من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
سليمان المحاسني
سليمان بن أحمد بن سليمان بن إسماعيل بن تاج الدين بن أحمد المعروف بالمحاسني الحنفي الدمشقي الخطيب والامام بالجامع الأموي الأديب الحاذق الذكي النبيه كان مطبوعاً سخياً له فطنة وقادة وتحصيل للكمالات ولد بدمشق في سنة تسع وثلاثين ومائة وألف وبها نشأ وقرأ على جماعة من مشايخها وبالجملة فقد كان من كمل الناس يتفحص عن الوقائع الأدبية ويكتب ما يستحسنه منها ويشتري الكتب ويقابلها على غيرها ويضبطها ضبطاً حسناً بخطه وكان لطيف العشرة حسن المطارحة عفيف النفس وارتحل إلى دار الخلافة في الروم وصرف بها مبلغاً من الدراهم وباع
كتباً جليلة ثمة ولم يحصل على شيء من سفرته وصارت له رتبة موصلة الصحن لما ولي حكومة دمشق الوزير محمد باشا العظم وكانت قبل ذلك له رتبة الداخل وحين جاء عرض له بذلك وللمولى أسعد بن خليل الصديقي برتبة دار الحديث السليمانية وللمولى السيد حمزة بن علي العجلاني نقيب الأشراف برتبة الصحن فجاءت لكل منهم ذلك من شيخ الاسلام المولى محمد سعيد ميرزا زاده مفتي الدولة العلية ولما توفي رئيس الكتاب في القسمة العسكرية يحيى بن إبراهيم الجالقي أخذ الرياسة عنه وباشرها فلم يجل في بابها وأراد أن ينهض فكبا ولم تطل مدته وتوفي وكان يتولى النيابات بمحاكم دمشق ودرس بالجامع الأموي حين جاءت العساكر المصرية إلى دمشق وأخذتها وواقعة ذلك مشهورة أغرض على آغا اليرلية بدمشق يوسف أغا الشهير بابن جبري ونسبه لأمور خالية عنه وإنه خان الدولة وارتشى من رئيس العسكر الأمير محمد المعروف بأبي الذهب وكان الأمر بخلاف ذلك فبعد تمهيد الأمور وعود أهالي دمشق اليها حصل له رعب شديد من آغا اليرلية المذكور وتحقق أذاه له فبعد مضي مدة قليلة غضب على المذكور والي دمشق الوزير عثمان باشا وخنقه في قلعة دمشق وضبط ماله لطرف الدولة العلية وبعد موته ألف صاحب الترجمة في حقه رسالة سماها البغي والتجري في ظهور ابن جبري وذكر فيها ترجمته وأحواله واشتهرت الرسالة في وقتها ولم يزل المترجم على حالته إلى أن مات وكان من أحباب والدي وأودائه وللوالد عليه حنو وعطف وكان يكرمه كثيراً وله فيه مدائح فمن ذلك قوله ممتدحاً والدي بهذه القصيدة ومطلعها
سرت النياق وهزني منها شجنوغدت نحن بذا المسير إلى الوطن
وأهاجني برق تراآى اذ حداحادي الظعون بهم وروعني الحزن
لله يا حادي الركاب بمهجةقد أورثت وجداً وشوقاً للدمن
ما أنت يا حادي بخلي في السرىدعها ومل نحو الديار إلى العطن
هذا العلي أبو المكارم من غداغيث الزمان إذا به محل قطن
ذو الرأي والتدبير حبر كاملمع فضل سحبان له خلق حسن
فالبحر يزخر من مواهب جودهوالدر والياقوت ليس له ثمن
لا غر وان السيل يحكي كفهفالكف أسبق بالنوال إذا هتن
منها
وعلى ثنائي للجناب ملازموسرائري تنبي بذلك والعلن
ما فيه عيب غير إن يمينهقد طاولت أعلى السماك بلا وهن
لا زال يرفل في السيادة دائماًما طاف عبد بالمقام له وحن
أو ما ترنم طائر في بانةيشدو بأخان لدى غصن أغن
وله من قصيدة امتدح بها والدي مطلعها
سقاك المزن يا دارا بحزويوأخصبك الربيع بها وأروى
وحياك المهيمن ما تراءتبدور من مغانيك لمثوى
بدور قد عهدت بهم وفاءبذات الضال ما أهناه حبوا
تذكرني الشبيبة كل وقتورغد العيش بالجرعاء مأوى
رعى الله المعاهد والمغانيوإن كانت من الأعمار تطوى
فدع عنك المغاني ثم عرجلشهم العصر ساميه كرضوى
امام في العلوم حوى أياديبسعد يالها منحا فتروى
تسامى لا البدور له تحاكيوأين البدران يحكيه زهوا
منها
فوافى بابه تجد التهانيوتمنحك الهداية منه عفوا
بعز فوق هامات الثرياومجد ناله شرفاً بتقوى
فظل النصر يخدمه دواماًووافته السعادة حيث يهوى
وقال مشطراً
أحمامة فوق الأراك تبنيقد فاح بالترجيع عرف شذاك
ما أنت أول من بكى لصبابةفبحق من أبكاك ما أبكاك
أما أنا فبكيت من ألم الجوىمتذكراً لمقيل ظل أراك
أجريت فيض محاجري بتذكريوفراق من أهوى أأنت كذاك
وكتب في صدر رسالة وهو في الروم قوله
سقى الله أرض الشام صيب رحمةتروم على سحب الهنا برباها
فكم لي بمغناها سوالف وقفةتقضت بصفو ما ألذ مناها
وقفت على ماضي المعاهد أدمعيإلى أن يعاني الطرف طيب ثراها
ومني على من حل موطن جلقلألف سلام من مشوق هواها
ومما اتفق له من المساجلة مع الوالد وسادة أجلاء في روض تفتح زهره وصفا نهره واعتدل هواؤه وراق جلاؤه فقال المولى إسماعيل المنيني
وندى أنس بالأهلة مشرقوباوج علياهم سناهم يشرق
قد طاب أنساً بالهناء وغردتفيه البلابل والمياه تصفق
والروض فاح عبيره لنسيمهالخفاق والأزهار فيه تعبق
وزهت كؤس الصفو في أرجائهصرفاً ليحسوها الفؤاد الشيق
ثم أنشد والدي فقال
والروض يعبث بالنسيم تاؤدالما غدا ماء العذيب يرقرق
والورد غض مطرق لرؤسهشبه الذي هو بالخجالة مطرق
لم أنس ليلة زارني في تيههوعذولي النمام ذاك الأزرق
ثم أنشد البارع محمد شاكر العمري فقال
لا كان عذالي ولا كان العدافالقلب من عذاله متقلق
وسقى الحيا روضاً به نلنا المنىبأحبة قلبي بهم متعلق
من كل بدر كالغزالة وجههوقوامه غصن بفرع مورق
وجبينه صبح وطرة وجههليل وصفحته كورد يشرق
ثم أنشد صاحب الترجمة فقال
عاطيته كأس المدام وبينناعهد أكيد بالمحبة موثق
عهد يطول وإن تلاحى عاذلفبوجهه أيدا يذل ويطرق
وعلى المحبة قد طويت أضالعاحتى القيام وكل فرد يسبق
والبدر يفتضح الظلام كما بدافلق الصباح على الروابي موثق
ثم أنشد المنيني المذكور فقال
وغدا به قلبي يعذب في الهوىوالجسم مضني والنواظر تحدق
ااراك تسلو يا خلي مهفهفاًحلو الشمائل بالفؤاد معلق
صاد القلوب بلحظه فنبالهبالفتك من سهم المنية أسبق
وحوى جمالاً باهراً جل الذيأنشاه بدراً بالمحاسن يشرق
ثم أنشد والدي فقال
من عصبة هم للرياض عبيرهاونسيمها الفواح فيها يعبق
حلواً بقلبي شبه سكان الحمىكل له في القلب شمس تشرق
ولذاك إني مولع في حبهمولسان حمدي بالفصاحة ينطق
ولطالما إني أشنف مسمعاًفي حب من في حبهم أتعشق
ثم أنشد العمري المذكور فقال
هم أهل نجد والعقيق وحاجرشنف بذكراهم فقلبي يحرق
وأدر لنا ذكر العذيب وبارقمع طيب سلع والأبيرق يبرق
وانشق به ريح الخزام لعلنامن عرف ذياك الحمى نتنشق
دار بها قد حل أشرف مرسلطه النبي الصادق المتصدق
ذو الجاه والشرف الرفيع ومن بهكل الأنام إلى علاه تنطق
ثم ختم المحاسني المترجم فقال
صلى عليه الله ما ركب سرىنحو العقيق وما أشرأبت أنيق
والآل والأصحاب ثم ومن تلامن بعدهم في الدين هديا حققوا
ما غردت ورق الحمام سواجعاًوسرى نسيم الروض فيه يخفق
وللمترجم متشوقاً إلى دمشق حين كان في القدس في سنة ست وسبعين ومائة وألف
شوقي لجلق ذات المنهل العذبأهاج وجد غرامي زائد اللهب
يا زاجر العيس شوقاً نحوها دنفافي مهمه الفر يبدي شدة اللغب
عرج هناك لصحبي ثم بث لهموجدا تزايد بالأيقاد كالشهب
فيا رعي الله حيا بالشام لناذات البشام وذات المبسم الشنب
قد حال رسم ترى عما عهدت بهاأم ظل يبكيه دمعي زائد السحب
لم يبرح الشوق مني نحوها أبداًحتى أوسد رمساً في ثرى الترب
أم كيف أنسى ربوعاً بالهنا عمرتبين الأحبة لما طال مغتربي
دار بها البشر واللذات قد سلفتما بين أهل الصفا في غاية الطرب
وأهالها وسقاها الله كل ندىبكل منسجم الهطال منسكب
معاهد الألف والأحباب من وطنقد حن قلبي لمرآها السني العجب
فعمر الله مغناها بكل مدىما حن نازح ألف من جوى نصب
ما هب شمأل روض في غصون رباأو ناح طير على عال من القضب
وله غير ذلك من الشعر وكانت وفاته في يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة الحرام سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بتربتهم بباب الصغير ووافق يوم وفاته وفاة السلطان الأعظم مصطفى خان بقسطنطينية المحروسة رحمهما الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع