام وقيصرية وبعدها ولي افتاء دمشق مع رتبة قضاء القدس وأعطى قضاء بعلبك على طريق التأبيد ويسمونه بالأربلق وكان مهاباً جليل القدر عالي الهمة وفيه مروءة وسخاء ومعروف وتغلب وتوفي بدمشق في جمادي الثانية سنة احدى وثمانين وألف ثم ان المترجم نشأ بعد وفاة والده متنعماً مترفهاً مدة وصارت له رتبة اعتبار المدرسين ثم تولية وتدريس المدرسة القجماسية ودرس بها وكانت بيده علاقات وغيرها وأملاك وكان فاضلاً مشهوراً بالأدب والفضل حسن النظم من أفاضل المخاديم أولاد الأعيان وظرفائهم ونبهاء دمشق وأدبائها وفي أواخر أمره تغير حاله وعيشه وضره الزمان كعادته وترجمه الشيخ سعيد السمان وقال في وصفه ماهر كامل الاستعداد وبارع وافر الاستمداد ربى في حجر المجد وانتشا وارتشف أخلافه حتى انتشى فطلع غصناً إلى العلياء نموه لا يطاول ارتقاؤه بالمناكب وسموه يترنح للفضل ويهتز ويفخر في مجمله ومفصله ويعتز لا يكدر له صفو ولا يصدر عنه الألطف وعفو بكف ما كف عن نوال وأياد تندى قبل السؤال ولسان باللغات الثلاث طليق وخلق بأن يثنى عليه خليق فرقص له الدهر برهة وصفق وصيره هو السعيد الموفق ولم يزل كذلك وشبابه في ريعانه واقتبال عمر في ابانه وسوانحه لا تحظى الأصابة ولا يرمى غرضاً الا أصابه ووالده للكرام قبله قد استأثر بمحامد من بعده ومن قبله لا تنبو له همة ولا تروعه الجلائل المدلهمة كلمه تخرق الصدور وترتاع من مواقعها الصدور حتى خوى منه بيته ولم ينفعه لوه ولا ليته فأقام هو مكانه والدهر يمشي به القهقري ويدب إليه سمومه
كما يدب في المهوم طيب الكرى فلم يستفق الا وقد انشب فيه نابه وكان سبباً اقتضى انقباضه واجتنابه وقد لاكته السبعون ولاكها وهو يرصد من سماه أمانيه أفلاكها فلم يظفر بطالع كاسمه ولم يكن غير الأحن من قسمه وقد كان في الأدب قطبه الذي عليه مداره وبدره الذي لم يفارقه ابداره تنقاد إليه القوافي وستعده بالقوادم والخوافي وهاك منه ما يفضح الريم إذا شدن ويسري مسرى الراح في البدن انتهى مقاله وللمترجم شعر بديع فمنه قوله
كل حسن من دون حسنك دونأنت للحسن جوهر مكنون
يا نبي الجمال أوتيت حسناًأبداً نوره لديك مبين
ظهرت معجزات حسنك حقاًولآياته لانت الأمين
لك لانت صم القلوب وفاضتفيك شوقاً من العيون عيون
ما خلاصي وبي غلو غراموبجنبي منك حرب زبون
أنا من أمة الغرام لكلفيه شأن ولي بذاك شؤون
مذهب الحب مذهبي وهو دينيوبه الله في المعاد أدين
وقوله
حيث بانوا وأزمعوا التوديعاتركوا أثرهم فؤاداً وجيعا
قلدوا صارماً بباهر حسنواكتسوا سابغاً جمالاً بديعا
جنحوا للسرى الصباح سراعاًوبنوا بيننا حجاباً منيعا
طالما أوحشوا المعاهد منهمحيث كانت أو أهلاً والربوعا
يا سقى تربها يعاليل جودغب جدب يعود خصباً ربيعا
عرب ان ذكرتهم استهلتسحب الجفن بالدماء دموعا
حفظ الله عهدهم حيث كانوالا يزالون يحسنون الصنعا
هم شموس الكمال أين استقلواوبدور التمام ثم الطلوعا
فعسى الله رحمة عن قريبسوف يأتي بهم جميعاً سريعا
وقوله
كيف يرجو الخلاص صب تولهبهوى مترف يفوق الأهله
ذو نفار حوى اللطافة طراوبديع الجمال قد حاز كله
زان ورد الخدود منه حياءماء عين الحياة أصبح طله
سرق اللب مذ بدا وهو يزهومن طراز البها بأحسن حله
موسوي من حسنه تهت فيهاتخذ الفرع للعقول مظله
سقم جفنيه شف جسمي سقماويراه وعله واضمحله
واه واحسرتاه مما بقلبيمنه ما بالجحيم أضحى أقله
يا منى النفس لا من لدنك حنانالفؤاد قد رضه كل عله
واتق الله في أعزة قومفي قيود الغرام أضحوا أذله
وقوله مخمساً لبيتين من قصيدة البارع مصطفى البابي الحلبي
أجرني فاني فازع من غوايتيوفي تيه آثامي انتهيت لغايتي
إلى بابك الأحمى رفعت شكايتيرسول الرضى قد أثقلتني جنايتي
وليس لعاص غير بابك مهرب
أيا رحمة الله المرجي لمن نحايؤم حمى جدواه الا ومنحا
أغثني أياغوث الأنام الوحا الوحاألم يرضك الرحمن في سورة الضحى
وحاشاك أن ترضى وفينا معذب
وللمترجم
قفا نتشاكى عل تجدي بنا الشكوىبيث غرام يضمحل له رضوى
ونندب اطلالاً عفت ومعالماًبآرامها كانت هي الجنة المأوى
فتنت بغصان من السحر طرفهفما سنه ها روت من لحظه يروى
مقرطق خفاق الوشاح جبينهمن الكوكب الدرى أبهج بل أضوا
تحيرت الأوهام كل بحسنهوفي حبه طرا تجمعت الأهوا
سقى الله عهداً قد مضى بنعيمهوعيشاً به أهنى من المن والسلوى
وديم على أرجاء معهد أنسهامن المزن يعلول مضاعفة الأنوا
فحيث غصون الأنس دانية بهالتجني ثمار الوصل منها كما تهوى
فآمالنا قرت هنالك أعيناًفأنعم بها مأوى وأكرم بها مثوى
ومن شعره
أيرجى من الغرام فراغيوهواه في مهجتي أي باغي
نير يكسف الشموس بهاءحين يبدو سناؤه في انبزاغ
ولأجفانه مواقع سحرموهته بالمسك في الأصداغ
بفؤادي لعقرب الصدغ لدغما صنيعي بعقرب لداغ
ولشحر ورخا له روض حسنفوق وردي وجنتيه يناغي
ساغني في هواه سما زعافاًهل لحتفي في حبه من مساغ
كل مين جاؤا به فهو لغولست أصغي فيه إلى وشي لاغي
هو في الحسن والجمال نبيجاء بالمعجزات لللأبلاغ
أسبغ الله نعمة لي منهبهواه لا زال في الأسباغ
صيغة أبدع المحاسن فيهيا له من مهيمن صباغ
وله
في مهجتي من اليم الوجد افراطلأن لو أن رضوى فيه قيراط
صبابتي فيك قد قامت قيامتهاومن غرامي امارات واشراط
يا كعبة الحسن من حجى إليه غداوبالطواف لروحي فيه أشواط
بلغت من عرفات الا من فيك منيوحصر قلبي لوفد الروع محتاط
لك اعتماري وسعى أنت ملتزميوهذه من فروض العشق اسقاط
وله
كيف أرجو من الغرام خبوهوالتياعي يوري بقلبي نموه
أسبيل إلى منال الثريامن هلال أم كيف أرجو دنوه
قمر يستهل بدراً تماماًأين للبدر ان يحاكي بدوه
بمحيا كالشمس والريم لحظاًحيث يبدي بهاءه ورنوه
يسترق الألباب طرا مراهكل لحظ بالسحر فهو مموه
سور نزلت بآيات حسنمحكمات في شأنه متلوه
ما خلاصي وفي الفؤاد زفيركل حين يربي هواه غلوه
باهر الجمال راح بريناتارة صده وحينا حنوه
كيف لا يحمد السرى من سعيدفيه وإلى رواحه وغدوه
وله مخمساً
يا كوكباً من بروج الحسن مطلعهويا رشا جل منشيه ومبدع
ومن غدا في سويد القلب مرتعهأشكو اليك فؤاداً أنت موجعه
شكوى خليل إلى ألف يعلله
موله لم تزل تزداد حسرتهوالجفن من أرق تنهل عبرته
والقلب من وهج أعيته زفرتهسقمي تزيد على الأيام كثرته
وأنت من عظم ما ألقى تقلله
يا أغيداً لم تجد في حسنه شبهاًبحن حيناً وطوراً ينثني رفها
فكيف يصنع صب قد قضى ولهاالله حرم قتلي في الهوى سفها
وأنت يا قاتلي ظلماً تحلله
وله
بروحي رقيق الخصر أحوى منمنملقد عل لخطاه بسقمهما جسمي
وعللني بالوصل بعد امتناعهوكيف لعمري بيننا علة الضم
وهما على عروض بيتي محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي وهما
يلومونني في ضم غصن قوامهولا ذنب للنساك في الضم واللثم
نعم بيننا جنسية الود والصفاولكنني لم ألفها علة الضم
ومن ذلك قول الفاضل محمد الكنجي
ضممت حبيبي عند تقبيل ثغرهفلح عذولي بالملام الذي يصمي
وكيف وفيما بيننا حلة الوفاواني أراها في الهوى علة الضم
ومن ذلك قول مصطفى بن محمد الكنجي المذكور
تنشقت عطر الورد من طل خدهواتبعته ضما وبالغت في اللثم
فماس دلالاً وانثنى ثم قال ليرويدك اني عارف علة الضم
ومن ذلك قول النبيه البارع السيد المصطفى الصمادي
بروحي من في العيد أقبل ضاحكاًومبسمه كالدر مستحسن النظم
وقابلني بالود حتى ضممتهكضم كمي سيفه خير منضم
وصافحت بالتقبيل صفحة خدهوطوقت منه الجيد عقداً من اللثم
وما كان في قربي له من وسيلةسوى الود منه فهو لي علة الضم
ومن ذلك قول الكامل محمد بن السمان
بروحي ظبي ناحل الخصر قد غدايشابه ذياك النحول ضنا جسمي
ونار فؤادي مثل نار خدودهوسقم جفون اللحظ شاكله سقمي
ولا عجب ان قد ضممت قوامهوقد ظهرت ما بيننا علة الضم
ومن ذلك قول الأديب محمد المحمودي
وأهيف قد جاذب الغصن في الربافمال إليه الغصن وانقض كالسهم
وعانقته كالعاشق الهائم الذيتعانق مع معشوقه الناعم الجسم
ولا بدع للغصنين أن يتعانقافحسن اعتدال القد من علة الضم
وللمترجم
عز المواسي في الهوى والمسعفما لين تحنو يا ظلوم وتسعف
ولطالما أكنت فيك سرائريفإذا عها مني الغرام المرجف
يا واحداً بهر الأنام بحسنهوغدا لأبصار الورى يستوقف
عذب بهجرك ما استطعت ففي غدبيني وبينك يا ظلوم الموقف
ومن ذلك قول الأديب عبد الحي الخال
قد طال فيك تستري وتموهيواذيع ما أخفيته بتأوهي
وزجرت قلبي منك قلت لعلهأن ينتهي فأجابني لا أنتهي
يا حبذا حجبوه عني إن يكنبرضاك اني أشتهي ما تشتهي
عذب وجر فعسى يطول حسابنافي الحشر كي أحظى بمنظرك البهي
وأصله قول ابن رواحة
يا ماطلاً لا يرى خليللديه ورداً سوى سراب
نعلم الطيف منك هجريفلا أراه بلا اجتناب
كم كتب الدمع فوق خدياليك دعوى بلا جواب
أغلقت باب الوصال عنيفسد للصبر كل باب
ان كان يحلو لديك ظلميفزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بينيوبينك الله في الحساب
ومنه قول بعضهم
زدني عذاباً ولا تترك لجارحةمني جراحاً وخذ روحي وجسماني
عساك في الحسر لما أن يطول غداًحسابنا تتملى منك أجفاني
ومنه قول ابن نباتة من قصيدة
وطولي من عذابي في هواك عسىيطول في الحشر ايقافي واياكي
وكانت وفاة المترجم في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع