من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
صادق الخراط
صادق بن محمد بن حسين ابن محمد الشهير بالخاط الحنفي الدمشقي الشيخ اللوذعي العالم الماهر المفنن السابق في حلبة ميدان الأدب والكمال الفاضل الأديب الألمعي الشاعر كان من دهاة الدهر في الأمور الخارجية عارفاً بالأحكام الشرعية وله اليد الطولى في معرفة تنميق الصكوك والتوريق بحيث إنه انفرد بوقته في هذا الفن وله القدم الراسخ في فن الأدب وشعره كثير وكان يتولى نيابة محكمة الباب ولازم الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وتزوج بابنته واتصل بها وأخذ عنه وعن غيره ودرس بالمدرسة العمرية مدة قليلة وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه أديب قوافيه ثابتة الأوتاد ودون تخيلاته خرط القتاد استبد بالمعاني فلم يبق بها عليه حوج واستعد لها فارتقى أفقها وإليه عرج فهو بها لا تكاد تخطئ حججه ولا يخاض تيار غوره ولا لججه فما تقاعس عليه أمر الا وذلله بتدبير ولا ناواه امرؤ الا وأغرى على تدميره الا أن الكمال حشواها به والفضل مستودع ايجازه واسهابه فعنده ضالة الآداب تنشد ومنه تلقط الفرائد إذا أنشد وناهيك بمن منذ ترعرع سعى للأدب على قدم وساق وراض طرفه في ميدان البراعة وساق فقرطس بسهام اختراعاته أغراضها وشفي بنفثاته عللها وأمراضها ولم يزل على ذلك الانهماك حتى كاد أن يتناول السماك وقد ولته الثمانون أذنابها وأبدت له المنايا نواجذها وأنيابها فتوارت شمس عمره بالحجاب ودعاه داعي ربه فأجاب وله من النظم ما يستعبد أباً عباده ويحلي به الزمان أجياده اطلعت من ذلك على مجموعه بخطه اخترت منها ما هو كالزهر نبهه الندى بنقطه انتهى مقاله ومن شعره قوله معاً رضا قصيدة أبي بكر العمري التي أولها
لو تم لي في الحب سعدييا حب ما أخلفت وعدي
وقصيدته مطلعها
لو كان صبري فيك يجديلجعلته زادي وورديلكنني أيقنت أن
مدى جفاك بغير حدوعلمت مذ بعد المزار بأن سهم البين يردي
يا غائباً طالت مكابدة النوى وعدمت رشديبالله قل لي ما الذي
يا بدر أوجب طول صدىلم أرد ما ذنبي لديك فلم ترى أنسيت عهدي
كم ذا أبيت بليلة الملسوع أشكو حر فقديوإلى متى أرتاع من
وشك النوى وأليم بعديوإلى م توعد بالوصال ولا تفي يوماً بوعدي
أتظن لي عمراً يطول به أبلغ منك قصديهيهات قد طال المدى
من أين لي عمر ابن معدييا هاجري من نار هجرك في فؤادي أي وقد
سل أنجم الليل البهيم فإنها أدرى بسهديوسل العقيق عن المدا
مع والغضا عن نار وجدييا صاحبي قفا بعيشكما على هضبات نجد
واستخبر أعمن نأىعن ناظري وخان عهديظبي جعلت كناسه
قلبي وأحشائي وخلديفارقته ووددت لوعند الفراق سكنت لحدي
يا للهوى هل مسعدأشكو له ما بي وأبدييا بان وادي الجزع لو
أنصفتني ما خنت وديمل مثل ميلي أوفد عني في هواه أميل وحدي
أنا عاذلي قد عاف لومي مذ رآه غير مجديأنا ينثني غصن الأرا
ك لذكر أشواقي ووجديويذوب رضوي إن بثتله جوي في القلب عندي
أنا بلبل الأدواح يذهل عند تغريدي ونشديأنا حاسدي فيه رثى
لي وعذولي العذر يبديمنهالست الذي أسوا هوا
هـ ولو بليت بألف جهدكلا ولا أنسى زماناً فيه قد وفى بوعدي
في ليلة قد زارنيفيها وأشرق بدر سعديفضممت منه معاطفاً
وشحتها زنداً بزندومنهايا قلب دع عنك العنا
واصبر لما الأيام تبديلا يوم الا مثلهيوم يقابله بضد
وله معارضاً قصيدة الأديب السيد محمد القدسي الدمشقي على ذكر غالب أنهار دمشق ورياضها بالتورية لأن القدسي الدمشقي المزبور يدعى بابن الخصيب وقصيدته مطلعها
يا نسمة لثمت حبيبيوتمسكت منه بطيب
وقصيدة المترجم
يا نسمة الروض الخصيببالنيرب الغض الرطيبحياك هطال الحيا
وحماك من وشي المريبورعى الاله مهبكالزاكي على عرف الجنوب
بالله بالعهد الذيما صافحته يد الكذوبوبما جرى يوم النوى
من مدمع العين السكوبوبمطلع الأقمار منفلك المحاسن والجيوب
وبحكم سلطان العيون على الجوارح والقلوبوبسهمها الماضي الذي
يرمي الندوب على الندوبوبمبسم يفتر عنصفو الرضى لا عن قطوب
وبكل قد أهيفإن ماس يزري بالقضيبوبمجمع الشمل الذي
أهدى المسرة للكئيبوباكؤس الأفراح مندارات ساحات الحبيب
وبطيب مصطلح اللقايا نسمة الروض الخصيبإن جزت روض الصالحي
ية في الشروق وفي الغروبورأيت غزلان النقافي ظل بانات الكثيب
وسمعت أطيار الرباتشدو بحي على الطروبولثمت من بين الأزا
هر وجنة الورد النصيبيفتنشقي أرج المنىمن طيبه الزاكي وطيبي
وإذا مررت على اللوىمن سفح قاسيون المهيبفتحملي أمثاله
شوقاً من القلب السليبواسصحبي نشر القرنفلوالخزام مع الهبوب
وخذيه نحو مراتع الغزلان والظبي الربيبوادي دمشق سقي الحيا
أكنافه أوفى نصيبوإذا وصلت لجلقوالجامع الفرد العجيب
عوجي على بيت العلادار النقيب ابن النقيبوقفي هناك وقبلي
أعتاب منزله الرحيبمنهاواليك يا كهف العلا
وافت على غيظ الرقيبهيفاء تزري بالمهالحظاً وبالظبي الربيب
ومنهالا زلت تسقي أكؤس الأفضال كوباً بعد كوب
متسربلاً ثوب الهناما هب معطار الجنوبوشدت على دوح الحمى ال
أطيار بالصوت الطروب
وقال مضمناً
أفدي غزالاً يرينا في تعطفهغصناً وبدراً تراه في ترفعه
يصمي بأسهم لحظيه القلوب فلاترى فؤاداً خلياً من مصارعه
وكلما صاب قلباً صاح من فرحأهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه
ولإبراهيم السفرجلاني مضمناً
ومثبت سهم نجلاً وبه في كبديكأنه الريم يعطو نجو مرتعه
يقول قلبي لسهم قد رماه بهأهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه
ولصاحب الترجمة
وظبي سقاه التيه كأس محاسنوحيته بالكأس الروي يد اللطف
أدار علينا من رحيق رضابهومقلته كأسين جلا عن الوصف
فلم أدر أياً منهما كان مسكريولم أدر أياً منهما مال بالعطف
وله
وظبي من بني الأتراك المىهواه بمهجتي أبدا مقيم
يقول تظن في اللطف حتماًفقلت نعم كذا نقل النسيم
وله
لما تبدى دخان التبغ ينفخ منثغر الحبيب به أهل الهوى ولعوا
قالوا سحاب علا شمساً فقلت لهمما ذاك الأغبوق الورد يرتفع
وله
رأيت الحب يمنع لثم خدفقلت بحق حسنك لا تعارض
فحرك مبسماً بالأذن ينبيوبان من الثنايا البيض وامض
ولما ان دنوت ورست لثماًوجدت المنع من جهة العوارض
ولبعضهم
عزمت على السلو لطول هجريفجاءتني عوارضه تعارض
وكان العذر يقبل في سلوىولكن ما سلمت من العواض
وللسيد أحمد الدمشقي في المعنى وهو قوله معتذراً
أيا من فضله والجود ساراًمسير النيرين بلا معارض
وعدتك سيدي والوعد دينولكن ما سلمت من العوارض
وللماهر المجيد الشيخ إبراهيم الأكرمي الدمشقي في المعتي وهو قوله
لحا الله أيام العوارض انهاهموم لرؤياها تشيب العوارض
يضيق لها صدري وإني لشاعرخليع وبيتي ما عليه عوارض
والعوارض مظلمة سلطانية تؤخذ من البيوت في الشام في كل سنة ويقال انها من محدثات الملك الظاهر بيبرس وللمترجم قوله
أوحشتني يا ظبي أنس غدامرعاه في القلب وفي الخاطر
وللحشا آنست يا منيتيفليت لو فاز بذا ناظري
وقوله
قد كان يمكن أن أدوم مجانباًخلا عن المشتاق طال ذهابه
لكن خشين بأن تقول عواذليهذا الذي قد خانه أحبابه
وقوله مضمناً
لئن أردتم سؤالاً عن محبتكموعن وداد خلا عن كل تمويه
سلوا فؤادكم عني سيخبركمفصاحب البيت أدرى بالذي فيه
وقوله
ولا أنسى بوادي التل يوماًجرى ما بين خلاني وبيني
وطلقنا الهموم به وزالتليالي جفوتي وانزاح بيني
وأنزلنا السرور على رياضتفوق على رياض النير بين
فقلت ترى تمنى بانشراحأجابتني على رأسي وعيني
وله معارضاً قصيدة البهاء العاملي
هب لمضناك نهلة من فيكوترفق بمن تولع فيك
يا غزالاً أزيد فيه جوىكل وقت حشاشتي تفديك
لك وجه سبى البدور سنافوق رمح بمهجتي قد شيك
وعيون بغمزها فتكتفي فؤادي فلم أجد تحريك
حاش لله أن نرى مثلاًلك في الحسن أو نروم شريك
لم أزل حافظاً ودادك بلماضياً في الهوى بما يرضيك
فتصدق بطيب وصلك ليإن ذا الهجر والجفا يكفيك
ذبت شوقاً اليك يا أمليليت لو زرت يارشا داعيك
يا فؤادي فخذ أمانك منلحظه فهو لا مرا مرديك
واصطبر عند صده فعسىوأرد الحلم منه يشفع فيك
لا تطع قول لائم أبداًفي هواه أخاف أن يسليك
بدر تم بدت محاسنهيا عذولي احترز بأن يسبيك
جفنه بالسقام مكتحلفر يا جسم منك لا بعديك
لست أنسى ليالياً سلفتنلت فيها المنى بغير شريك
ولي من هذا الوزن والقافية قصيدة مطلعها
يا نديمي الحسن جمع فيكباكتمال يبدو بدون شريك
فقم الفجر نحتسي علناًخمرة طيب عرفها يشفيك
ورأيت بعد نظمي لها قصيدة للأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي من الروي والوزن المذكور مطلعها
حسن كل الملاح جمع فيكآه من لي بنهلة من فيك
وجهك البدر فوق غصن نقاشعرك الليل زائد التحليك
وقصيدة البهاء العاملي مطلعها
يا نديمي بمهجتي أفديكقم وهات الكؤوس من هاتيك
خمرة إن ضللت ساحتهافسنا نور كأسها يهديك
وهي شهيرة وقد عارض بها قصيدة لوالده وذلك هو المخترع لهذا الوزن وأبيات والده حسين الحارثي الهمداني مطلعها
فاح عرف الصبا وصاح الديكوانثنى البان يشتكي التحريك
قم بنا نجتلي مشعشعةتاه من وجده بها النسيك
وعارضتها المتأخرون بقصائد غير ذلك فلا حاجة للإيراد حذراً من تكثير السواد في المدام وللمترجم
في خده الروضة لا تحسبواثلاث شامات بدت عن حقيق
بل كاتب الحسن على خدهنقط بالعنبر شين الشقيق
ولبعضهم
ثلاث شامات بدتفي خد من أهوى حقيق
أم هن بارب النهىنقط على شين الشقيق
وللمترجم
حتى م تضرم نار قلبيوتروم اتلافي وسلبيوإلى م تعرض لاهياً
يا بدر عن حال المحبوتصدني عمداً بلاجرم بدا وبغير ذنب
إن كان أثر فيك قول عواذلي فالله حسبييا هاجري رفقاً فهج
رك قد أذاب صميم لبيكم ذا يحملني الهوىفي جنب حبك كل صعب
وأبيت حيراناً ولايدري بحالي غير ربياخفي الدموع تستراً
خوف الفضيحة بين صحبيوأنين من جزع ومنولهي ومن حزني وكربي
لم ألق من أشكو لهما سل بي وأليم قلبيكلا ولا أدري الذي
في الحب أوجب طول عتبييا مالك الأحشاء حبكفي الهوى قد صار دأبي
فأحكم بما نختارهبي يا شفا دائي وطبيفلقد رضيت بكل ما
ترضاه من بعدي وقربيفاسمح بوصلك أو أطلهجري فما بي لم يزل بي
وله مخمساً
لله ظبي رثى والقلب حاولهوقلب مضناه بالاسعاف عامله
ومذ رأى مهجتي قد شفها الولهألقى يديه على صدري فقلت له
لقد شفيت فؤاداً أنت موجعه
أجاب قولي وآمالي بذا علقتفكيف تشفى وناري كم حشا حرقت
فقلت إني أرى الألطاف قد سبقتفقال لا تطمعن عيناي قد رشقت
سهماً فأحببت أدري أين موقعه
وله وتلطف
قد عهدنا من الزمان قديماًإن الانعام في الكلام السامي
فوق الأعراف موقعاً فشهدناعجباً في الزمان بين الأنام
إن الأعراف قدمت في البرايافتراها تعلو على الانعام
وله أيضاً
هو حسن قلوبنا عشاقهويح من بالجفا رمته رفاقه
يا سميري على الهوى كن معينيإن قلب الشجي نمت أشواقه
شفني البعد والقلا فإلى ماذا التجافي والصبر مر مذاقه
لي ظلوم أباح قتلي جوراًسيما عندما رنت أحداقه
ظبي أنس له فؤادي مرعىبدر تم سبي النهى اشراقه
ذو قوام له الغصون أطاعتحيث بان اللوى بدا أطراقه
جرحتنا باللحظ منه عيونلم تقينا من سحرها أوفاقه
كل يوم يصدني وفؤاديليس يسلو ولا يطاق فراقه
وعذولي يهيم فيه غراماًوحشائي على المدا تشتاقه
وأنا لم يزل يكرر لوميحير العقل يالقومي نفاقه
وله متوسلاً
يا شفيع الأنام يا من يرجىفي غد من لهيب نار الجحيم
أنت غوض الورى وربي مغيثوأنا قادم بذنب عظيم
ووضعت الرجاء ما بين غوثومغيث وراحم ورحيم
ويقيني وحسن ظني بأنيلم أخب بين مكرم وكريم
فعليك الصلاة مني دواماًتتوالى وأشرف التسليم
وعلى الآل والصحاب جميعاًوعلى التابعين بالتعميم
ما أفاض العبير زهر الروابيوحبا نابه مهب النسيم
وكانت وفاة المترجم في يوم الاثنين خامس شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير ووافق إنه هو والأستاذ استاذه وشيخه وعمه والد زوجته
الشيخ عبد الغني النابلسي انتقلا في شهر واحد في سنة واحدة وسيأتي ذكر أخيه محمد أمين في محله إن شاء الله تعالى رحمهم الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع