من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
حرف السين
سعيد الكناني
سعيد بن علي الشهير بالكناني بالخفيف الدمشقي الفاضل الأديب ترجمه السمان فقال في وصفه كنانة طائشة السهم لها في كل غرض أو في سهم انتظم في سلك الطلبة فلم يدرك مطلبه بهيكل لو أراد لأهتصر الغمام وساعد لو مد لطاول البدر التمم وهيولي هائلة وصورة إلى التكلف مائلة ولم يزل في حيرة من أمره وارتباك ناصباً الصيد آماله حبال الشباك مستهدياً به لزمن بخيل ومتطاولاً إلى ما لا تدرك مداه باسقات النخيل فزجر الطير فأراه ان البعد خير فاعمل الأرتحال وتشبث بأذيال المحال إلى أن حل قسطنطينية فأقام بها مدة في بلهنية هنية الا أنه لم يقض من مآربه الوطر ولم ينل الا ما هو في الأزل مستطر حتى استوت به الأرض وارتفع عنه التكليف بالسنة والفرض وعلى أي حال فله إلى الكمال انتهاض أتعب به جناح عمره وهاض وله شعر منطبق على حده كالبحر في جزره ومده انتهى ما قاله وأنا أقول ولما كان في دار الخلافة طلب منه الوزير الأعظم علي باشا بن الحكيم أن يشرح له صلوات سيدي عبد السلام بن مشيش فشرحها وتوفي
بقسطنطينية في أواخر سنة خمس وخمسين ومائة وألف ودفن في اسكدار رحمه الله تعالى وقد ذكرت له من شعره ما أثبته هنا فمنه قوله من قصيدة مطلعها
لله در المذاكي طاب مسراهاسقيا لها حيث زاكى الوجد أسراها
السابقات التي ان جد فارسهاأورت من القدح ما أضوى وأزكاها
تطوى الفيافي فلا طرف يسابقهاولا نسيم صبا الأسحار بأراها
يا حاد يا رام في البيداء يزجرهارفقاً فلا يدن منك الحدو أدناها
واعطف عليها فان البين أنحلهاواحذر يذيب الجوى والوجد أحشاها
فلا البلابل في الأدواح تطربهامن الهيام ولا القمري أسلاها
ولا اهتزاز القنا فوق القباب إذاما اشتد حر الوغى واستد مجراها
تجوب فينا سهولاً وهي ضامرةوكم تجوز وعور أعز مسراها
لها الهنا حيث تسعى وهي هازلةكأنما داعي الأشواق ناداها
أو هاتف من اليم الخطب حذرهاأو منذر من وقوع الحتف أنجاها
من قبل أن تتوارى الشمس في حجبومسح أعناق أولاها وأخراها
فكم افكر منها الطرف وهي علىالحصبا تهادي كان البرق أهداها
وليس الا مزيد الشوق يحملهاإلى سليمان سامي القدر مولاها
ومن سرى في البرايا وهو واحدهاعلى بساط الهدى يستام أبقاها
والعدل في مثله قد شاد منعتهمن بعد ما كان فرط الجور أوهاها
والحلم أضحى بديع الشكر حيث غدامستكملاً في مزايا عزاً حصاها
منها
فمن يقابل اسدا في الفلا هزمتيؤمها حيث سارت حتف أعداها
شعث النواصي لها من سهمها لبدسود المخالب كالمصباح عيناها
كأنها حين سارت في الفلا شهبعلى الشياطين رب العرش ألقاها
ان الليالي المواضي كن عاطلةوهذه بلقاك السعد حلاها
فلا تزال لك الأيام طائعةوفق المراد كما تختار تلقاها
ومنها
فالله من فضله بالحكم فهمكالصواب فاشكر لنعمي أنت مولاها
لا زال في حكمك الآمال طامعةتأوي لك الناس أقصاها وأدناها
وقوله من قصيدة مطلعها
بلابل بشر المسرة تصدحعلى دواح أفراح من العز تفتح
وعرف الهنا فاحت نوافج طيبهفكل فؤاد من شذاه مروح
وضاع عبير العطر يعبق في ملاالتهاني وأرواح البشائر تنفح
وروض العلا يفتر ثغر أقاحهسروراً بمن في رحبه يترنح
فيا قاطف اللذات دم متمتعاًبأنفس ما منه النفوس تروح
لقد طاب مجنى مأربي في ربا الصفالمن رام في نيل المآرب يربح
وأسفر صبح السعد من وجه منحةتبيح النهى أو في الهنا حين تسنح
وترتاح آماق لديها تعشقتسحابتها أذوابل الدمع يسفح
ففازت بأقصى ما ارتجاه مؤملوانضر ما فيه النواظر تسرح
وقرت مناء حيث سرت سرائرحباها أمانيها الزمان المفرح
حست كأس بشراها دهاقاً وعللتغليل فؤاد وارى الوجد يقدح
فقد طاب للآمال من صفقاتهاغنائم أمن للبرية تفتح
ومد ظلال العدل صافي رواقهعلى جلق والدهر يسخو ويسمح
فيا طرف طرف اللحظ لا زلت راتعاًورهبك في أهنى المواهب أفسح
بظل سليمان الذي ليس ينبغيلشهم سواه في البرايا ويصلح
وقوله من قصيدة
سمح الدهر باللقا والتدانيوغدا السعد من حظوظي داني
ولقد حزت من بلوغ مراميولذيذ الهنا ونيل الأماني
ما به القلب مستزيد سروراًويزيل الضنا عن الجثمان
ان تغنت ورقا على غصن بانهيمتني وحركت أشجاني
تشتكي حرقة الجوى والتنائيفكأن الذي شجاها شجاني
قوله فكأن الذي شجاها شجاني أقول قد رأيت في الحمام والورق وما ينضاف إلى ذلك للمتأخرين والمتقدمين مقاطيع وما ينضاف إلى المقاطيع من نوابغ أدبيات شيأً كثيراً فمن ذلك قول صاحب مصارع العشاق
رب ورقاء في الدياجي تناديالفها في غصونها المياده
فتثير الهوى بلحن عجيبيشهد السمع انها عواده
كلما رجعت ترجعت حزناًفكأنا في وجدنا نتبادة
ومن ذلك قول ابن قرطان المغربي
ذكرتني الورقاء أيام أنسسالفات فبت أجري الدموعا
ووصلت السهاد شوقاً لحبيوغراماً وقد هجرت الهجوعا
كيف يخلو قلبي من الذكر يوماًوعلى حيهم حنيت الضلوعا
كلما أولع العذول بعتبيفي هواهم يزداد قلبي ولوعا
ومن ذلك ما أنشده عبد الله بن محمد بن حساس بقوله
لقد هاجني للشوق نوح حمامةمطوقة من مترفات الحمائم
وناحت وما أذرت دموعاً وقد رأتعيوني تجري بالدموع السواجم
إذا ما تراجعنا الحنين حسبتهانوادب رجعن الصدا في المآتم
وأنشد ابن الصاحب
وذات طوق على الأغصان تذكرنيقوام حسنك في ضمي لمعتنقك
قد سودت مهجتي نوحاً فقلت لهاسواد قلبي يا ورقاء في عنقك
وقال ابن حجة تقي الدين
ناحت مطوقة الرياض وقد رأتدمعي تلون بعد فرقة حبه
لكن بتلوين الدموع تباخلتفغدت مطوقة بما بخلت به
وأنشد ابن الذهبي وأجاد
وبمهجتي المتحملون عشيةوالركب بين تلازم وعناق
وحداتهم أحدت عراقاً بعدماغنت وراء الركب من عشاق
وتنبهت ذات الجناح بسحرةبالواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عنيعقوب والألحان عن اسحق
قامت تطارحني الغرام جهالةمن دون صحبي بالحمى ورفاقي
اني تباريني جوى وصبابةوكآبة وأسى وفيض أماقي
وأنا الذي أملي الهوى عن خاطريوهي التي تملي من الأوراق
وكنت نظمت في ذلك أشياء من ذلك قولي حين كنت في اسلامبول عام اثنين وتسعين ومائة وألف وهو
وما شاقني الا تغني حمامةلها رنة في سجعها وصدوح
تعلمني شكوى الهوى بغنائهاوتعلن في شكوى الهوى وتبوح
وفي سجعها تبدي الغرام مرتلاًوتذكر طيب العيش وهي تنوح
كلانا غريب عاشق قد أضرههواه فأضحى هائماً ويصيح
عودا للمترجم فنقول ومن شعره قوله منها
رددت سجعها بألحان سجعفارفضت الدموع بالهملان
وإذا أهدت الصبا نفحاتمن شميم الخزام والريحان
ذكرتني العهد القديم بأسنىمنزل لو قضيت فيه زماني
واغتنام الحواس من در لفظهو أشهى من استماع المثاني
ووالتحلي بطلعة ليس للبدر شبيه منها سوى اللمعان
ومنها في المديح
من يقل حاتم سخي فهذاشهدت في سخائه الخافقان
يدع الخيل في الوغى خائفاتحيث تبقى بالرعب والرجفان
وإذا صال ولت الاسد اذ يقعبل خوفاً فكيف بالفرسان
ماله في النزال شبه ولا عنترة العبسي طاعن الشجعان
وقوله من قصيدة
وأيقظ أجفان الغرام هبوبهاودار كؤوس الوجد عبهره صرفا
وبدل در الدمع شفاف لطفهاعقيقاً وزاد الشوق في نسقه ضعفا
وأضحى جوى الأحشاء تضرمه الندىوأوهى الضنا جلدا عن الحب ما كفا
أو رقاء هل يصفو لنا العيش برهةفنلقى بها لهفاً ونلقى بها ألفا
فان بنا أيدي النوى قد تحكمتوهل ربة الألحان في العمر من زلفى
وان جديد الشوق أبلى تجلديوألقى الضنى بيني وبين الكرى سجفا
كأن عيوني حين أقمح طرفهابخبخ الدجى قد حرمت لذة الأغفا
كأن سهيلاً صار سهدي وأعينيالثريا وهل شيء للقياهما يلقى
كأن بنى نعش جعلن رواقيامخافة أن يأتي الكرى مقلة وطفا
كأن جفوني المعصرات وأدمعيرذاذاً ونوء الوجد يرسلها ذرفا
كأن السماكين اشتياقي ولوعتيفذا رائح يبدو وذا أعزل يخفي
كأن فؤادي قطب دائرة الهوىبه فرقدان السقم والبعد قد حفا
كان اصطباري كان جوزاً أفقهاًففحام عقاب الهجر واغتاله خطفا
كان به العيوق مذ شام أدمعيغدا لابساً من صبغها حلة ظرفا
كان جوى الأحشاء منذ توقدتقد اقتبس المريخ من شهبها سدفا
كان حظوظي كان كيوان برجهاوحلت بمغناه ولم تجد الصرفا
ففي المشترى هل ينزلن رعيلهاويصبح في برد السعادة ملتفا
كان السهى رامت تعين تصبريفجاء الجفا أخفى أشعتها ضعفا
كان هلالاً كان يبدو لناظرفحالت صروف عند ذلك فاستخفى
وقوله في استنجاز وعد
يا وحيداً به المكارم تاهتوعزاه الورى لصدق الوعود
قد وعدتم لمن غدا بانتظارفأنجز الوعد لا بيوم الوعيد
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع